
تعد معركة نورماندي من المعارك الحاسمة في تاريخ الحرب العالمية الثانية، إذ مثلت البداية التي استطاعت فيها جيوش الحلفاء المكونة من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، إضافة إلى حكومة فرنسا الحرة وغيرها من البلدان الأوروبية، من أجل تحرير غرب أوروبا وطرد القوات الألمانية.
هذه العملية العسكرية التي أطلق عليها اسم نبتون، أو ساعة الصفر، كانت إحدى المغامرات الحربية المحفوفة بالمخاطر، بسبب ضخامتها واعتمادها في إنزالها العسكري على العديد من القوات البحرية والجوية والبرية، ما يتطلب تنسيقا على أعلى المستويات، فتم تعيين الجنرال الأمريكي دوايت أيزنهاور قائدا لعملية الإنزال لقوات الحلفاء، ما يتطلب منه التوفيق بين سرية العملية وخططها وتجنب كل المخاطر غير المحسوبة والعوامل المؤدية إلى فشلها، حيث شارك فيها أكثر من 156 ألف جندي من أجل العبور من القنال الإنجليزي إلى الشواطئ الفرنسية.
خطط الحلفاء لغزو نورماندي عدة خطط سرية قائمة على التضليل بتسريب معلومات خاطئة عن مكان الإنزال، بإيهام الجيش الألماني بأن شاطئ با دوكالي الفرنسي هو الموقع المعتمد لغزو الحلفاء، في الجانب الآخر كانت القيادة الألمانية تتوقع إنزالا قريبا وأعدت العدة لمواجهته، فتم تكليف أفضل قوادها العسكريين الجنرال إرفين رومل، ثعلب الصحراء، بالدفاع الألماني عن الساحل الأطلنتيكي، وبالفعل وصل رومل إلى فرنسا وتفقد الساحل، ووضع خطط الاستعداد الألماني لمواجهة غزو محتمل للحلفاء، وكانت أهم قراراته الصائبة الحسم في مكان الإنزال واستبعد تماما شاطئ با دوكالي، ووجه نظره بالكامل إلى نورماندي.
كانت قوات الحلفاء قد أعدت لعملية الإنزال منذ اليوم الثامن والعشرين من شهر أبريل 1944، انطلاقا من الساحل البريطاني، وقبل شهر من تاريخ الإنزال استخدمت قوات الحلفاء عدة أساليب في خداع وتضليل القوات الألمانية ومخابراتها في ما يتعلق بوقت ومكان الغزو، وكان التفكير يتجه إلى اختيار أن يكون الهجوم، قبل يوم من بزوغ القمر كاملا، والاستفادة مما يسمى بـ«المد الربيعي».
وكان القائد دوايت أيزنهاور قد اختار يوم الخامس من يونيو لبداية الإنزال، ومع سوء الطقس اعتقد الألمان أن الغزو لن يكون متوقعا في مثل هذا الجو وسيستغرق الأمر بضعة أيام، ما شجع القادة الألمان على أخذ إجازة نهاية الأسبوع، بل حتى الجنرال رومل، قائد الجيش المرابط في السواحل الفرنسية، كان قد أخذ عطلة لحضور عيد ميلاد زوجته، وترك العديد من القادة الألمان مواقعهم.
كان الجنرال الأمريكي دوايت أيزنهاور في تلك الأثناء على اتصال دائم مع خبراء الأرصاد الجوية، وعلى علم بأحوال الطقس خلال يوم الخامس من شهر يونيو الذي اتسم بعواصف قوية وأحوال جوية سيئة في بحر المانش، وأن الأجواء ستتحسن في اليوم الموالي، لذلك قرر تأجيل عملية إنزال نورماندي 24 ساعة كاملة، ما أعطاه الأفضلية وفرصا لنجاح عملية الإنزال في ظروف مناسبة.
لذلك كان الجنرال أيزنهار يجيب الرئيس الأمريكي جون كينيدي لما سأله عن الأسباب التي منحته الأفضلية في يوم إنزال نورماندي، أجابه قائلا: «لأنه كان لدينا خبراء أرصاد جوية أفضل من الألمان».
يمكن القول إن عملية نورماندي كانت أكبر عملية إنزال حربي عرفها التاريخ، كان لها الفضل في تحرير غرب أوروبا وتخفيف الضغط عن الاتحاد السوفياتي في الجبهة الشرقية. ولم تمض سوى شهور قليلة حتى كان الجيش الأحمر السوفياتي على عتبة العاصمتين وارسو البولونية وبرلين الألمانية، وكافة شرق أوروبا، وفي الوقت نفسه وصل الحلفاء إلى باريس وبقية عواصم أوروبا الغربية التي كانت ترزح تحت الاحتلال النازي الألماني، ما يؤكد أن عملية نورماندي قد أسهمت بتطوراتها ونتائجها وما آلت إليه، في تغيير مسار الحرب العالمية الثانية والتاريخ العالمي.





