
النعمان اليعلاوي
أشعل مشروع القانون رقم 54.23، المتعلق بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، الذي صادق عليه مجلس النواب، موجة انتقادات سياسية حادة داخل مجلس النواب، بعد اختيار الحكومة نقل تدبير التأمين الصحي الخاص بموظفي القطاع العام من الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي “cnops” إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي “CNSS”، في خطوة اعتبرتها فرق المعارضة قراراً ثقيلاً يمس حقوق ملايين المؤمنين، ويهدد مستقبل القطاع التعاضدي، ويخفي معالجة سطحية لأزمة مالية عميقة.
واعتبرت المعارضة البرلمانية أن الحكومة لم تقدم إصلاحاً حقيقياً للمنظومة الصحية، بقدر ما لجأت إلى ما وصفته بـ”ترحيل الأزمة”، من خلال تحميل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أعباء العجز البنيوي الذي يعانيه “كنوبس”، بدل معالجة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى استنزاف صناديق التأمين، وعلى رأسها غلاء الأدوية، واختلالات الفوترة، وتضخم أرباح القطاع الصحي الخاص.
وفي هذا السياق، انتقدت عتيقة جبرو، النائبة البرلمانية عن الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية، خلال جلسة تشريعية، ما وصفته بغياب المقاربة التشاركية في إعداد المشروع، معتبرة أن الحكومة كان يتعين عليها إشراك جميع الفاعلين والمتدخلين، من تعاضديات ونقابات وممثلي المؤمنين، بدل فرض “قرار فوقي” ما زال يثير رفضاً واسعاً داخل الأوساط المهنية.
وشددت جبرو على أن عملية الإسناد ليست مجرد إجراء إداري أو تقني، بل تمس بشكل مباشر حقوق المؤمنين وموظفي “cnops” وممتلكات مؤسسة عمومية راكمت مساهمات آلاف المنخرطين، محذرة من أن التعاطي البيروقراطي مع هذا الملف يفتح الباب أمام أسئلة مقلقة حول جودة الخدمات الصحية ومستقبل القطاع التعاضدي برمته.
من جهتها، اعتبرت فدوى محسن الحياني، النائبة عن الفريق الحركي، أن الحكومة أقدمت على سابقة لم يتقبلها حتى المستفيدون أنفسهم، مبرزة أن للقطاع العام خصوصيات تختلف جذرياً عن القطاع الخاص، وهو ما يجعل نجاح إدماج الصندوقين أمراً محفوفاً بالمخاطر. وسجل الفريق الحركي تحفظه على المشروع، محذراً من تعقيدات تقنية ومالية ناتجة عن اختلاف أنظمة التغطية ونسب الاقتطاعات وجودة الخدمات بين الصندوقين.
وأثارت الحياني مخاوف مرتبطة بالعجز المالي الذي يعرفه “cnops”، ونفاد احتياطاته في أفق 2027، متسائلة عما إذا كان هذا الإدماج سيشكل عبئاً إضافياً على مالية “CNSS” واستدامته، بدل إنقاذ المنظومة الصحية. كما نبهت إلى التحديات العملية المرتبطة بتدبير الكم الهائل من ملفات المؤمنين، وما قد يترتب عن ذلك من تأخير في معالجة الملفات وتعويض المستفيدين.
بدورها، اعتبرت نادية التهامي، عن فريق التقدم والاشتراكية، أن المشروع يأتي في سياق غير عادي، يتسم بعجز مالي مقلق، متسائلة عما إذا كان الإدماج سينقذ “cnops” فعلاً من الإفلاس أم أنه مجرد تأجيل للأزمة وإخفاء محاسباتي لها، مع التحذير من احتمال انتقال العدوى إلى “CNSS”.
وأكدت التهامي أن الأسباب الحقيقية لاستنزاف صناديق التأمين لا تكمن في شكل التدبير، بل في هوامش الربح غير المشروعة في سوق الأدوية، خصوصاً المستوردة، واختلالات الفوترة في القطاع الصحي الخاص، معتبرة أن الحكومة اختارت معالجة الأعراض بدل الذهاب إلى جذور المشكل. كما سجلت بأسف إلغاء نظام التأمين الإجباري الخاص بالطلبة، ودمجهم كنظام تابع لأولياء أمورهم، في تراجع عن مكتسب اجتماعي شمل أزيد من 600 ألف طالب.
ومن جانبه، اعتبر مصطفى الإبراهيمي، عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أن المشروع لا يعدو أن يكون خطوة لإلحاق “cnops” بـ”CNSS” وخدمة لوبيات معينة، منتقداً رفض الحكومة جميع التعديلات المقترحة، سواء من المعارضة أو الأغلبية، وهو ما اعتبره تكريساً لمنطق “التغول العددي”.
وسجل الإبراهيمي أن الحكومة تجاهلت معالجة المشاكل الهيكلية المرتبطة بغلاء الأدوية وتضخم التكاليف، مقابل التفريط في حقوق المؤمنين، خاصة الطلبة، وحذف مقتضيات تمنع التنافي بين تقديم العلاج والتأمين عنه، في ما اعتبره خطوة تفتح الباب أمام تضارب المصالح.





