
في العاشر من شهر يوليوز من سنة 1978 وقع ما لم يكن في الحسبان بالنسبة للمغرب، حيث شهدت موريتانيا انقلابا عسكريا، أطاح بالرئيس الموريتاني المختار ولد داداه الذي كان يعتبر حليفا للمغرب، ليصبح بعد ذلك قائد أركان الجيش الموريتاني المصطفى بن محمد السالك رئيسا للبلاد. حينها قرر حكام نواكشوط الجدد التنصل من الالتزامات التي وقعت عليها موريتانيا في مدريد.
لكن موريتانيا لم تعترف رسميا بالبوليساريو إلا بعد خمس سنوات بعد توقيعها اتفاق سلام مع الجبهة الانفصالية، أملا في إنهاء حالة القتال بينهما وتنسحب بموجبه موريتانيا من جزء كانت تسيطر عليه في تيرس الغربية، إثر تضررها من ضربات البوليساريو.
نعود للميدان، فقد انتشر خبر وجودنا في عاصمة وادي الذهب، الذي أعلنته عناصر استطلاعية أُرسلت إلى المدينة، كالنار في الهشيم، مما أدى إلى تجمع حشد كبير في الساحة المركزية. وسرعان ما تحولت مظاهرة سلمية تطالب بالعودة الفورية للإقليم إلى حضن الوطن الأم.
تم تسليم قيادة الولاية إلى ممثلين مغاربة. وكرجل حكيم، لم يسع المسؤول المورياتني على إقليم تيرس الغربية، إلى تأجيج الموقف، مفضلا استيعاب الصدمة والانسحاب في صمت، محافظا بذلك على العلاقات الطيبة بين المغرب وموريتانيا.
وقبل حلول الظهيرة، رفع العلم المغربي فوق المباني العامة في المدينة، وسط مظاهر الفرح والابتهاج الشعبي. وفي اليوم التالي مباشرة، تنازل المسؤول الترابي الموريتاني عن منصبه لمواطنه، النقيب سيدي ولد مولاي علي، القائد العسكري لمنطقة تيرس الغربية. وقد تقبل هذا الضابط العسكري الكفء الوضع وتعامل مع الأمر الواقع، متصرفا بواقعية وتفهم، ومقرا بأن التغيير لا رجعة فيه.
في غضون أربع وعشرين ساعة، تحققت الرؤية الملكية الحكيمة، وعادت ولاية وادي الذهب إلى وطنها. في الفترة من 1 إلى 6 غشت 1979، شهدت مدينة الداخلة تجمعات واجتماعات واحتفالات شعبية كادت أن تفسدها اندلاع اشتباكات خطيرة بين القوات المغربية والجنود الموريتانيين. وقد تم تجنب اشتباك مسلح بين المدنيين المغاربة والجنود الموريتانيين بأعجوبة.
كان سبب هذا الاشتباك محاولة انشقاق عدد قليل من السكان المحليين (الموالين لجبهة البوليساريو) الذين قرروا مغادرة الداخلة سرا إلى نواذيبو في موريتانيا. وما أن علمت بمحاولة “الهروب المدبر”، توجهت فورا إلى المطار برفقة بعض الضباط المغاربة لمنع طائرة فوكر التي كانت تقل الفارين الخمسة أو الستة من الإقلاع، أنا ورفاقي طبعا.
كنا مسلحين ببنادق كلاشينكوف وذخيرة، وهي الأسلحة المطلوبة عند وصولنا إلى الداخلة، لضمان دفاعنا عن أنفسنا في حال وقوع خطر. على مدرج المطار، انتشرت قوة عسكرية موريتانية بأسلحة ثقيلة ومركبات مدرعة. أمام خطر تبادل إطلاق النار الوشيك، توجهت مباشرة للبحث عن النقيب سيدي ولد مولاي علي، المفوض له بتدبير أعمال حاكم تيرس الغربية، وكنت برفقة المرحوم حميدو لعنيكري.
وجدت سيدي ولد مولاي علي جالسا محاطا بثلاثة من زملائه، يحتسون الشاي الصحراوي، وبعد أن أُبلغ بخطورة الوضع في المطار، وافق على الفور على مرافقتنا إلى نقطة التوتر، في الطريق، صدمت سيارته بعنف وعمدا سيارة دفع رباعي يقودها رجلان ملثمان، تمكنا من الفرار والاختفاء في المدينة. ما إن وصلت إلى المطار، وقد سيطرت علي مشاعر الغضب، حتى أمسكت بالضابط الموريتاني، وأمرته بإخراج جنوده وإنزال الصحراويين الخمسة أو الستة الذين تم تهريبهم على متن الطائرة. وأمام إصراري، أمر الكابتن سيدي ولد مولاي علي بإخراج جنوده وإنزال الركاب فورا.
إنهم ستة صحراويين صعدوا إلى الطائرة سرا، لكن أمام إصراري، أمر النقيب سيدي ولد مولي بسحب جنوده وإنزال السكان المحليين، الذين غادروا الطائرة في نهاية المطاف، باستثناء أحد وجهاء المنطقة، الذي تمكن من خداع يقظتنا. أتردد في ذكر اسمه، احتراما لمكانته الاجتماعية، ونظرا لندمه بعد سنوات قليلة من ارتكابه الجريمة.
لقد أبدت هذه الشخصية الصحراوية رغبتها في العودة إلى الوطن. وللأسف، سبقت وفاته في معسكرات حمادة تندوف، لم يكتب له تحقيق هذه الأمنية، تاركا الأمر لعائلته لتحقيقها. لم يتأخر أبناء قبيلة ولاد دليم في الهروب من معسكرات البوليساريو ومجتمع العار والبؤس.
في وطنهم الأم عاشوا حياة الكرامة وانصهروا في المجتمع المغربي، بعد سنوات التغرير بهم.





