حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

​ميسي.. درس من الطبيعة

​​ يسرا طارق

ولو أنني لستُ من هواة مشاهدة كرة القدم إلا في المناسبات الكبرى، وطنيا أو دوليا، ولو أن كلاما كبيرا قيل في ميسي منذ أن بدأ يبهر الناس بمهاراته حتى لا مزيد بعده، ولو أن كل مديح في ميسي يسعد عشاقه في الآن نفسه الذي يزعج فيه أتباع رونالدو فيسارعون للتعبير عن امتعاضهم، ولو أن الكلام في رجل ملأ الدنيا وشغل الناس لم يعد يقتصر على المهووسين بالكرة، بل طال حتى الأكاديميين ورجال الدين والمفكرين والأدباء، فإنني -ورغم كل هذا- سأقول في ميسي ما يلي:

​يندر في عالم كرة القدم أن يحافظ لاعب – يترصده كل الخصوم ويواجهونه في معظم الأحيان بخشونة زائدة- على نفسه سليما معافى أزيد من عقدين من الزمن. إنه جسد جبار مهما بدا للرائي ضعيفا وقابلا للكسر في كل لحظة. هذا الجسد الذي يتلقى الضربات ولا يسقط، ويدخل الالتحامات ولا يتراجع، والذي – في عمر متقدم- يستجيب لنوايا العقل بمرونة شديدة، هو مذهل بكل المقاييس، خصوصا إذا استحضرنا ما حدث لمشاهير اللاعبين.

​لم يحافظ ميسي على جسده كما هو فحسب، بل حافظ أيضا على الروح التي يلعب بها. ميسي في كل مقابلة -حتى لو كانت ودية- يشبه نفسه دوما: نفس المكر، نفس الإصرار، نفس الروح المنتصرة، نفس الحماس، ونفس العطش للفوز. أحرز كل ما يمكن للاعب عظيم أن يحرزه، وحطم كل الأرقام القياسية، واستوى في مكان لن يصل إليه أحد، لكنه حين يلعب ينسى كل ذلك؛ ينسى «ميسي الظاهرة»، ويكون «ميسي» الذي عليه أن يجري ويعرق من أجل الانتصار.

​كل من واجه ميسي يعرف بأنه وديع وودود ومتواضع جدا، لكنه يتحول إلى جبار إن غضب. غضب ميسي أهوج ومدمر، وقد جربه لاعبون كبار؛ فحين يغضب لا أحد يوقفه، سيفعل بمن أغضبه الأفاعيل، وسيمرغ أنفه في التراب.

​وأنت تشاهد ميسي يلعب، تلاحظ بأنه يتمشى في بعض الأحيان، يراقب الآخرين يلعبون كأنه متفرج. صورة «المتخاذل» هذه التي يبديها خادعة وماكرة؛ إنه لم يكن يمشي ولا كان يتفرج، وإنما كان يُقيِّم ويهندس ويخطط لما سيقوم به حين تصله الكرة. ميسي نسيم وإعصار في الآن نفسه، لا تعرف متى يهدأ ومتى ينطلق.

​ميسي رجل متدين لا تفارقه الإشارات الدينية، ولعله من أكثر اللاعبين في تاريخ كرة القدم الذين كرسوا حضور الدين ورموزه وبعض إشاراته بعد كل إنجاز. موهبة خارقة كموهبة ميسي، والأهداف الإعجازية التي سجلها، والتوفيق الدائم الذي يحالفه ويحميه من كل الإصابات، قد تدفع كل من يشاهده إلى الاعتقاد بأنه مشمول برعاية إلهية دائمة.

​ميسي مثال للانضباط الأسري والاجتماعي، وهو أيضا مثال كبير لرجل لم تفسده الشهرة، مما يجعله قدوة لكل الأجيال. الصعود إلى القمة صعب، لكن المحافظة على مكان في القمة أمر أصعب من دون التزام وتضحيات.

​لا أعرف كيف ستكون كرة القدم بعد ميسي، كل ما أعرفه هو أنها ستخسر هبة عظيمة من هبات الطبيعة.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى