
في ذروة الحرب العالمية دافع السلطان محمد بن يوسف عن اليهود المغاربة، رافضا تسليمهم لنظام “فيشي” الفرنسي، على الرغم من الضغوط العديدة التي مورست عليه، كما رفض تسليم المواطنين اليهود لألمانيا النازية وتعهد بجعلهم تحت حمايته الشخصية، باعتباره سلطانا لكل المغاربة مهما كانت ديانتهم.
ترجمة حسن البصري
بدأ ذهني يستوعب هذه الأمور تدريجيا، في فترة يشهد فيها المغرب تحولات متسارعة، أنا الذي ولدت ونشأت في منطقة قروية لا يسعى القائمون عليها إلى تثبيت أبسط الأشياء ولا يبالون بتسجيل مواليدها وأمواتها في دفاتر الحالة المدنية.
لكنني نجحت في معرفة تاريخ ميلادي أو بتعبير أصح عام خروجي إلى الوجود، دون أن يتم ضبط يوم الولادة، الذي يرجع في الغالب لأواسط شهر نونبر.
في عهد الحماية لم يكن المغاربة يسجلون مواليدهم في سجلات رسمية لدى الإدارة، بل حتى الوفيات لم تخضع لعملية التوثيق. كانت السلطات أكثر اهتماما بتسجيل الأغنام والماعز والأبقار والخيول وغيرها من المواشي التي يملكها السكان الأصليون، بغاية تحصيل ضريبة “الترتيب”. وهي ضريبة كانت تمثل نظيرا للضريبة على الدخل، التي تستند إلى الملكية التي تتعلق بالماشية والمحاصيل الزراعية، هذه الضريبة الانتقائية التي تطبق على الآدميين وعلى الحيوانات أيضا.
تم اعتماد نظام الحالة المدنية في عهد المقيم العام المارشال ليوطي، وكانت إجبارية بالنسبة للمقيمين الأجانب في المغرب، بل إن تاريخ تنفيذها يعود لعام 1915، لكن المغاربة انتظروا إلى غاية 1959 ليتم تعميمها عليهم، أي بعد الحصول على الاستقلال.
في فترة شبابي كانت تراودني أحلام الارتباط بالأراضي الفلاحية، بل كنت أود استكمال معرفتي بالقطاع الفلاحي وولوج المدرسة الفلاحية في مكناس لتعزيز طموحاتي. لكن سرعان ما سأغير بوصلتي بعد أن انجذبت للمهن التي تجعلك ترتدي الزي النظامي: القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، الأمن الوطني، المياه والغابات..
لكني فضلت الأمن الوطني، وراهنت على الترشح لوظيفة حارس أمن، وعمري لا يتجاوز 16 عاما. لقد استهوتني المهنة وكانت تتراقص أمام عيني صورتي وأنا أرتدي البذلة الأمنية.
ما شجعني أكثر على ولوج القطاع الأمني، هو حاجة الدولة لرجال الأمن، في فترة وضع هياكل المؤسسات بعد الحصول على الاستقلال، وملء الفراغ الذي تركه الرحيل الجماعي لموظفي القطاعات الإدارية التابعين للحماية الفرنسية بالخصوص.
أمام الحاجة إلى موظفين بدلاء يؤمنون استمرارية المرفق الإداري، لم تكن المعايير والشروط الخاصة بالتوظيف صارمة ومتشددة، يكفي بلوغ سن مطلوب ومستوى تعليمي مقبول وشهادة عقد ولادة رسمية تثبت بيانات السن.
لهذا سعى الكثير من المراهقين ومنهم في سني، إلى “النفخ” في تواريخ أعمارهم، حتى تتلاءم والشروط المطلوبة لولوج أسلاك الأمن الوطني، وكنت واحدا منهم، كنت أبحث يمينا ويسارا عن وثيقة ترفع سقف عمري إلى ما يسمح لي بولوج الوظيفة الأمنية، وتمكنني من عقد ازدياد بمعطيات أخرى.
في هذه الفترة كان عقد الازدياد بمثابة العتبة الأولى والأساسية لإنجاز العديد من الوثائق والمستندات الرسمية، لدى المواطنين، كالتوظيف وإنجاز جواز السفر أو رخصة السياقة أو عقد الزواج..
كان المواطنون بصدد تثبيت مواطنتهم بالمستندات، باسم عائلي وتاريخ ولادة ومكانها.
وكان الفرنسيون والجزائريون، ورثة الحماية، مستمرون في مسؤولياتهم عن العديد من الخدمات في الدولة حديثة الاستقلال، ولم يهتموا كثيرا بالالتزام بالقواعد الصارمة في إعداد الوثائق، كان بالهم مشغولا أكثر بما بعد انتهاء مهامهم في المغرب وبعودتهم إلى بلدانهم وبمصيرهم ما بعد الاستقلال. هؤلاء كانوا يملكون حق اختيار الأسماء العائلية للمواطنين المقبلين على التسجيل في سجلات الحالة المدنية.
بعض الموظفين تعاملوا مع تسجيل الألقاب العائلية حسب مزاجهم وأحيانا بسخرية، نتجت عنها أسماء رافقت مضاعفاتها حامليها على امتداد العمر بل وورثها الأبناء بكل حمولاتها.
حتى تواريخ الأعمار لم تسلم من جرة قلم المسؤولين عن الحالة المدنية، من فرنسيين وجزائريين وقلة قليلة من المغاربة، حيث كانوا يستخدمون الصيغة الشائعة “ولد حوالي”. أي دون تدقيق في تاريخ الميلاد.
في ظل لامبالاة هؤلاء الموظفين يرتفع السن أو ينزل حسب المزاج، وغالبا ما يكون اللقب العائلي من اختراعهم.






