حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

نساء لتأثيث المشهد السياسي

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر المقبل، تعرف كل الأحزاب السياسية حراكا داخليا ليس من أجل اقتراح الأفكار والبرامج التي ستساهم في خلق التنمية وفرص الشغل للمغاربة، لكنها صراعات تنصب حول من ستكون على رأس اللوائح الجهوية للنساء، التي ستضمن انتخاب 90 نائبة برلمانية بمجلس النواب.

وتم في القانون التنظيمي لمجلس النواب سن مقتضيات ترمي إلى تمتيع المترشحات بأحكام خاصة من شأنها تحقيق غاية دستورية تتمثل في إتاحة فرص حقيقية للنساء لتَولي الوظائف الانتخابية، تطبيقا لأحكام الفصل 19 من الدستور الذي ينص على أن «تسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء».

وخلافا لهذه الغاية الدستورية، تحولت اللوائح الوطنية للنساء سابقا، واللوائح الجهوية المعمول بها حاليا، إلى لوائح «ريعية» يتم وضع المقربين على رأسها، لضمان مقاعد برلمانية، وخير دليل على ذلك شبكة العلاقات العائلية المتواجدة بالبرلمان عن طريق هذه اللوائح.

فإذا كانت هذه اللوائح مقبولة من الناحية السياسية والاجتماعية، لأنها تقوم على التمييز الإيجابي، لتمكين النساء من ولوج المؤسسة التشريعية وتسهيل ولوجهن للعمل السياسي، فإنها، مع إقرار اللائحة، واجهت الكثير من الانتقادات لكونها تقوم على التمييز الفئوي، وفتحت المجال أمام تشجيع الريع السياسي، وهو ما تجسد فعلا في الانتخابات التشريعية السابقة، حيث غابت المعايير السياسية في اختيار المرشحات، وتم، مقابل ذلك، تغليب منطق العلاقات العائلية والولاء الحزبي في اختيار النساء المستفيدات.

ويظهر، من خلال تصفح لائحة المستفيدات من المقاعد البرلمانية، أن الأحزاب السياسية وظفت اللائحة بشكل سلبي، باعتماد معايير الزبونية والمحسوبية والقرابة العائلية في إعداد لوائح المترشحات، اللواتي بمجرد انقطاع «بزولة» البرلمان يبتعدن عن السياسة وعن العمل الحزبي، والدليل على ذلك اختفاء برلمانيات سابقات مباشرة بعد انتهاء مهامهن، وهو ما يتعارض مع الغاية من وضع اللوائح لتشجيع تمثيلية النساء.

ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تشكل تمثيلية النساء داخل المؤسسات المنتخبة عنوانًا لنضج ديمقراطي وتقدم مجتمعي، تتحول هذه التمثيلية، في كثير من الأحيان، إلى مجرد واجهة شكلية، تُستدعى لتأثيث المشهد السياسي أكثر مما تُمنح لهن صلاحيات للتأثير فيه، ما يجعل حضورهن أقرب إلى «ديكور سياسي» منه إلى قوة اقتراحية وازنة.

الأخطر من ذلك أن بعض الأحزاب السياسية ما زالت تتعامل مع مبدأ المناصفة وتمكين النساء كالتزام شكلي تمليه النصوص القانونية فقط، وليس كخيار استراتيجي يقتضي تأهيل الكفاءات النسائية وإشراكها الفعلي في صناعة القرار. وبذلك تتحول لوائح الترشيح الجهوية إلى مجرد آلية لضمان عدد من المقاعد البرلمانية، بدل أن تكون مدخلًا لإفراز نخب نسائية قادرة على الدفاع عن قضايا المجتمع برؤية مستقلة وقوة اقتراحية حقيقية.

إن اختزال النساء في أدوار ثانوية داخل البرلمان لا يسيء فقط إلى مبدأ المساواة، بل يفرغ العملية الديمقراطية من أحد أهم شروطها، وهو التمثيلية الحقيقية لمختلف مكونات المجتمع، والنساء يشكلن طبعا نصف المجتمع.

لذلك، المطلوب اليوم ليس فقط رفع عدد النساء داخل مجلس النواب، بل إعادة النظر في شروط ولوجهن، وفي الأدوار التي تُسند إليهن وفي الثقافة السياسية والعقلية التقليدية التي لا تزال تقاوم حضور المرأة كفاعل كامل الأهلية، لأن الديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بعدد الوجوه النسائية داخل قاعة البرلمان، بل بمدى قدرتها على التأثير، والمبادرة، والتشريع، ومراقبة العمل الحكومي وصناعة السياسات العمومية.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى