حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

مافيا الأعلاف

نعيمة لحروري

 

 

حين تترك أعناق مربي الماشية بين أيدي المحتكرين، وتتحول الأعلاف إلى سلاح اقتصادي، نكون أمام انهيار صامت لا يريد أحد أن يسميه باسمه الحقيقي: الجريمة.

ليست أزمة عابرة ولا ظرفية استثنائية، بل مشهد عبثي تدار فيه أقوات الناس كما تدار صفقات الظل، ويتحول فيه هذا القطاع الحيوي إلى ساحة مفتوحة للابتزاز.

ففي ظل الجفاف الذي أنهك المراعي، ومع غلاء يلتهم القدرة الشرائية، وجد مربو الماشية أنفسهم محاصرين بكلفة تغذية يومية تثقل كاهلهم وتستنزف ما تبقى من قوتهم. القطيع الذي كان بارقة أمل في زمن الشدة صار عبئا ثقيلا، والقطيع الذي كان درعا واقيا للأسرة القروية صار اليوم على حافة الجوع، فقط لأن حفنة من المضاربين قررت أن تحول الأزمة إلى فرصة شرهة للربح السريع.

ورغم ما تبذله وزارة الفلاحة من جهود، وهي جهود لا يمكن إنكارها، إلا أن نفوذ لوبي الأعلاف يظل أقوى من تأثير القرارات الرسمية على أرض الواقع. فالسماسرة يحتكرون الكميات في المخازن، يتحكمون في السوق، يرفعون الأسعار دون وازع، ويلقون بمربي الماشية في مواجهة مصير لا يرحم. بالنسبة إليهم، لا يوجد جفاف ولا أزمة، يوجد فقط موسم ذهبي لجمع الأرباح على حساب المقهورين.

وما يزيد الطين بلة، أن الإعلان عن أي دعم حكومي يتحول فورا إلى إشارة انطلاق جديدة للمضاربات، لا إلى تخفيف للعبء. فما أن يعلن عن دعم، حتى يقفز الوسطاء إلى رفع الأسعار بلا مبرر، فيبتلع السوق الدعم قبل أن يصل إلى أيدي مستحقيه. وهكذا يتحول «الدعم» من طوق نجاة إلى طعم جديد لابتلاع جيوب مربي الماشية.

ومع استمرار هذه الزيادات الجنونية، فإن تربية الماشية بالمغرب مهددة في جذورها. سلالات مهددة بالانقراض، كسابة ينسحبون من القطاع مجبرين، أمن غذائي يترنح، واقتصاد قروي ينهار ببطء تحت ضربات المضاربات.

الكساب الصغير هو الحلقة الأضعف، ذلك الذي يسقي قطيعه قبل أن يسقي نفسه، ويصارع الجفاف بيد وبيد أخرى يقاوم جشع السوق. هؤلاء اليوم يقفون وحدهم في معركة غير عادلة، بينما من يحتكر الأعلاف يزداد قوة وثروة بلا حسيب ولا رقيب.

لهذا نحن بحاجة إلى دولة قوية أمام هذه اللوبيات، لا إلى صمت يزيدها تغولا. وبحاجة إلى مجالس منتخبة تعرف أن دورها الحقيقي ليس الاكتفاء بخطب مطمئنة، بل الوقوف في وجه من ينهش قوت الناس ويمزق ما تبقى من هذا القطاع.

ويبقى مربو الماشية، أولئك الذين صبروا على الجفاف والسنوات العجاف، يستحقون عدالة في السوق، حماية من السماسرة، وسياسات تنقذ القطيع قبل أن تنقذ الأرقام في التقارير.

الأمل قائم، لكنه لا يكفي. ما ينقذ هذا القطاع هو قرار شجاع يقطع الطريق على مافيا الأعلاف ويعيد للسوق عقلها، ولمربي الماشية كرامتهم، وللمغرب توازنه الذي اختطفته المضاربات.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى