
مع اقتراب كل موعد انتخابي، يستفيق بعض رؤساء الجماعات الترابية والبرلمانيين من سباتهم العميق، فيعمدون إلى إطلاق صفقات عمومية وأوراش بالجملة لتجهيز البنيات التحتية، وربط الأحياء بشبكات الماء والكهرباء والتطهير السائل، كما يخرجون في زيارات ميدانية للاستماع إلى مشاكل السكان واحتياجاتهم. غير أن الهدف لا يعدو أن يكون محاولة لترقيع القواعد الانتخابية، والتغطية على فشل الوفاء بالوعود المعسولة، التي رفعت خلال الحملات السابقة.
وإذا كان من وصف دقيق لهذه الصفقات التي يُؤخَّر تنفيذها إلى ما قبل الاستحقاقات، فهي بحق «صفقات انتخابية»، تعبر عن تحرك في الوقت الميت لمؤسسة الجماعة، في حين أن قانونها التنظيمي 14. 113 ينص على اعتماد سياسة القرب، والاهتمام اليومي بمشاكل المواطنين، ودعم التنمية المحلية، والرفع من جودة الخدمات العمومية وفق برامج واضحة تُمول وتُنفذ طيلة الولاية الانتخابية، لا في لحظاتها الأخيرة.
وفي السياق نفسه، تبرز مسؤولية السلطات المحلية والإقليمية، التي يتعين عليها اعتماد النجاعة في تتبع إعداد برامج العمل التي تسطرها الجماعات الترابية، والسهر على تنفيذها وفق جداول زمنية دقيقة، بدل انتظار اقتراب الحملات الانتخابية للتحرك بشكل مكثف ومفاجئ، في ظل استمرار شكايات هشاشة البنيات التحتية، والاعتماد على حُفر لتجميع مياه الصرف الصحي، والمطارح العشوائية وما يترتب على ذلك من تلوث بيئي، لا يزال من أبرز الإشكالات المطروحة، كما جاء في تقارير المجلس الأعلى للحسابات.
ولو كانت هذه الصفقات الانتخابية تُمول من الموارد الذاتية للجماعات الترابية لهان الأمر نسبيا، غير أن الإشكال الأكبر يكمن في تنافس بعض رؤساء الجماعات على استجداء دعم القطاعات الوزارية، واستغلال العلاقات الحزبية، وطلب تمويلات من وزارة الداخلية، في ظل الفشل في خفض الباقي استخلاصه والتغاضي عن جمع الضرائب ومستحقات الجماعات، فضلا عن الغرق في ديون صندوق التجهيز الجماعي.
وتستهدف هذه التحركات الانتخابوية الأحياء العشوائية والصفيحية في هوامش المدن، حيث تُوزع الوعود بشكل متكرر بسخاء، ولا يُنفذ منها إلا النزر القليل، قبيل الحملات الانتخابية. ويعود ذلك إلى كون هذه التجمعات تُعد خزانات انتخابية لمعظم الأحزاب السياسية، يُعاد اكتشافها عند الحاجة إلى الأصوات فقط، ثم تُترك بعد ذلك لمصيرها، لتتحول تدريجيا إلى حواضن لمظاهر العنف بمختلف أشكاله.
إن الاستغلال الانتخابوي للصفقات العمومية، وتأخيرها عمدا إلى مواعد الاستحقاقات بطرق ملتوية، يسهم في تفاقم بؤر العشوائية التي تشوه المشهد الحضري، ويؤدي إلى نشوء أحياء تفتقر إلى أدنى شروط العيش الكريم، ما يستدعي اليوم تفعيل آليات المحاسبة، وتفعيل دور مؤسسة الجماعة في التنمية المحلية، عوض الجمود التي تعانيه، واستغلال المال العام في خدمة الأجندات الخاصة.





