
من يرى كرة القدم اليوم في الشاشة يرى إحصائيات وأرقاما تتخلل النقل المباشر للمقابلة، ففي تواصل اللعب هناك من يحول حركات اللاعبين بكرة أو بغيرها إلى أرقام، هناك من يحصي ويقدم الحساب: عدد البطائق الصفراء والحمراء، عدد الأخطاء، عدد الركنيات، عدد التمريرات الخاطئة، عدد التسللات، كم من الوقت امتلك فريق من الفريقين الكرة، كم جرى كل لاعب من اللاعبين، وما المساحات التي تحرك فيها، عدد النزالات الثنائية ومن كسب فيها. لا شيء يفلت من الإحصاء، وكل المتعة أو الضجر الذي شاهده المتفرج يتحول إلى أرقام، وحين تركز الكاميرا على دكة احتياط أحد الفرق نرى من يدون أفكارا أو ملاحظات أو إحصائيات، ونرى من يشاهد شاشة أمامه تمنحه فرصة رؤية إعادة اللقطات. لقد انتهت الكرة الساحرة بين أيدي مجموعة من التقنيين المتخصصين الذين يفتشون اللعبة كأنهم في مشرحة، ويقسمونها إلى أجزاء صغيرة ثم يعيدون تركيبها كما شاؤوا. التقنيون يشاهدون كرة لا يشاهدها المتفرج العادي، يشاهدون أرقاما، يستخرجونها، يجمعونها، ويصنفونها ويخرجون بخلاصات.
التقنيون يقتلون كل سحر الكرة، دهشتها، عفويتها، نزقها وقدرتها المتجددة على أن تهزأ بكل الأرقام. يحلل التقنيون لعب الفريق الخصم قبل المقابلة، يبحثون عن نقط ضعفه ونقط قوته، يحضرون لقطات نموذجية من مقابلات سابقة له، يعطون أرقاما عنه، ويمنحون لاعبي الفريق مفاتيح النصر المؤكد، ويحللون لعب الخصم أثناء المقابلة، الذي قام تقنيوه، هو أيضا، بتحليل لعبه ومشاهدة مقاطع فيديو له، لإعطاء اللاعبين نصائح أثناء اللعب، أو بين الشوطين، وسيكون على هؤلاء التقنيين أن يحللوا لعب الفريق بعد المقابلة لتقويم أداء اللاعبين. وصفات التقنيين من أجل لعب جيد يقود للانتصار تشبه وصفات الاقتصاديين لشعب معين من أجل النمو والازدهار، لن ينهض اقتصاد إلا بشعب ناهض، ولن تنجح وصفة لمقابلة إلا حين تتضافر رغبة اللاعبين وقدرتهم على تحقيقها، كل خطط أعظم المدربين ستكون هراء حين تمنح للاعب ضعيف تقنيا وبدنيا ولفريق مفكك لتطبيقها، والكرة لا تلعب بالأرجل وإنما بالروح، هي من تندفع وتتحدى، وتقاوم وتكابر، وتنبعث، وتتضامن وتسير لأبعد من قدراتها. تهزأ الكرة، دوما، من تحليلات المحللين وتوقعاتهم، وتركل، في كل مرة، الإحصائيات التي لا تقول شيئا عن الكرة، فهي، ومنذ أن كانت جبلت على فقء عين التوقعات والتلاعب بالإحصائيات والمراتب، فكم من فريق احتكر الكرة وكانت كل الإحصائيات في صالحه، إلا نتيجة المقابلة التي كانت في صالح خصمه، وكم من مقابلة تواجه فيها فريقان، واحد في صفه المجد والتاريخ وتوقعات الجماهير، فهزم من الفريق الآخر الذي لم يمتلك سوى غل ومكر الضعفاء.





