
نجحت الحيلة التي خططنا لها بمجرد توقيع منفذ عملية الاختطاف (أ.م) ملتمس الصفح بخط يده. وتم تسليمه لرجال الأمن التونسيين الذين كانوا ينتظرونه في الفندق، وفق ما تم الاتفاق حوله مع وزير الداخلية التونسي.
في صباح اليوم الموالي، طلبت مقابلة وزير الداخلية لتبليغه تحياتي وتحيات رفاقي، وأُعرب له عن امتناني لحفاوة الاستقبال والتعاون الذي حظيت به من طرف الأجهزة الأمنية التونسية. تمت الموافقة على المقابلة في الموعد الذي حدده ديوان الوزير.
ما إن وصلت إلى مكتبه، لاحظت حضور المدير العام للأمن التونسي، وبعد حصة من المجاملات، أخرجت من جيب سترتي التماسين خاطب فيها مرتكب الاختطاف جلالة الملك الحسن الثاني والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، طالبا منهما العفو.
تخيَلوا مدى حرجي وارتباكي من ردة فعل المسؤولين التونسيين رفيعي المستوى، اللذين فوجئا وذهلا عندما وجدا نفسيهما أمام هذين الالتماسين المكتوبين بخط يد المختطف الموضوع رهن الحراسة النظرية في سجن العاصمة التونسية.
استغرب الوزير ومدير الأمن التونسي، تبادلا النظرات وأعادا تفحص الملتمس، قبل أن يطرحا سؤالا جوهريا:
كيف حرر (أ.م) ملتمسا إلى قائدي بلدين بأسلوب جميل، دون علم أجهزة الأمن التي كان محتجزا تحت مراقبتها؟
تغيرت أجواء اللقاء، وتبين أن مبادرتي «المتهورة» أنا وزميلي منحتني صفة «شخص غير مرغوب فيه» في تونس، حيث تحول الترحيب الحار واللطف والمساعدة إلى برود وفظاظة، وبمظهر من مظاهر الشك والريبة.
طلب منا وزير الداخلية التونسي العودة إلى المغرب، دون انتظار رد الرئيس التونسي على ملتمس المواطن المغربي. وهكذا أحرجت خطتي وزير الداخلية ومدير الأمن، وفاجأتهما تماما. لم يكن بوسعهما تجاهل مناشدات (أ.م) للرئيس التونسي، ولا رغبته الصريحة والواضحة في السماح له بالعودة إلى المغرب.
عدت إلى الفندق وشرعت في البحث عن مخرج من هذه الورطة، وفي مساء اليوم نفسه، تم استدعائي على وجه السرعة إلى مقر وزارة الداخلية الذي لا يبعد كثيرا عن الفندق الذي كنا نقيم فيه، وما أن التقيت الوزير حتى لاحظت أن ملامح وجهه مختلفة تماما عما كانت عليه في آخر لقاء. أُبلغتُ أن الرئيس الحبيب بورقيبة تلقى الطلب، وأنه أصدر تعليماته مشكورا بإعادة المختطف إلى بلاده على الفور. قيل لي إنه يجب علي العودة إلى المغرب ومغادرة تونس.
أُبلغتُ بأن الرئيس الحبيب بورقيبة أصدر تعليماته بإعادة مختطف الطائرة إلى بلاده فورا، ورغم ذلك اجتهدت السلطات التونسية وطلبت مني العودة إلى الوطن وترك أمر ترحيل (أ.م) للسلطات التونسية.
بعد ثمان وأربعين ساعة عن «إجلائي»، وصل المختطف إلى مطار محمد الخامس الدولي في الدار البيضاء، برفقة رجل أمن تونسيين. علمت أنه غادر مطار قرطاج الدولي على متن رحلة عادية تابعة للخطوط التونسية.
وقبل المغادرة حرص التونسيون على تقديمه إلى الصحافة المحلية والدولية، ليؤكد أن عودته إلى بلاده كانت خياره الشخصي واستجابة للملتمس الذي قدمه لرئيس الدولة التونسية. كان الهدف من هذا البيان، الذي أملاه عليه التونسيون، تبرئة سلطات البلاد، في حال اتهامها بتسليم منفذ عملية اختطاف الطائرة.
بعد استعادته واستنطاقه من طرف السلطات المغربية، حول أسباب اقترافه لهذا الفعل الجرمي ودوافعه وأهدافه والجهات الداعمة له، تبيّن أنه شخص ساذج تائه الأفكار، استغلت سوريا سذاجته فصدق ادعاءات أجهزة المخابرات السورية، التي استخدمته لإلحاق الضرر بالمغرب.
تظاهر الرجل بالتقوى والورع، وأدلى بتصريحات غير مترابطة ذات طابعٍ دينيٍ مبهم. قال إن هدفه هو التنديد بالانحرافات التي يعرفها الشباب، بل أوضح أن هروبه إلى سوريا جاء كرد فعل على انفلات تربية شقيقته التي نعتها بالتبرج، وبسبب سذاجته المفرطة وندمه على ما اقترفه، لم يقدم الرجل للمحاكمة ولم يعتقل، بل على العكس، ساعدناه على الاستقرار في إحدى مدن المملكة، حيث تمكن من إيجاد عمل وكون أسرة واندمج في المجتمع، وأصبحت عملية القرصنة مجرد كابوس.




