حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

فئران في متاهة

 

 

يسرا طارق

 

في كتابها القيم «فئران في متاهة: كشف حيل والتلاعب بأمكنتنا اليومية»، تحاول المهندسة والأخصائية النفسية في الشغل إليزابيث بيلوغرين- جونيل، أن تقودنا في رحلة لفهم ما يحيط بنا من أمكنة مغلقة أو مفتوحة، لفك شفراتها، وتحليل ميكانيزماتها، وملاحظة الاستعمالات التي تشجعها أو تمنعها، والنظر في ما ينفلت، أحيانا، من أيدي معديها أنفسهم، وتقترح أن ننسى المعايير الجمالية والوظيفية للأمكنة والانكباب على قراءة حياتنا اليومية من خلال توقيعها في فضاء معين.

لكن ما هو المكان؟ أين يوجد؟ هل هو مادة، أم شكل؟ إن المكان شيء فيزيقي جدا، ومجرد جدا، في الآن نفسه، إننا نسبح فيه بالمعنى الحقيقي والمعنى المجرد، ولكل واحد منا المكان الذي يعيش فيه، والمكان الذي يدركه، والمكان الذي يحلم به، ولكل واحد تجربة خاصة مع مكان أو أمكنة معينة، دون أن نمتلك القدرة على التعبير عنها، نعيش، نحس، نختبر، ندرك، لكن دون أن نتوقف للحظة للتفكير في الأمكنة المحيطة بنا كشيء متصل ومنفصل عنا.

لتفكيك علاقتنا مع المكان في الحياة الحالية، تبدأ الكاتبة نزهتها في الفضاء العام بالسيارة، تلك الفقاعة الحديدية التي تفصلنا عن الآخرين، وتمنحنا مكانا خاصا بنا وحدنا، نكون ثابتين فيه، لكننا نتحرك، ونعبر من مكان لمكان بسرعة نحددها نحن وفق قوانين السير، أو درجة الازدحام. تفصلنا السيارة عن الأرض، وتمنحنا إمكانية أن نَرَى دون أن نُرَى، وأن يكون لنا عالم داخلي خاص بنا بداخلها، نحدد فيه درجة التكييف، ونوع الموسيقى التي نسمعها، وهل نفتح النوافذ ليدخل الريح، أم نسدها؟ جزء كبير من الحياة الاجتماعية لم يعد ممكنا إلا بواسطة السيارة، ومن أجل السيارة، وكل ما ولدته بعد ذلك من وسائل نقل أخرى، مزّق الناس الأرض وشقوا فيها الطرق في كل مكان، وبسطوا الإسفلت ليقتلوا كل فرص نمو الحشائش والأزهار، على كل ما تيسر فوقه السيارة أن يكون صلبا ميتا، وفي كل مكان هناك استراحات تحول السائق إلى مستهلك. العالم الذي تنتصر فيه السيارة، وتصغر فيه المسافات، وتكثر فيه محطات البنزين، والاستراحات، ومرابض السيارات، وكل أنواع الطرق، من الطرق السيارة إلى الطرق القروية، سينتهي بتوسع المدينة وتضخمها، وتحول القرى إلى مدن ناشئة، وسينتهي أيضا بالتآكل المأساوي للأراضي الفلاحية. صار الكل يحلم بسكن في البادية، لأنها لم تعد بعيدة، ولأن حيازة عقار وبنائه أرخص بكثير من المدينة، العودة إلى القرى كما تؤكد الكاتبة:

«ليست عودة إلى الأرض، ولا هي ابتكار لشكل حياة جديد، إنها تعكس فقط الغياب الدرامي للتحكم في العقار».

وبما أن المدينة، وخارج دورنا وسياراتنا صارت مرعبة، فإن تناسل الإقامات المغلقة والمحروسة والآمنة بدأ في الانتشار، مراقبة الدخول والخروج، وضع كاميرات المراقبة، تسجيل حيثيات الغرباء، كل هذه الإجراءات الاحترازية ستجعل من الصعب التفريق بين المؤسسات السكنية والمؤسسات السجنية. بين العمل والحياة المنزلية هناك التسوق والمراكز التجارية، والتي تستجيب هي أيضا لحاجيات عصر الحركة التي لا تهدأ حين تدخل هذه المراكز وتدفع عربتك أمامك، عليك أن لا ترى الآخرين إلا وهم يشترون، ألا تكلمهم، ألا تناقشهم، أنت هناك لتتجول بين السلع، وتختار ما تشتريه كما يشتري الآخرون، أنت في المراكز التجارية مستهلك فقط، عليه أن يختار من بين ما يعرض عليه، ويؤدي الثمن ويغادر. أنت في المدينة فأر وسط فئران، كل ما ستقوم به محدد سلفا، حتى ما تعتقد أنها رغباتك الحميمية مبرمجة، وتتم هندستها والتحكم فيها.

تنهي الكاتبة تحليلها بالتأكيد على أن الحياة الحالية صارت حياة الداخل فقط، حياة تجري أمام شاشة الهاتف أو الحاسوب، نسافر فيها إلى كل مكان، ونلبس فيها كل قناع، ونشكل فيها الصورة التي نريد عن أنفسنا، مشاغلنا، وعلاقاتنا، وذكرياتنا، وصورنا، وحتى مقبرتنا صرنا نراها في، ومن خلال، شاشة.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى