حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

محاضرة على عجلات كوسوفو

تفاديت زيارة كوسوفو من صربيا مباشرة لتجنب بعض الصعوبات الإدارية، وفضلت المرور عبر مقدونيا الشمالية والدخول منها إلى كوسوفو، سيما أن المسافة قصيرة.

بعد أن قضيت خمسة أيام في مدينة سكوبية بمقدونيا الشمالية، أخذت الحافلة من المحطة الطرقية متجها إلى بريشتينا، عاصمة كوسوفو. كانت الحافلة صغيرة، وكان معظم الركاب أجانب. وعلى المقعد القريب مني جلس شاب أمريكي يسافر مع مجموعة من أصدقائه.

عندما وصلنا إلى المعبر الحدودي، صعدت شرطية بزيها الرسمي وجمعت جميع جوازات السفر. ثم تقدمت الحافلة بضعة أمتار قبل أن تتوقف. وبعد نحو خمسة عشر دقيقة، عاد مساعد السائق وبدأ يعيد لكل راكب جواز سفره، فتوجهت الحافلة نحو بريشتينا عبر طريق سريع.

في تلك الأثناء، بدأ الأمريكيون يتحدثون عن سرعة أداء شرطة الحدود، كما أخذوا يتساءلون عما ينتظرهم في بقية دول البلقان التي برمجوا زيارتها. أما أنا، فكانت عيناي مركزتين على تضاريس الجنوب الشرقي التي تخترقها الحافلة بسرعة.

درست العلاقات الدولية، غير أن ما تعلمته في الشوارع وعلى الحدود، ومن جغرافية الأرض ولقاء السكان، كان أهم بكثير مما تعلمته في مدرجات الجامعة، حيث درسنا وفككنا أهم النظريات المؤطرة للعلاقات الدولية، والقضايا الجيوسياسية، والمؤسسات الدولية، والوساطات، ومشكلات الحدود، والتكتلات الإقليمية.

ومن باب الفضول، سألت جاري في المقعد إن كان ينوي الذهاب مباشرة إلى صربيا، فأكد ذلك، بل وواصل الحديث عن برنامجه مع أصدقائه، إذ بدا أن كل شيء منظم بدقة. سألته إن كان على دراية بالتعقيدات المحتملة. نظر إلي متسائلا، كيف ذلك؟ بينما كان بقية أصدقائه ينصتون باهتمام.

شرحت له أن صربيا تعتبر كوسوفو جزءًا لا يتجزأ من أراضيها وسيادتها، وتسميه في دستورها «إقليم كوسوفو وميتوهيا». كما أوضحت أن لكل شخص الحق في أن يكون له موقفه الخاص من القضايا الدولية، غير أن الدخول إلى صربيا من كوسوفو، في ظل هذا النزاع الإقليمي، قد يسبب تعقيدات غير ضرورية، وقد يترتب عليه ما لا يحتاجه السائح العابر.

ولتقريب الصورة أكثر، ضربت مثالا بقضية ناغورنو كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان، فشرحت سياقها وحللت أبعادها لما يقارب نصف ساعة. وخلال ذلك، كان الجميع ينصتون باهتمام، وكأننا في قاعة محاضرات جامعية لا في حافلة عابرة للحدود.

عندما وصلنا إلى محطة حافلات بريشتينا، تقدم الأمريكيون لشكري على الشرح والتفصيل الذي ساعدهم على فهم ما يحدث، وهكذا تعلموا أن السفر يفتح العيون على قضايا نتجاهلها أثناء إعدادنا له. بل إن أحدهم اقترح أن نلتقي مساء إن لم يكن لدي برنامج مسبق. فأجبته أنني سأكون مساءً في أحد المقاهي التي تنشط فيها فرق موسيقية محلية، وقد نصحني بعض الأصدقاء به، غير بعيد عن شارع الأم تيريزا. فقال، لنلتق هناك.

غير أنني، أثناء وداعي لهم، لم أكن أعلم أن بريشتينا مدينة أمريكية الهوى. ففي أثناء تجوالي في المدينة، وصلت إلى أحد أكبر شوارعها، واسمه شارع بيل كلينتون، حيث يحتفى بالرئيس الأمريكي السابق بتمثال ضخم له، ووراءه على الحائط صورة كبيرة. وغير بعيد عنه ينتصب تمثال مادلين أولبرايت، في إشارة رمزية إلى الدور الأمريكي الحاسم في تدخل حلف الناتو سنة 1999 لوقف الحرب بين جيش تحرير كوسوفو والقوات الصربية، بعد إلغاء الحكم الذاتي للإقليم عام 1989، وقبل أن يعلن استقلاله عام 2008 بدعم واضح من الولايات المتحدة.

ما زلت مقتنعا بأن السفر ليس مجرد صور تذكارية أو تسوق وهدايا، بل هو مدرسة نتعلم منها ما يدور حولنا من أحداث وحروب وصراعات، وما يختلج في العالم من آلام وأفراح، واحتفالات وإنجازات. فنرى ما كنا نسمعه، ونعايش ما كنا نقرأ عنه. ننتقل من متابعة الأخبار إلى معايشة التاريخ، ومن القراءة عن الجغرافيا إلى لمس تضاريسها والسير فوق ترابها، ليغدو السفر تجربة للفهم والتفكير واستيعاب ثقافة مجتمع ما. نصافح الاختلاف، ونكتشف أن العالم أوسع من تصوراتنا، وأغنى من أحكامنا المسبقة. كما يوقظ فينا أسئلة جديدة عن الإنسان والحياة، لنعيش التجربة بكل أبعادها.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى