
حاوره: النعمان اليعلاوي
في كتابه الأخير «المغرب وتحدي القوة»، يفتح الكاتب والباحث عبد المالك العلوي نقاشا واسعا حول التحولات التي عرفها موقع المغرب إقليميا ودوليا، وانتقاله، بحسب قراءته، من تدبير التوازنات إلى صناعة النفوذ. ومنطلق الكتاب سؤال يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه يحمل رهانات كبيرة: ماذا تعني أن يكون المغرب «قوة» في عالم تتغير فيه موازين التأثير بسرعة؟
في هذا الحوار، يتحدث عبد المالك العلوي عن دلالات التحول في العلاقات مع إفريقيا وأوروبا، وملف الصحراء، والعلاقات مع فرنسا وإسبانيا، والتنافس مع الجزائر، فضلا عن تحديات الماء والطاقة والغذاء والذكاء الاصطناعي والشباب. كما يتوقف عند سؤال أكثر إلحاحا: كيف يمكن تحويل القوة الجيوسياسية التي راكمها المغرب إلى قوة اجتماعية واقتصادية يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟
لنبدأ من عنوان الكتاب: «المغرب وتحدي القوة».. لماذا اخترتم تحديدا مفهوم «القوة» عنوانا مركزيا لكتابكم؟ وما الذي دفعكم إلى طرح هذا السؤال في هذه المرحلة؟
لم أختر هذه الكلمة. شركاؤنا الدوليون هم من أطلقوها علينا أولا، قبل أن نتبناها نحن.
في يوليوز 2019، وضعت المجلة الأسبوعية الفرنسية «لوبوان» على غلافها عنوانا صريحا: «المغرب، القوة الجديدة». استوقفني الأمر، لأن الكلمة لم تكن جزءا من معجمنا عن أنفسنا. وفي شتنبر 2025، ذهبت المجلة البريطانية «ذي إيكونوميست» أبعد من ذلك، حين كتبت أن المغرب صار قوة صناعية وتجارية. بين هذين التاريخين، قضيت وقتا طويلا أفتش في ما يعنيه هذا المصطلح بالضبط، وهذا الكتاب هو حصيلة ذلك البحث.
وهنا جوهر أطروحتي: القوة لا تُعلَن، بل يقرها الشركاء والمنافسون. ابن خلدون لاحظ أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب، في لباسه وشعاره ونحلته وسائر عوائده. بعبارة أخرى: القوة تُعرَف بما تثيره لدى الآخرين، لا بما تقوله عن نفسها.
والمغرب اليوم يُقتدى به. نموذجه الصناعي يُدرَس، ومنهجه الإفريقي يُستنسَخ، وصيغته في ملف الصحراء تُستحضر كمرجع يتجاوز ملفنا بكثير. وهذا مؤشر أصدق من أي إحصائية.
غير أن العنوان تحذير بقدر ما هو توصيف. تحدي القوة هو أولا خطر الاعتقاد بأنها مكسب نهائي.
عندما تتحدثون عن «القوة»، هل تقصدون القوة العسكرية والاقتصادية فقط، أم أنكم تنظرون إليها باعتبارها منظومة تشمل الدبلوماسية، والاقتصاد، والثقافة، والتكنولوجيا، والقدرة على التأثير؟
منظومة بالتأكيد. والمهم فيها ليس لائحة الأدوات، بل طريقة انتظامها.
أستعمل في الكتاب صورة الجوقة الموسيقية. المغرب يعطي أحيانا انطباعا بأن كل آلة تعزف بشكل سليم، لكن الانسجام غائب: كل واحد يحسن العزف، ولا أحد يعزف الميزان نفسه في اللحظة نفسها. القوة ليست مجموع القدرات، بل تزامنها.
وأضيف عنصرا كثيرا ما يُنسى: الشرعية. قد تملك دولة كل الوسائل ولا تملك أي سلطة، لأن كلمتها بلا قيمة. وفي المقابل، بلد متوسط الحجم، لكن توقيعه موثوق يزن أكثر من حجمه. هذا على الأرجح أكثر أصولنا بخسا في التقدير.
ولهذه الشرعية مقر. في المغرب أكثر من أي مكان آخر، الملك هو عارضة السفينة، ذلك الهيكل السفلي الذي يمنعها من الانحراف: يوازن القوى، ويحفظ ثبات الوجهة. هو ما يمنح الكل وحدته، وهو ما يجعل هذه الجوقة ممكنة أصلا.
هل تعتقدون أن المغرب انتقل خلال السنوات الأخيرة من سياسة تدبير التوازنات إلى سياسة صناعة النفوذ؟ وما المؤشرات التي تدفعكم إلى هذا الاستنتاج؟
نعم، وأؤرخ لهذا التحول بسنة 2014. حينها توقف صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عن الحديث عن تدبير الأزمات، ليتحدث عن تغيير السلم، أي عن رفع مستوى الطموح نفسه: بناء ما هو من القوة البنيوية، بحيث يصير التراجع مستحيلا.
ثلاثة مؤشرات. صناعيا: الانتقال من منطق جذب المصانع إلى منطق المنظومات، حيث يجر كل مستثمر خلفه سلسلة مورديه. إفريقيا: جولات 2016، والعودة إلى الاتحاد الإفريقي، وأنبوب الغاز مع أبوجا، ومركب الأسمدة الذي أنجزه المكتب الشريف للفوسفاط في إثيوبيا. ودبلوماسيا: انقلاب موازين القوى في ملف الصحراء.
لكن مع تحفظ واحد. نحن نصنع النفوذ في الخارج بنجاعة أكبر مما نصنع التماسك في الداخل. وهذا هو التوتر الذي يقوم عليه الكتاب كله.
في الكتاب، كيف تقيسون قوة الدولة؟ وهل يمكن لدولة أن تكون قوية عسكريا واقتصاديا، لكنها ضعيفة في قدرتها على التأثير وصناعة القرار؟
بالتأكيد، بل هذه هي الحالة الأكثر شيوعا. التاريخ مليء بدول مدججة بالسلاح وعاجزة تماما عن تحريك خط واحد. القوة لا تُقاس بما تملكه، بل بما تحصل عليه.
أعتمد ثلاثة معايير. الامتداد: القدرة على حمل فعلك إلى ما وراء حدودك. الاستمرار: القوى التي تُحسَب لها الحسابات هي تلك التي نعرف أنها ستظل قائمة بعد عشرين سنة. ثم امتصاص الصدمات دون تغيير المسار — وقد أثبت المغرب ذلك سنة 2011، وسنة 2020، وسنة 2023.
وأضيف معيارا رابعا، أندر من سابقيه: القدرة على أن تكون نافعا للآخرين. هذا المعيار بالذات هو ما يحول القوة إلى نفوذ.
المغرب اليوم يتحرك في فضاء إقليمي شديد التنافس، خصوصا مع الجزائر وإسبانيا وفرنسا ودول الساحل.. أين تضعون المغرب ضمن خريطة موازين القوى في المنطقة؟
في موقع متفرد، وهذا التفرد هو مصدر قوته. المغرب هو البلد الوحيد في المنطقة الذي هو في الآن ذاته أطلسي ومتوسطي وإفريقي وعربي، والذي قرر أن يتحمل الانتماءات الأربعة بدل أن يختار واحدا منها. جيراننا حسموا خياراتهم بشكل أكثر حدة، وهذه الخيارات تحبسهم: دبلوماسية مبنية على محور واحد تصير أسيرة ذلك المحور.
ومع ذلك، أتحفظ على عبارة «موازين القوى الإقليمية»، لأنها تفترض لعبة صفرية يكون فيها ربح طرف خسارة للآخر. المغرب الكبير من أقل مناطق العالم اندماجا، وهذا اللااندماج يكلفنا جميعا نقاط نمو كل سنة. كلنا خاسرون، بمن في ذلك المنتصرون المفترضون.
هل أصبح العمق الإفريقي أحد أهم عناصر القوة الجديدة للمغرب، أم أن الحضور الاقتصادي والدبلوماسي في إفريقيا ما زال يحتاج إلى ترجمة أكبر إلى نفوذ سياسي واستراتيجي؟
الأمران معا. إفريقيا صارت المختبر الكبير للسياسة الخارجية لجلالة الملك، والتحويل إلى نفوذ حصل فعلا وبشكل لافت: في يناير 2017، بأديس أبابا، يستعيد المغرب مقعده في الاتحاد الإفريقي بدعم أغلبية واسعة جدا من نظرائه، ورغم معارضة عنيدة. هذه العودة لم تسقط من السماء، بل هيأتها سنوات من الحضور البنكي والاتصالات والأسمدة. رأس المال الاقتصادي تحول إلى رأس مال سياسي.
ومع ذلك أرى هامشا كبيرا للتقدم. الدفعة الملكية فتحت الطريق، وكبار فاعلينا سلكوه بنجاح. ويبقى توسيعه: مقاولاتنا الصغرى والمتوسطة ما زالت قليلة الإقدام، وجامعاتنا يمكنها استقبال عدد أكبر من طلبة القارة، وإعلامنا يحكي إفريقيا لمواطنينا أنفسهم بشكل ضعيف.
مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، ومشاريع الموانئ، والاستثمارات المغربية في إفريقيا.. إلى أي حد يمكن اعتبار هذه المشاريع أدوات جيوسياسية وليست مجرد مشاريع اقتصادية؟
هذا التمييز لا وجود له، وقد فهم المغرب ذلك قبل كثيرين. أنبوب بطول أربعة آلاف كيلومتر يربط نيجيريا بأوروبا ليس بنية تحتية، بل هندسة سياسية: إنه ينتج ترابطات، والترابطات تنتج اصطفافات.
حالة أبوجا دالة. نيجيريا دعمت البوليساريو عقودا طويلة. وفي دجنبر 2016، تقبل أن تبني مع المغرب أطمح بنية طاقية في القارة. ما كان لأي خطاب أن ينتج هذا الانقلاب. أنبوب أنتجه.
هذا هو المنهج المغربي: الدبلوماسية الاقتصادية لا تكتفي بالمرافعة، بل تبني مصانع، وتنشر رساميل، وتصوغ ترابطات. إنها أبطأ من البلاغة. وهي أصعب بكثير في الإبطال. والمبادرة الملكية الأطلسية تندرج في المنطق نفسه: أن تمنح دولا حبيسة منفذا إلى المحيط، يعني أن تغير جغرافيتها الاقتصادية بشكل دائم.
في السنوات الأخيرة، شهدت الدبلوماسية المغربية تحولات مهمة في طريقة إدارة ملف الصحراء. هل أصبح ملف الصحراء اليوم أحد مصادر القوة المغربية، أم أن قوة المغرب هي التي جعلت هذا الملف أكثر حضورا وتأثيرا؟
الأمران صحيحان، والعلاقة دائرية. لكن إذا وجب الحسم في الترتيب: القوة المتراكمة هي التي فكت الملف، وليس العكس.
عقودا طويلة، دافع المغرب عن هذا الملف بحجج قانونية وتاريخية وأخلاقية، أمام محاورين يصغون بأدب. ما غير المعادلة هو أن المغرب صار بلدا يُحتاج إليه — في الأمن، وفي الطاقة، وفي النفاذ إلى إفريقيا. عندها كف الملف عن كونه طلبا وصار معطى.
وحصل أيضا تغيير في المنهج: الكف عن المرافعة المجردة لتقديم شيء ملموس، هو الحكم الذاتي. وهي فكرة، خلافا لما يُقال، ليست ارتجالا متأخرا — نجد أثرها في أرشيفات أمريكية رُفعت عنها السرية منذ أواخر السبعينيات.
اليوم عاد الملف إلى ما كان ينبغي أن يكونه دائما: لا عبئا، بل منصة.
ماذا تغير في موقع المغرب بعد الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، ثم اتساع دائرة الدول التي تدعم مقترح الحكم الذاتي؟ وهل نحن أمام تحول حقيقي في ميزان القوى، أم مجرد مكاسب دبلوماسية ظرفية؟
تحول حقيقي، ويمكن قول ذلك دون نبرة انتصارية. اختبار التحول هو قابلية الرجوع: المكسب الظرفي ينقض عند أول تغيير حكومي. والحال أنه لم يحصل أي تراجع منذ دجنبر 2020، بما في ذلك مع تناوبات سياسية في الدول المعنية. وحين تكف عواصم احتاجت أربعين سنة كي تتحرك عن التحرك، كلها في الاتجاه نفسه، فنحن لم نعد أمام ظرفية.
غير أنني أضع تحفظا مهما. الاعتراف الدبلوماسي لا يبني طريقا ولا مدرسة ولا مستشفى. الاختبار الحقيقي صار في الميدان: التنزيل الفعلي للحكم الذاتي، ووتيرة تنمية الأقاليم الجنوبية. لقد ربح المغرب الحجة، ويبقى عليه أن يربح البرهان.
العلاقة مع فرنسا شهدت خلال السنوات الأخيرة توترات وتحولات، ثم عادت إلى مسار أكثر دفئا. ماذا تكشف هذه التجربة عن انتقال المغرب من موقع «الشريك التابع» إلى موقع «الشريك الذي يفاوض من موقع قوة»؟
هذه المرحلة هي على الأرجح خير تجسيد لأطروحتي كلها.
المغرب لم يرفع صوته، ولم يقطع، ولم يُدلِ بتصريحات صاخبة. اكتفى بالامتناع — عن الطلب، وعن المبادرة، وعن الإلحاح — وترك الزمن يشتغل. إنه شكل خاص جدا من القوة: أن تُثبت أنك قادر على الاستغناء.
ما تكشفه هذه التجربة هو أن العلاقة أُعيد توازنها لا بالمواجهة، بل بالتنويع. البلد الذي يملك خيارات أخرى لا يحتاج إلى رفع صوته.
وأريد أن أكون واضحا، لأن كلامي كثيرا ما يُؤوَّل خلاف ذلك: لا يتعلق الأمر بانتصار على فرنسا. العلاقة المغربية الفرنسية قديمة وكثيفة ولا تُعوَّضُ إنسانيا، وهي اليوم أكثر عافية مما كانت عليه منذ زمن طويل — وذلك بالضبط لأنها صارت تقوم أخيرا على التناظر.
وماذا عن إسبانيا؟ هل التحول في الموقف الإسباني من قضية الصحراء يمثل، في رأيكم، نموذجا على نجاح المغرب في توظيف أوراق القوة الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية؟
كثيرا ما تُقدَّم هذه المرحلة كانتصار مغربي على مدريد. أعتقد أن هذه قراءة مبسطة أكثر مما ينبغي.
الحقيقة أن إسبانيا كانت أولا أمام تناقضاتها هي. لقد بنت مع المغرب علاقة اقتصادية بكثافة استثنائية، إلى حد أنها صارت شريكنا التجاري الأول، متقدمة على فرنسا. وفي الآن نفسه، ظلت تحتفظ في ملف الصحراء بموقف غامض موروث عن 1975 لم تصفّه قط. ولا يمكن أن تكون الشريك الاقتصادي الأول لبلد، وتبقى غير محسومة في ما يشكل بالنسبة إليه قضيته الوجودية. كان لا بد لأحد الطرفين أن يتنازل. وما تكشفه هذه المرحلة إذن ليس قوة ورقة مغربية، بل قوة الانسجام.
لكنني لا أريد رسم صورة ملساء أكثر من اللازم. التوترات الأخيرة، وطريقة توظيف حادث سبتة في النقاش العمومي الإسباني، أظهرت أن جزءا من المشهد السياسي والإعلامي هناك ما زال يحتضن رصيدا من الريبة تجاه المغرب، لم يكن ينقصه سوى فضاء للتعبير. وهذا درس لا يستهان به: موقف دولة يمكن أن ينقلب في بلاغ واحد، أما المخيال الجمعي فيحتاج إلى جيل كامل. المكسب ليس نهائيا أبدا.
وهذا لا ينقص شيئا من الخيار المغربي في ما بعد. فحين اتضح الموقف الإسباني، لم يستثمر المغرب في إحراج شريكه، بل أعاد الاستثمار فورا في العلاقة. كان ذلك السلوك الوحيد الممكن: القوة التي تُذِلّ تصنع بيدها شروط الطعن فيها.
هل يستطيع المغرب أن يوازن بين علاقاته الاستراتيجية مع أوروبا والولايات المتحدة والصين وروسيا، دون أن يتحول هذا التنويع في الشراكات إلى تناقضات يصعب تدبيرها؟
هذا أصعب أسئلتكم، ولن أدعي أنه محسوم.
العقيدة المغربية صريحة: نحن لا نختار معسكرا، نختار مصالحنا. وقد نجح ذلك نجاحا باهرا في عالم كان يتسامح مع الغموض. هذا العالم في طريقه إلى الزوال. نرى في كل مكان مطالب بالاصطفاف — في التكنولوجيا، والمعايير، وسلاسل التوريد، وأنظمة الأداء — والدول التي ترفض الاختيار يُفرض عليها الاختيار أكثر فأكثر.
يستطيع المغرب الصمود في هذا الموقع بثلاثة شروط. أن تكون خياراته مقروءة: الغموض الاستراتيجي لا يشتغل إلا إذا كانت المبادئ التي تسنده واضحة. وأن يحتفظ بأصول لا يستطيع أحد الاستغناء عنها. وأخيرا، وهو الأصعب، ألا يصير تابعا لأحد في المجالات الحرجة: الرقمي، والطاقة، والغذاء، والدفاع.
السيادة هي البوصلة، لكن البوصلة لا تنفع إن لم تكن تملك القوة على الثبات في وجه الريح.
المغرب يستعد لاستحقاقات كبرى، من قبيل كأس العالم 2030، ويواصل الاستثمار في البنية التحتية واللوجستيك والطاقة.. هل يمكن لهذه المشاريع أن تتحول إلى رافعة للقوة المغربية، أم أن الأمر يتوقف أساسا على كيفية استثمارها، بعد انتهاء هذه الاستحقاقات؟
كل شيء يتوقف على ما بعد، دون أي التباس. تاريخ الأحداث الرياضية الكبرى مليء ببلدان بنت ملاعب رائعة واقتصادات لم تتغير.
ومع ذلك أريد الدفاع عن هذه الاستحقاقات في نقطة نبخسها حقها. الموعد النهائي أداة تزامن. حين تعرف إدارة أن قطارا يجب أن يسير في تاريخ محدد أمام أنظار العالم، تُحسم التحكيمات، وتسقط العراقيل، وتُحترم الآجال. وهذا بالضبط ما ينقصنا بقية الوقت. 2030 إذن ليست حدثا بقدر ما هي كاشف: ستُظهر لنا أننا نعرف كيف ننفذ حين نقرر أن ننفذ.
أما الاختبار الحقيقي فسيأتي سنة 2031. البنية التحتية ليست هدفا أبدا، بل سند. الميناء لا يخلق الثروة، بل يتيح لآخرين أن يخلقوها. فإذا خرجنا من 2030 بتجهيزات عالمية المستوى ونسيج مقاولات صغرى بالهشاشة نفسها، نكون قد نجحنا في الحدث وأخفقنا في الجوهر.
هناك حديث متزايد عن السيادة الصناعية والتكنولوجية والطاقية. هل يمتلك المغرب اليوم مقومات القوة الاقتصادية التي تسمح له بتقليل التبعية للخارج؟
المقومات، نعم. صارت السيارات أول بند تصديري لدينا، واستقرت صناعة الطيران، وطنجة المتوسط أصل استراتيجي من الطراز الأول، والفوسفاط يمنحنا موقعاً نادراً في السلسلة الغذائية العالمية.
لكنني أود تصحيح سوء فهم شائع. السيادة ليست الاكتفاء الذاتي المنغلق. لا يوجد بلد في العالم ينتج كل ما يستهلك، ولا أحد يطمح إلى ذلك بجدية. السيادة هي ألا تعتمد على أحد إلى الحد الذي يمنعك من قول «لا».
وبهذا المقياس، تبعياتنا الحقيقية توجد في غير المكان الذي نبحث فيه عنها. إنها في أشباه الموصلات، وفي السحابة الرقمية والبيانات، وفي البذور والحبوب، وفي المواد الفعالة الدوائية. حققنا تقدماً هائلاً في الطاقة المتجددة، لكن الألواح والبطاريات تأتي من الخارج — لقد أزلنا الكربون عن تبعيتنا دون أن نقلصها دائماً.
السؤال الصحيح إذن ليس «ماذا ننتج؟»، بل «ما الذي يمكن أن يُقطع عنا غداً؟».
في المقابل، هناك تحديات داخلية: البطالة، الفوارق الاجتماعية والمجالية، جودة التعليم والصحة، والقدرة الشرائية.. هل يمكن لدولة أن تبني قوة خارجية مستدامة إذا كانت تواجه اختلالات اجتماعية واقتصادية في الداخل؟
لا، ليس على المدى البعيد. يمكنها ذلك لبعض الوقت — والتاريخ يقدم أمثلة عديدة — لكن ليس على المدى الطويل أبداً.
المفارقة المغربية حقيقية ولا ألتف عليها في الكتاب. منذ أواخر التسعينيات، اخترنا أرثوذكسية ماكرو-اقتصادية صارمة: التحكم في العجز، وضبط التضخم، والحذر النقدي. ضمنت هذه الخيارات الاستقرار وطمأنت المستثمرين. لكن كان لها ثمن: نمو مكبوح بشكل مزمن، عاجز عن الاستجابة للانتظارات الاجتماعية. يُشاد بنا على انضباطنا المالي، ونُحبِط ساكنتنا بقلة فرص الشغل.
وأود التوقف هنا عند أمر يستوقفني. في هذه الهشاشات، لم تأتِ الكلمة الأكثر صراحة من الطبقة السياسية، بل جاءت من فوق. ففي خطاب العرش لسنة 2025، حذر صاحب الجلالة الملك محمد السادس من خطر «مغرب بسرعتين». إنه تشخيص بالغ الصراحة، ويذهب أبعد مما نسمعه عادة في النقاش العمومي.
أما الاقتصادي رضوان الطويل فيتحدث عن «ثلاثية مستحيلة» بين الاستقرار والانضباط الميزانياتي والنمو. أعتقد أنه محق، وأن إعادة التوازن أمامنا. لا يتعلق الأمر بالتخلي عن الاستقرار، وهو مكسب ثمين، بل بإيجاد المعادلة بين الانضباط والجرأة. فاقتصاد ينمو ولا يوزع بما يكفي، ويجذب ولا يُدمج، ينتهي إلى إنتاج إحباط سياسي.
بمعنى آخر، أين تنتهي القوة الجيوسياسية وتبدأ قوة الدولة الاجتماعية؟
هما غير منفصلتين، وهذا بالضبط ما أود إسماعه. ليست هناك حدود، بل هناك دائرة كهربائية.
وإليكم السبب. أثمن ما يصدره المغرب ليس السيارات ولا الأسمدة: إنه استقراره. هو ما يجعلهم يستثمرون عندنا، ويعهدون إلينا بملفات إقليمية، ويصدقون كلمتنا. والحال أن الاستقرار ليس ملكاً للنظام، بل هو نتاج للتماسك الاجتماعي. إنه يُصنع في المدارس والمستشفيات ومكاتب التشغيل.
المواطن لا يعيش الدبلوماسية. إنه يعيش طابور انتظار، وأجراً، ومدرسة. فإذا لم تُترجَم القوة أبداً في هذه الأماكن الثلاثة، يُنظر إليها في النهاية كشأن نخبوي، وتفقد قاعدتها.
القوة الجيوسياسية إذن لا تنتهي في أي مكان. إنها تتغذى من الدولة الاجتماعية، وتنطفئ بدونها.
هل ترون أن الشباب المغربي يمثل اليوم عنصراً من عناصر القوة الوطنية أم أن ارتفاع البطالة والهجرة والرغبة في مغادرة البلاد يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية؟
هذا هو السؤال المركزي في الكتاب، وجوابي أنه الأمران معاً — والحسم بيدنا نحن.
اعتقدنا أننا نتوفر على «عائد ديمغرافي»: لدينا اليوم 1,7 نشيط محتمل مقابل شخص واحد في وضعية إعالة، وهي وضعية مواتية عادةً لنمو متسارع. لكن العائد لا يوجد إلا إذا تم تحصيله. وبدون مناصب شغل حقيقية، الشباب الكثير ليس قوة، بل توتر.
وأصر على نقطة تُنسى. الشاب المغربي ليس وحده المسؤول عن وضعه. الطرف الثاني في المعادلة هو المشغل. فإذا اكتفت مجموعاتنا الكبرى ومستثمرونا بقطاعات محمية أو ريعية، سيبقى سوق الشغل ضيقاً مهما بلغت جودة الخريجين.
أما الهجرة، فأتحفظ على طريقة الحديث عنها. الشاب الذي يغادر لا يصوت ضد المغرب. إنه يصوت ضد غياب الأفق. وهذا ليس الشيء نفسه، ولا يُعالَج بالخطاب.
العالم يتجه بسرعة نحو الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والاقتصاد الرقمي. هل المغرب يخوض معركة القوة الجديدة بأدوات القرن الحادي والعشرين، أم ما زال يفكر بأدوات تقليدية؟
ربحنا المعركة السابقة وندخل بالكاد في هذه.
الربط بالشبكة، وترحيل الخدمات، ورقمنة الإدارة: أنجزنا هذا العمل وأحسنا إنجازه. لكنها كانت معركة سنوات الألفين. أما معركة الذكاء الاصطناعي فتُخاض في ميادين أخرى: قدرة الحوسبة، وسيادة البيانات، والاحتفاظ بالكفاءات، وقبل ذلك كله مضمون ما نُدرسه.
وثمة استعجال خاص يعنينا مباشرة. ترحيل الخدمات، الذي خلق عشرات الآلاف من مناصب الشغل الحضرية المؤهلة، هو على الأرجح أحد أكثر القطاعات في العالم عرضة للأتمتة بالذكاء الاصطناعي. نجاحنا بالأمس هو هشاشتنا غداً. وهذا نقاش يجب أن نخوضه الآن، لا بعد خمس سنوات.
قلقي إذن ليس أن المغرب يتجاهل الموضوع — فهو لا يتجاهله. قلقي أن نعالجه كسياسة قطاعية بينما يتعلق الأمر بتحول في طبيعة العمل نفسه.
هل تعتقدون أن الماء والطاقة والغذاء ستصبح خلال العقود المقبلة عناصر حاسمة في تحديد قوة الدول، وما مدى استعداد المغرب لهذه المعركة؟
إنها كذلك منذ الآن. القرن الحادي والعشرون يعيدنا إلى الأساسيات، بعد عقود اعتقدنا فيها أن القوة شأن تدفقات مالية ورموز.
والمغرب يصل إلى هذه المعركة في وضع غير متناظر، بل يكاد يكون متناقضاً. ففي الأمن الغذائي العالمي نملك ورقة كبرى: فوسفاطنا مُدخَل لا يأكل بدونه جزء من البشرية، وقد جعل منه المكتب الشريف للفوسفاط أداة شراكة لا مصدر ريع. وفي الطاقة، تقدمنا في المتجددات حقيقي ومعترف به.
لكننا في الماء هشون. وهنا تكمن المفارقة: نملك مفتاحاً من مفاتيح الأمن الغذائي للآخرين بينما تظل فلاحتنا نحن معلقة بالسماء إلى حد بعيد.
هل نحن مستعدون؟ الحلول موجودة — تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، والتحول نحو زراعات أقل استهلاكاً، والفلاحة الذكية مناخياً. وكثير منها مبرمج فعلاً. ما ينقص ليس الاستراتيجية، بل وتيرة التنفيذ.
إلى أي حد يمكن أن يشكل التغير المناخي والجفاف والإجهاد المائي تحدياً للأمن الوطني المغربي، وليس فقط تحدياً بيئياً؟
أعتقد أن علينا الكف نهائياً عن معالجة الماء كسياسة بيئية. إنه قضية أمن وطني، بالمعنى الحرفي الدقيق.
انظروا إلى التسلسل. سنة جافة تُترجَم فوراً إلى انكماش في الناتج الداخلي الخام. والانكماش يضرب أولاً صغار الفلاحين في الداخل، بينما تواصل الأقطاب المسقية الكبرى التصدير. فتتسارع الهجرة القروية، وتغذي النمو العشوائي للهوامش الحضرية، وفي بعض الأقاليم يولد التصحر الفلاحي إحساساً بالإهمال. نقطة الانكسار هنا: الأدوات التي ضمنت مرونتنا الفلاحية عقوداً — السدود، والآبار، والفرشات المائية — لم تعد كافية.
والخطر الذي أخشاه محدد: أن تتحول الفلاحة، التي كانت طويلاً عامل تماسك وطني، إلى ناقل للتفكك. لا يستطيع المغرب أن يسمح لنفسه بتحويل ما كان قوته إلى بؤرة صدع مجالي.
هل يحتاج المغرب إلى عقيدة جديدة للقوة الوطنية تجمع بين الاقتصاد والدبلوماسية والدفاع والتكنولوجيا والتعليم، أم أن هذه العناصر تتحرك بالفعل ضمن رؤية موحدة؟
الرؤية موجودة. ما ينقص ليس عقيدة إضافية، بل آلية انسجام.
لدينا خارطة طريق طموحة هي النموذج التنموي الجديد. المشكل أن الأجندة الحكومية تعطيه أحياناً تأويلاً نشازاً، أو خارج الإيقاع، أو منحرفاً بمنطق قصير النَفَس. وإضافة عقيدة فوق ذلك لن تحل شيئاً؛ نحن لم نعانِ قط من نقص في الوثائق الاستراتيجية.
ما أدافع عنه هو حكامة التزامن، وتختصر في جملة واحدة: ما يُوعَد به يجب أن يُموَل، وما يُموَل يجب أن يُنفَذ، وما يُنفَذ يجب أن يُقيَم، وما يُقيَم يجب أن يُصحَح.
سيقول البعض إن هذه مقترحات معروفة وإنها تكسر أبواباً مفتوحة. وهذا ممكن. لكن البديهيات هي أسهل ما يُنسى. المغرب لا يحتاج وصفات سحرية. ليس مطالباً بأن يعيد اختراع نفسه، بل بأن يحقق ما هو عليه فعلاً.
كيف تنظرون إلى التنافس المغربي الجزائري؟ وهل نحن أمام صراع على النفوذ الإقليمي أم أمام تنافس يمكن أن يتحول مستقبلاً إلى صيغة جديدة من التوازن؟
بداية، بديهية قلما تُقال: هذا التنافس ليس في طبيعة الأشياء. له تاريخ ميلاد، وأسباب يمكن تحديدها، وبالتالي — من حيث المبدأ — إمكانية نهاية.
وقد صار اليوم مكلفاً للجميع. إغلاق أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي سنة 2021 خير مثال: لاحظت «فايننشال تايمز» أن القرار عاقب الجزائر وزبناءها الأوروبيين أكثر مما عاقب جارها المغربي. هذه سمة التنافسات الناضجة — ينتهي المرء إلى إيذاء نفسه.
هل يمكن أن يتطور الوضع؟ التاريخ يقول نعم: كانت إفران سنة 1969، وتلمسان سنة 1970. لقد سبق للبلدين أن قررا أن الكلفة تفوق العائد. واليد المغربية تظل ممدودة، علناً، وعلى أعلى مستوى. لكن في هذا النوع من الوضعيات، ما يغير الأمور ليس حسن النية تقريباً أبداً. إنها الكلفة.
هل يمكن أن يؤدي التحول في موازين القوى داخل إفريقيا، خصوصاً بمنطقة الساحل، إلى إعادة رسم موقع المغرب في القارة؟
لقد أعاد رسمه فعلاً. ظل الساحل طويلاً يُفكَر فيه من الشمال كمشكل أمني. انهار هذا الإطار، وصارت دول المنطقة تبحث عن شركاء آخرين، وصيغ أخرى، وسرديات أخرى.
ويصل المغرب إلى هذا الميدان بميزة نادرة: ليس قوة استعمارية سابقة، وليس ملقن دروس، وأسبقيته الروحية والإنسانية في المنطقة لا تدين بشيء للظرفية. علاقاتنا مع باماكو ونواكشوط وداكار ليست وليدة الأزمة. والمبادرة الملكية الأطلسية تندرج في هذه القراءة: بدل أن نعرض الأمن، نعرض منفذاً.
لكن مع الحذر. الساحل منطقة عدم استقرار عميق. والسؤال الحقيقي ليس هل يستطيع المغرب كسب نفوذ هناك — فهو يكسبه أصلاً — بل هل يملك وسائل الصمود طويلاً في التزام سيكون ممتداً ومكشوفاً.
من خلال اشتغالكم على هذه القضايا، هل تعتقدون أن المغرب يملك اليوم مشروع قوة وطنية واضحاً، أم أنه ما زال يبني هذا المشروع بشكل تدريجي وبراغماتي؟
الأمران معاً، ولا أرى في ذلك تناقضاً. الوجهة واضحة: السيادة بوصلةً، والاستقرار منهجاً، والامتداد أفقاً. هذه المحركات الثلاثة لم تتغير منذ سبعين سنة، عبر ثلاثة عهود وسياقات شديدة الاختلاف. وهذا في حد ذاته شكل من أشكال المشروع.
أما التدرج فليس نقصاً في الطموح، بل منهج مقصود. لم يسلك المغرب قط منطق القطيعة الجذرية، ولم يخسر بذلك شيئاً: أنجع طريق بين حاضر ناقص ومستقبل مثالي نادراً ما يكون الخط المستقيم. إنه يقتضي منعرجات كي لا نترك أحداً على قارعة الطريق، وتسريعات حين تفرضها الظرفية، وصبراً حين يكون النضج ضرورياً.
وهنا — وأزن كلماتي — ميزة تفاضلية لا تملكها إلا بلدان قليلة. المؤسسة الملكية تتيح الدخول في رهانات يُقاس مردودها بالعقود. ميناء طنجة المتوسط، والرهان الشمسي، والعقيدة الإفريقية، والعودة إلى الاتحاد الإفريقي: ما كان أي من هذه الخيارات لينجو من دورات انتخابية مدتها خمس سنوات، ولا من مطلب النتائج الفورية الذي يفرضه الإيقاع الإعلامي. دول أغنى منا بكثير عاجزة اليوم عن اتخاذ أي قرار يتجاوز ولاية واحدة. أما نحن فنستطيع أن نزرع ونحن نعلم أن غيرنا سيحصد.
ومع ذلك أضع حداً. البراغماتية فضيلة ما دامت تخدم التقدم. وتصير مشكلاً يوم تُستعمل حجةً لعدم الحسم.
هل أصبح المغرب قوة إقليمية بالفعل، أم أننا ما زلنا نتحدث عن مشروع قوة أكثر مما نتحدث عن قوة مكتملة الأركان؟
أرفض قليلاً مقولة «القوة مكتملة الأركان». إنها غير موجودة. هناك فقط قوى في حركة وقوى توقفت عن الحركة — والثانية لا تبقى كذلك طويلاً أبداً.
ومع ذلك أجيب على الجوهر. المغرب قوة بالفعل في عدة مجالات: الدبلوماسية الإفريقية، والصناعة التصديرية، واللوجستيك المينائي، والنفوذ الروحي. في هذه المجالات، وزننا يفوق حجمنا، وهذا هو تعريف القوة بعينه.
ويبقى مشروعاً في مجالات أخرى: التكنولوجيا، والبحث العلمي، والتماسك الاجتماعي، والماء. ويجب أن تكون لدينا الشجاعة لنقول إن السجل الثاني هو الذي سيحدد في النهاية مصير الأول.
نعم إذن، قوة إقليمية بالفعل. لكنها قوة لم يكتمل ترسيخها — وهي في نظري الصيغة الأدق.
هل يمكن أن تتحول النجاحات الدبلوماسية المغربية إلى قوة اقتصادية واجتماعية ملموسة يشعر بها المواطن؟
يمكنها ذلك، وقد فعلت في مواضع: طنجة المتوسط، والمنظومات الصناعية في الشمال، والاستثمارات التي جذبتها مصداقية البلد. توجد اليوم عشرات آلاف مناصب الشغل لأن المغرب موثوق دبلوماسياً.
لكن التحويل ليس تلقائياً، وهنا كل الصعوبة. إنه يفترض آليات لم نطورها بما يكفي: ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى التمويل، وتقليص غير المهيكل، وجبايةً تعيد التوزيع، ونسيجاً إنتاجياً أقل تمركزاً. فجهازنا الإنتاجي اليوم تهيمن عليه قلة من المجموعات الكبرى، بينما تكافح الآلاف من المقاولات الصغيرة كي تمول نفسها وتخرج من الهامش وتصدر.
وثمة اختلال بنيوي لا بد من تسميته. حجم الاستثمار العمومي في اقتصادنا متضخم. الدولة تبني، والدولة تمول، والدولة تتحمل المخاطرة — وفي الأثناء، يبقى جزء من نخبنا الاقتصادية في مأمن داخل قطاعات محمية أو ريعية، بمردودية مريحة وانكشاف ضعيف. وعكس هذا المنحنى هو على الأرجح مفتاح تنمية الغد. لم تُبنَ أي قوة دائمة بدولة تستثمر ورأسمال خاص ينتظر.
ولا أعتقد أن المشكل يكمن أولاً في التحفيزات الجبائية. إنه مشكل حالة ذهنية، ويقتضي أصلاً لامادياً يتجاوز الثقة: الأمل. الثقة تكفي لوضع مال في مكان آمن؛ أما الرهان فيحتاج أملاً. المستثمر الواثق يضع ماله في المأمون. المستثمر الذي يأمل يضع ماله في ما لم يوجد بعد.
أقولها إذن دون مواربة: النجاح الدبلوماسي الذي لا ينتهي إلى أن يُقرأ في ورقة أجر يُنظر إليه، في المدى المتوسط، كشأن نخبوي. والقوة التي يُنظر إليها كشأن نخبوي تفقد تدريجياً الرضا الذي يجعلها ممكنة.
هل يخشى المغرب من فقدان بعض أوراق القوة التي راكمها إذا لم ينجح في معالجة تحديات الداخل؟
ينبغي أن يخشى، وهذه خشية سليمة.
ورقتنا الأساسية ليست موقعنا الجغرافي ولا مواردنا. إنها أننا واقفون، مستقرون، وشرعيون، في عالم يتخبط. هذا لا يُقدَر بثمن، وهو ما يشتريه شركاؤنا حين يستثمرون عندنا أو يعهدون إلينا بملف إقليمي.
غير أن هذه الورقة ليست أصلاً منجمياً، فهي لا تُصان من تلقاء نفسها. الاستقرار يُنتَج باستمرار بالتماسك الاجتماعي، وقد رأينا مدى تعقيد التوازنات التي يتكون منها عقدنا الاجتماعي — وفي مقدمتها تحدي إدماج شبابنا في الشغل وفي الازدهار. جلالة الملك محمد السادس لا يفتأ يلح على ذلك. لكن لا بد من ملاحظة أن الحكومات المتعاقبة تجد صعوبة واضحة في العثور على الأجوبة الملائمة.
ما أقوله في الكتاب هو أن الصدوع — الاجتماعية والمجالية والجيلية — غير مرئية لكنها آكلة. وإذا لم تُرمم، فإنها تتسع.
لكنني أتحفظ على النبرة الكارثية. الاستقرار قاعدة، لا غاية. المشروع الحقيقي هو مغرب يجرؤ على تحويل هشاشاته إلى رشاقة.
عبد المالك العلوي في أسطر
عبد المالك العلوي كاتب وباحث مغربي يهتم بالقضايا المرتبطة بالسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، وبخاصة التحولات التي تعرفها مكانة المغرب داخل محيطه الإقليمي والدولي. راكم تجربة في تحليل التحولات الاستراتيجية للمغرب، من خلال تتبع تطور نموذجه الاقتصادي والدبلوماسي، وانفتاحه المتزايد على العمق الإفريقي، فضلاً عن علاقاته مع القوى الدولية والإقليمية.
ويقدم العلوي في كتابه» المغرب وتحدي القوة« قراءة في مفهوم القوة المغربية، بعيداً عن اختزاله في المؤشرات الاقتصادية أو العسكرية، معتبراً أن النفوذ يقوم على تفاعل عناصر متعددة، من الدبلوماسية والاقتصاد إلى التكنولوجيا والثقافة والشرعية والقدرة على التأثير. كما يثير الكتاب أسئلة مرتبطة بالتحديات الداخلية، خصوصاً التشغيل والتعليم والصحة والماء، ومدى قدرة المغرب على تحويل مكاسبه الجيوسياسية إلى قوة اقتصادية واجتماعية مستدامة يشعر المواطن بآثارها.






