حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

الملعب الملعون

 

حسن البصري

 

في زنقة محمد سميحة بالدار البيضاء، انتصبت علامات التشوير تعتذر للعابرين عن الإزعاج.

تم تطويق ملعب العربي بن مبارك، الذي كان يعرفه البيضاويون باسم «سطاد فيليب». لفته صفائح من الألمنيوم عليها بطاقة تقنية حول إعادة تأهيل الملعب وتجهيزه لمونديال 2030، قيل، والعهدة على «الداوي»، إنه سيحتضن تداريب الحكام.

ولأنه يعد معلمة تاريخية، خضع الملعب للمرة الثالثة لعملية تجميل أو لنقل عملية استئصال ورم حوله إلى ملعب مسكون تارة ملعون تارة أخرى.

قصة هذا الملعب ترجع إلى بداية عهد الحماية، وتحديدا في سنة 1920، حيث بني فضاء رياضي على قطعة أرضية في ملكية معمر فرنسي يدعى فيليب لاك، الذي كان مساندا لفريق «اليسام».

وهب أرضا لبناء ملعب لكرة القدم وبقعة أخرى لبناء ملعب للكرة الحديدية، وخصص جزءا منه مقرا لنادي «اليسام»، فيه مطعم وخمارة، شارك فيه المغاربة زملاءهم الفرنسيين الطعام والشراب.

أغلق الملعب وأغلق مقر «اليسام» وراح كل إلى غايته، قبل أن ينتبه الحسن الثاني إلى ضرورة إيقاظ الملعب من سباته الطويل، لما يربطه بهذا الفضاء من ذكريات حين كان يتابع مباريات الوداد وهو ولي للعهد.

يقول الكاتب الصحافي عبد الله غلالي، الذي واكب حكاية هذه المنشأة الكروية، إن أحمد العسكي، رئيس لجماعة سيدي بليوط السابق، تعرض للاستنطاق أمام المحققين مرات ومرات، بسبب التسعة ملايير التي سكبت على ملعب لا يمكن لمتفرج أن يجلس في مدرجاته إلا إذا وضع حزام السلامة، بسبب انحدار مدرجاته العليا.

غلالي هو من اقترح على الوزير العسكي، لاعب اليسام سابقا، إطلاق اسم العربي بن مبارك على هذا الملعب، يا ليته لم يفعل، لأن الملعب سيحاط بحزام من باعة السمك المقلي والدكاكين والمقاهي والسناكات، ومن أحشائه خرجت مقاطعة يصطف في طوابيرها المواطنون، حتى ظن أحد السياح أنهم يقبلون على اقتناء التذاكر.

تناوبت على ترميم هذا الملعب عدة مقاولات يقودها سياسيون، للأسف تحمل أسماء القيم الفضلى: الوفاء، الإخلاص، الإتقان..

تحول الملعب، في منتصف الثمانينات، إلى معقل لفريق شبان المدينة القديمة ولمجد المدينة، قبل أن يتسلم مفاتيحه ميلود أمهراوي ويجعل منه مقرا لفريق النسمة البيضاوية، مات ميلود ونسمته وأغلق الملعب الملعون.

في شهر أبريل 2014، زار جيست فونتين، اللاعب الفرنسي السابق من أصل مغربي، هذا الملعب وكان برفقة فريق تلفزيون فرنسي، قدم إلى الدار البيضاء لإنجاز فيلم وثائقي حول حياته.

ذرف فونتين دموعا غزيرة وهو يقف في ملعب العربي بن مبارك، متأملا التحولات الهجينة التي عرفها المكان، مسافرا في رحلة استحضر من خلالها اللحظات القوية التي عاشها في هذا الملعب.

قال لي فونتين: «إننا افتقدنا أشخاصا يتبرعون بقطع أرضية لبناء ملاعب كما فعل فيليب»، وفي المقابل عبر عن استيائه لوضعية الملعب ولإطلاق اسم العربي بن مبارك على منشأة يلفها الإهمال، وقال: «عيب أن نعذب العربي وفيليب في قبريهما».

بعد تسع سنوات مات فونتين وظل الملعب في غيبوبته، قبل أن يسلم نصر الدين الدوبلالي، الرئيس السابق لجماعة سيدي بليوط، مفاتيحه للوداد الرياضي، فيما ظلت رائحة السمك المقلي تنبعث من المكان، الذي تؤوي مدرجاته أسراب الحمام، حتى كاد الملعب أن يتحول إلى محمية للطيور، تحت وصاية وزارة الفلاحة.

بأي ذنب قتل هذا الملعب التاريخي، الذي يؤرخ لبدايات الكرة في مغربنا؟

بأي ذنب أجهز على المرافق المجاورة لسطاد فيليب؟

كيف أعدمت مطابع صحافة «ماص» ومقر «لافيجي»، الصرح الأول للصحافة المكتوبة في المغرب؟

أعدمت كما أعدم حامل اسم الشارع محمد ولد سميحة رميا بالرصاص رفقة صديقه الحنصالي.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى