
أدلى وزير الصحة، أمين التهراوي، بتصريحات خطيرة في اجتماع لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب، عندما تحدث عن وجود لوبيات متغلغلة داخل وزارة الصحة، تهاجمه وتمارس عليه ضغوطات كلما وضع مبادرة لإصلاح القطاع.
ما كشف عنه الوزير ليس بجديد، فقد سبق لنا في جريدة «الأخبار» أن كشفنا وجود هذه اللوبيات داخل قطاع الصحة، وخاصة تلك المرتبطة بالشركات الأجنبية متعددة الجنسيات، وكنا فضحنا بالوثائق كيف تحولت مديرية الأدوية آنذاك إلى ملحقة لهذه الشركات، مقابل ضرب الصناعة الوطنية للأدوية.
وكنا قد نبهنا منذ سنوات إلى خطورة هيمنة الشركات متعددة الجنسيات، التي تستحوذ على جل الصفقات، التي كانت تفوتها وزارة الصحة في عهد الحكومات السابقة، حيث كانت سوق الأدوية مشكلة في غالبيتها من الأدوية الأصلية، مع معدل ضئيل للغاية لمكانة الأدوية الجنيسة، التي لا تتجاوز نسبتها 40 في المائة، في حين يناهز المتوسط العالمي حوالي 60 في المائة.
هذه المعطيات تكشف وجود لوبيات تهيمن على سوق الأدوية وتفرض قوانينها الخاصة، بعيدا عن أية مراقبة، والدليل على ذلك وجود مختبرات «أشباح» تابعة لشركات عالمية، تحصل على تراخيص لبيع أدوية مستوردة دون أن تتوفر على وحدات لصناعة الأدوية.
والخطير في الأمر أن هذه اللوبيات تتوفر على امتداد ونفوذ داخل الإدارة الوصية على القطاع، وهذا الموضوع يثير الكثير من الشبهات، خاصة أن هذه الشركات المستوطنة تقوم بإغراق السوق المغربية بأدوية تشكل خطرا على صحة المواطنين، ما يساهم في ضرب الشركات الوطنية للصناعة الدوائية، التي تخلق مناصب شغل وتحمي الأمن الدوائي الوطني.
والجديد الآن أن هذه اللوبيات تمكنت من اختراق البرلمان، وهو مؤسسة تشريعية تمثل سيادة الأمة، حيث نجد أن بعض البرلمانيين تحولوا إلى محامين لشركات أجنبية، وهدفهم هو ضرب أي شركة وطنية تنافس هذه الشركات المتغولة.
هذه الممارسات تضرب في العمق مصداقية المؤسسة التشريعية، وتمس باستقلاليتها كمؤسسة ترمز لتمثيلية الشعب والدفاع عن مصالحه، وليس الدفاع عن مصالح اللوبيات الاقتصادية المتغولة. وأخطر من ذلك لجوء بعض «اللوبيات» إلى استعمال وسائل «خبيثة» لاستمالة البرلمانيين، مقابل تقديم تعديلات تخدم مصالحها، وهناك برلمانيون لهم مصالح اقتصادية مرتبطة بشركات، نجدهم يستغلون قبة البرلمان للدفاع عن مصالحهم الاقتصادية وليس مصالح المواطنين الذين صوتوا عليهم.
ولهذا، آن الأوان لإقرار سياسة دوائية ناجعة، تتوجه نحو إجراءات مواكبة لدعم صناعة دوائية وطنية وتشجيع ومواكبة الصناعة الوطنية للأدوية الجنيسة، ترمي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وفتح فرص وآفاق التصدير، وذلك لحماية الاقتصاد الوطني والرفع من أداء الميزان التجاري، والحد من استيراد الأدوية، وتسهيل ولوج المواطن إلى الدواء بجودة وفعالية عالية وأسعار موضوعية، هذه الأسعار من شأنها أن تحافظ على ديمومة أنظمة التغطية الصحية.




