
حسن البصري:
يرجع تاريخ ولوج النساء للحركة النقابية إلى عهد الحماية الفرنسية، حيث برزت مجموعة من النقابيات، الفرنسيات بالخصوص، من الفصيل الشيوعي المناوئ للسياسة الاستعمارية في القطاع العمالي، سيما المنتميات للكونفدرالية الفرنسية للعمال المسيحيين، وبالتحديد العاملات في قطاع التعليم، الذي كان يضم عددا كبيرا من المدرسات الفرنسيات، إلى جانب الوعي الذي شهدته الحركة النسائية في الأحزاب التقليدية، خاصة حين يكون قادتها السياسيون من الذين تشبعوا بالفكر الليبرالي في فرنسا أو في المشرق العربي، بل إن ظهور جمعية “أخوات الصفا” النسائية يعتبره الكثيرون إرهاصا لأصوات احتجاجية رقيقة.
بعد الاستقلال، انخرطت في الهم النقابي مناضلات يساريات، في زمن كان دخول المرأة عالم الاحتجاج خروجا عن النص، باستثناء بعض النساء المشتغلات في قطاع التعليم والمنتميات للأحزاب السياسية المرجعية.
في عام 1962، تم تأسيس الاتحاد التقدمي لنساء المغرب، التابع للاتحاد المغربي للشغل، في زمن كان فيه العمل النقابي شأنا ذكوريا، في ظل القيود الثقافية والعادات التي تعطي للمرأة النقابية صورة مشروخة في المجتمع، بالرغم من كون الانخراط النسائي في الحركة النقابية ينم عن وعي مجتمعي كبير.
وفي الثمانينات، انضمت النساء للمركزيات النقابية عبر بوابة اللجان النسائية داخل الأجهزة المسيرة، سيما في القطاعات التي تعرف حضورا قويا للمرأة المغربية، كالتعليم والصحة. هذا الحضور داخل القيادات النقابية يعد معبرا لتحقيق المساواة والمناصفة والتمكين الاقتصادي والاجتماعي.
ولأن فاتح ماي يجدد النقاش حول الحضور النسوي في النقابات، فقد ارتأت “الأخبار” أن تسلط الضوء على نقابيات ناضلن في زمن كان “صوت المرأة عورة”.
كاترين.. نقابية فرنسية شلت مدارس المغرب
في كتابه “الحركة النقابية في المغرب”، تحدث المؤرخ ألبير عياش، عن حضور المرأة في المشهد النقابي قبل الاستقلال، وتحدث عن سيدة فرنسية تدعى كاترين فييي، عملت مدرسة في إحدى مدارس الأعيان في الدار البيضاء، قائلا:
“في الدار البيضاء كانت فييي تشغل منصب الكاتبة العامة لنقابة المدرسين، وهي التي قامت أمام 1500 موظف بالتنديد بمواقف الإقامة العامة، وإجراءاتها التي وصفتها بـ”اللامعقولة” و”غير العادلة”، حين تعطلت رواتب المدرسين الفرنسيين التابعين لقطاع التعليم في العهد الكولونيالي”.
كانت كاترين فييي تجيد الخطابة الجماهيرية، وكانت تحرج المقيم العام الفرنسي والحكومة الفرنسية، حين تقول لهم:
“لماذا تصرفون مليون فرنك فرنسي من أجل نزهة ملكة رومانية؟
“لماذا تخفضون رواتب المدرسين الساهرين على تعليم الأجيال كلما عشتم بوادر أزمة؟”.
قالت لهم: “أيتها الحكومة، إن تخفيض أجورنا يخفض قدرتنا الشرائية، وبالتالي تعميق الأزمة عوض معالجتها”. كانت لهجة كاترين مباشرة وصريحة، ليس فقط في خطبها الجماهيرية بل في كتاباتها أيضا.
وأضاف عياش من خلال نبشه في تاريخ العمل النقابي النسائي خلال الفترة الاستعمارية:
“كانت كاترين فييي تنشط في الحركة النقابية لقطاع التعليم، إلى جانب فرنسيين آخرين، أبرزهم لوكولار وهيفيرنو وبومبي وليونيل كاميليري. وكانت نقابتهم تضم 627 منخرطا في سنة 1931، ويمثل هذا العدد ثلثي المدرسين في المدارس الابتدائية، وكانت تضم أغلبية من المنضمين إلى الكونفدرالية العامة للشغل، وأقلية من الوحدويين الممثلين في المكتب التنفيذي”.
عرفت كاترين بمواقفها الشجاعة، وواجهت الإقامة العامة وشلت المدارس في منتصف الثلاثينات، بل ووقفت في وجه فيدرالية الموظفين الفرنسيين التي قررت مقاطعة جلسات الحوار مع النقابة.
غادرت كاترين المغرب مباشرة بعد الحصول على الاستقلال، عادت إلى بلدتها في جزيرة كورسيكا، لكنها ظلت تتردد على الدار البيضاء بعد تقاعدها، كما حرصت على زيارة المدارس التي اشتغلت فيها ولقاء التلاميذ الذين تعلموا على أيديها اللغة الفرنسية.
مدام شابو.. طبيبة فرنسية ناضلت من أجل تعميم الصحة للجديديين
في مدينة الجديدة، وبالقرب من مستشفى محمد الخامس، يتفرع عن شارع باستور زقاقان الأول يحمل اسم “أوجيني دولانوي” والثاني لزوجها “بيار دولانوي”، ولأن باستور طبيب ودولانوي أسرة امتهنت الطب، فإن مجال المستشفى كان محاطا بأسماء رجالات الصحة.
لكن فئة قليلة من سكان الجديدة هي التي تعرف أن “أوجيني دولانوي” هي تلك الطبيبة التي عرفت في أيام الحماية الفرنسية بلقب “مدام شابو”، ربما لأنها كانت ترتدي دوما قبعة على رأسها، فيما يرى البعض أن اسمها الأصلي هو “شابو” وحين تزوجت من فرنسي قادم من جزيرة لاريينيون نالت اسمه، إلا أن هذه الرواية ضعيفة.
رأت أوجيني النور في بولونيا وتحديدا في مدينة سوفالكي سنة 1887، بمنطقة توجد في الحدود ما بين روسيا وبولونيا. وانخرطت باكرا في مجال الكفاح ضد النظام القيصري في لجنة المدرسة الثانوية المقاومة، التي كانت ترمي إلى تعزيز تعليم أبناء الطبقة المحرومة. وتوجهت إليها الأنظار بسبب نشاطها، وهي الشابة التي لا يتجاوز عمرها سبعة عشر عاما، فتتبعت الشرطة السياسية خطواتها، وأجبرتها على الفرار من روسيا نحو باريس، لدراسة الطب. تابعت دراستها بمونبوليي، وكانت تقوم بالترجمات للحصول على قوتها إلى أن قدمت أطروحتها، حول موضوع حمى التيفويد.
كتبت حفيدة “مدام شابو” سيرة هذه الطبيبة، التي ارتبطت وجدانيا بالجديدة، وقام الكاتب سعيد بلمبخوت بترجمتها تعميما للفائدة، حيث تروي قصة “ملاك الرحمة” التي اهتمت بصحة الجديديين وجعلت المركز الصحي، الذي كانت تشتغل فيه والذي يسميه الدكاليون “سبيطار مدام شابو”، مقصدا لهم في زمن كان من المستحيل عرض سيدة مغربية على طبيب “نصراني”.
أما زوجها الطبيب أيضا، فقد قضى أيامه متجولا على عربة تجرها الدواب بين دواوير ومداشر الناحية ليفحص الناس ويحقنهم بالأمصال الواقية من الأمراض والأوبئة.
خصص الكتاب فصلا لهذه السيدة تحت عنوان “سيدة مازاغان”، تحدثت فيه الكاتبة عن حياتها المهنية والخدمات الطبية والاجتماعية التي قامت بها ودورها في إنشاء جميعة “قطرة الحليب”، وعلاقتها بالسكان.
حكت الحفيدة نيلسيا عن سبب هجرة جدتها أوجيني إلى أمريكا، بعد فصلها فجأة من هيئة الأطباء بسبب توجهها النقابي، وتجمعاتها الخطابية والتي وصفتها السلطات بـ”التحريضية”.
جدها بيار دولانوي لم يسلم بدوره من المضايقات، على غرار زوج “مدام شابو” الذي اعتبرته فرنسا خائنا لأنه كان يساعد المغاربة، فاضطر إلى مغادرة المغرب صوب الولايات المتحدة الأمريكية وتحديدا إلى ولاية كاليفورنيا في نهاية الحرب العالمية الثانية.
في عام 1945، عادت “مدام شابو” إلى المغرب من جديد. لكنها أصيبت بمرض القلب، وظلت تعاني من تبعاته إلى أن توفيت في عام 1951، فدفنت في مقبرة بمدينة الجديدة بناء على وصيتها.
سيموني.. ابنة مدير معمل لوسيور تتحول إلى رمز للعمل النقابي
كانت تسمى قيد حياتها سيموني، عرفت في العشرينات من القرن الماضي بجمالها الساحر وكانت سباقة لعمل الخير والمشاركة في المبادرات الاجتماعية. أقنعت والدها جورج لوسيور مؤسس شركة زيوت المائدة، التي تحمل اسمه، بتخصيص هبة عينية شهرية من الزيت والصابون للعمال المغاربة، وأقنعت والدها بخلق مصلحة اجتماعية في المصنع، بل وحملت الملف المطلبي للعمال إلى بيت والدها، فتبين له أنه كتب بخط يديها.
أغضبت تحركات سيموني الحماية العامة الفرنسية وطلبت من والدها جورج حث ابنته على تخفيض سرعتها في منعرجات العمل النقابي، خوفا من أن تمتد الأيادي البيضاء لكريمة الزيات إلى الحركة الوطنية، لكن البوليس الاستعماري الفرنسي لم يكن له علم بظهور أعراض حب على وجه سيموني، حيث نسجت علاقة عشق كاتم للصوت مع مدير انتدبه والدها للإشراف على مصنع الزيوت واسمه الكامل جاك لوميغر دوبروي، وفي عهده حقق المعمل أرباحا طائلة وعزز النوايا الاجتماعية التي سكنت كريمة “الباطرون”.
تقدم جاك لخطبة سيمون من والدها وعلى الفور تم تطبيق المثل المأثور “زيتنا في دقيقنا” وأقيم حفل زفاف في المصنع رقص فيه العمال وباركوا الزواج النضالي، وسط مخاوف البوليس السياسي الفرنسي الذي كان ينظر بقلق لهذه الزيجة، حاول عبثا ترويض “الكوبل” الوطني لكن دون جدوى.
حصل ما لم يكن متوقعا، إذ على الرغم من مكانته الاجتماعية ونفوذه المالي، إلا أن جاك ظل مساندا للقضية الوطنية مدعما لحركة المقاومة بأفكاره ومال زوجته لوسيور، مما جعله “عدوا” للمحافظين الفرنسيين الذين اعتبروا وقوفه إلى جانب الطرح المغربي خروجا عن النص.
في كتابه “جوانب من ذاكرة كريان سنطرال”، يروي الباحث نجيب تقي قصة لوسيور ودعم زوجها جاك للمشاريع الاجتماعية، ومساهمته في بناء قرية سكنية لعمال الشركة بجوار المصنع بعين السبع، تتكون من 300 مسكن إضافة إلى مدرسة من بضع حجرات، حصل هذا في زمن كان فيه بعض السلفيين يدعون المغاربة لمقاطعة زيت “النصارى”.
في مساء يوم السبت 11 يونيو 1955، تعرض جاك لوميكر للاغتيال قرب مسكنه في عمارة الحرية، بالمكان الذي أصبح يحمل اسمه، تمت تصفيته برصاص فرنسي متطرف، وفي 14 يونيو دفن الرجل في الدار البيضاء بعد مراسيم التأبين بكنيسة “القلب المقدس”. قالت السلطات الفرنسية إن جاك مات منتحرا، وقال شاهد عيان إنه قتل، وظل التحقيق في القضية لسنوات قبل أن يتبين أن الجريمة من فعل فاعل فرنسي.
كريستين السرفاتي.. مدرسة التاريخ والجغرافيا تتزوج معتقلا
قبل وفاتها بفترة قصيرة، قالت كريستين دور السرفاتي إن سبب تعلقها بالمغرب لعبت فيه الصدفة لعبتها، فحينما وطأت قدماها المغرب عام 1963، وهي في ريعان الشباب، تم تعيينها أستاذة لمادتي التاريخ والجغرافيا، واشتغلت في البداية بطنجة، لتنقل بعدها إلى ثانوية محمد الخامس بالدار البيضاء، وفي هذه الثانوية صارت لها علاقة بمناضلي تنظيم 23 مارس ولنخدم الشعب.
تربت كريستين منذ طفولتها في أجواء النضال، فهي ابنة مناضل فرنسي قاتل ضد الاستعمار الفرنسي، كما كان والدها مقاوما ضد الاحتلال الألماني وحكومة فيشي.
هذا المناخ الذي نشأت فيه جعلها تقف إلى جانب المناضلين الشيوعيين، بل وقامت بإخفاء العديد منهم وعلى رأسهم أبراهام السرفاتي.
في غشت 1970، سيخوض لعبة شد الحبل مع السلطات الحكومية، وقال: “تأسيس إلى الأمام أملاه إفلاس المنظمات السياسية البرجوازية لحزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية واحتقارها العفوي للجماهير، إن واقع الأحزاب التقليدية يشكل حافزا قويا على العمل وعلى الشروع في بناء الحزب الثوري للطبقة العاملة”.
تم اعتقال قياديي “إلى الأمام” ومن بينهم أبراهام السرفاتي، على خلفية إضراب طلابي، وبعد إطلاق سراحه سيخوض السرفاتي تجربة العمل السري، حيث سيتعرف على فرنسية تدرس التاريخ والجغرافيا بثانوية محمد الخامس بالدار البيضاء، اسمها كريستين دور، ستتكلف بإيوائه رفقة رفاقه المبحوث عنهم.
سنة 1974، سيعتقل السرفاتي مرة ثانية، وسيحكم عليه بعد ثلاث سنوات من التحقيق والتعذيب بالسجن المؤبد، سيقضي منها سبعة عشر سنة، قبل أن يتم نفيه في 1991 إلى فرنسا وسيعود إليها قبل متم التسعينات بشهور..
نعود إلى كريستين، التي تحولت إلى مناضلة نقابية في صفوف التنظيمات النسائية الشيوعية، والتي تجاوزت حدود دعوة المدرسات إلى العصيان، بل دخلت معترك المعارضة السياسية، واشتهرت بكشفها عن فظاعة المعتقل السري تازمامارت، وبنضالها الحقوقي وهو ما دفع السلطات المغربية إلى منعها من دخول المغرب لمدة معينة.
بعد مرور أربع سنوات على وفاة زوجها أبراهام السرفاتي، اليهودي المغربي، المهندس في مجال الطاقة، والذي كان يعد من أشرس معارضي نظام الملك الراحل الحسن الثاني، إذ قضى ربع قرن بين المنفى والسجن، التحقت كريستين دور برفيق دربها في مثواه الأخير يوم 28 ماي 2014، بعد مرض عضال لم ينفع معه دواء، حيث شيع جثمانها بحضور عدد كبير من اليساريين الذين واكبوا تجربتها النضالية.
دانيال الكنفاوي.. صحافية ارتبطت بدبلوماسي مضرب عن العمل
لم يكن أحد من زملاء عبد الصمد الكنفاوي يعتقد أن الرجل، الذي شغل مناصب دبلوماسية هامة، سيعتزل المناصب العليا وينخرط في الفن المسرحي. وحدها زوجته جيني دانيال هي التي تفهمت الوضع ورافقته في أصعب المعرجات التي مر بها، سيما في صراعه مع المخزن الذي اعتبره عنصرا لا يمت للدبلوماسية بصلة، لأنه كان يفكر بصوت مرتفع.
ولد عبد الصمد في مدينة العرائش سنة 1928، عشق المدينة وحجز لها مكانا في قلبه، وحتى حين انتقل إلى العاصمة، لاستكمال تعليمه بثانوية مولاي يوسف، ظل يعيش بين الرباط والعرائش إلى أن حاز شهادة الإجازة في القانون.
بعد حصول المغرب على الاستقلال عين الكنفاوي قنصلا في قنصلية المغرب ببوردو، وهناك التقى بشابة سويسرية الجنسية تدعى جيني دانيال. التحقت به في بوردو وبعد سنتين عين ملحقا ثقافيا في سفارة المغرب بالعاصمة الفرنسية، فكانت رفيقته في حله وترحاله.
في سنة 1961، شارك عبد الصمد في إضراب تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، احتجاجا على طرد مجموعة من الدبلوماسيين، ولأن الإضراب حسب “المخزن” ليس من “شيم القناصلة”، فقد غضبت الخارجية من الكنفاوي وغضب هو أيضا منها ليتم تسريحه، ويعود سعيدا إلى الخشبة.
لم يوفر الرجل الدرهم الأبيض لليوم الأسود، بل عاش على نفس الإيقاع، وظل كريما حتى في عطالته، تقول زوجته دانيال: “فوجئت في الشهور الأولى من علاقتنا بعبد الصمد وهو يخصص في نهاية كل شهر مبالغ مالية لأصدقائه في العرائش أو الرباط والدار البيضاء. لم أفهم سر هذا السخاء واعتقدت أن الأمر مؤقت لن يدوم طويلا، لكنه ظل على حاله حتى في أصعب اللحظات التي مر بها”.
عانت الزوجة الفرنسية من زوج يسكنه العصيان، فاضطرت لمشاركته في الوقفات الاحتجاجية في المغرب وفي فرنسا، وكانت تتقدم المسيرات الاحتجاجية دون أن تنخرط في أي تنظيم نقابي.
قال عنها الكنفاوي: “دنيال تمارس الهم النقابي بحس إنساني مرهف”.
عاد الكنفاوي إلى المناصب الحكومية بعدما هدأت غضبة “المخزن”، وتقلد منصبا قياديا في مكتب التسويق والتصدير، وكاتبا عاما في فترة ثانية بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، دون أن يدير ظهره للمسرح، حيث ظل يقضي لياليه في كتابة أعمال خالدة، منها ما تعرض للمصادرة، مما زاد من غضبه خاصة مسرحية “بوكتف”.
كان الرجل بوهيميا يسهر الليالي وهو يحاور ملكة إلهامه، وهو ما دفع الملك الحسن الثاني ليقول لأرسلان الجديدي، حين كان هذا الأخير وزيرا للشغل، “لو لم يكن عبد الصمد بوهيميا لعينته بدلا عنك”.
في سنة 1975، انتقل عبد الصمد إلى دار البقاء وهو في قمة العطاء، ومنذ رحيله، ظلت زوجته دانيال وفية لذكراه، بل ساهمت في تأسيس جمعية تحمل اسم الكنفاوي، وبمجهود خاص ساهم فيه رفاقه تم جمع تراثه كي تستفيد منه الأجيال. ونظرا لمكانته في قلوب أهل الفن فقد شيعته مجموعة ناس الغيوان بمقطع خالد يقول: “سعدات اللي يرضى عليه الكنفاوي”.
زهور الزرقاء.. أول مغربية تلقي خطابا بمؤتمر الاتحاد النسائي العربي
ولدت في 24 شتنبر 1934 بمدينة فاس، تابعت دراستها بجامعة القرويين، حيث حصلت على شهادة العالمية سنة 1957، وكانت رفيقاتها من قبيل عائشة السقاط وفاطمة القباج يذكرانها كرفيقة في المجالين العلمي والسياسي.
التحقت زهور الزرقاء وتسمى أيضا زهور الأزرق، بجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث أحرزت على شهادة في التربية وعلوم النفس في يونيو 1959، وعلى شهادة في الأدب المقارن واللسانيات سنة 1967, كما حصلت سنة 1976 على دكتوراه السلك الثالث في الدراسات الإسلامية من جامعة السوربون بباريس.
اشتغلت كأستاذة بالمعهد الجامعي للبحث العلمي، ونشرت أولى أبحاثها العلمية في الصحف المشرقية سنة 1952، كما نشرت كتاباتها بعدة منابر: الرسالة، مجلة عائشة، مجلة الدراسات الإعلامية للسكان والتنمية والتعمير، مجلة الفنون وصحيفة الوحدة المغربية.
وتميزت بمشاركتها في أولى مؤتمرات الاتحاد النسائي المغربي والعربي وفي المهرجان العالمي للشباب بموسكو منتصف الخمسينات، كما انضمت لاتحاد كتاب المغرب، وانتخبت عضوا في المكتب المركزي للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق المواطن. وسجلت حضورها القوي في نضال الشغيلة النسائية داخل الاتحاد العام للشغالين.
يحسب لحزب الاستقلال إصراره على استحضار هذه المفكرة الاستقلالية، من خلال المكتب التنفيذي للمرأة الاستقلالية، وتخليد اسمها من خلال مركز زهور الزرقاء للدراسات والأبحاث، وحددت أهدافه في كتابة تاريخ الحركة النسائية في المغرب، وتوثيق اتصالات المرأة الاستقلالية، والعناية بالأقلام النسائية الاستقلالية في الداخل والخارج، وترجمة الأدب النسائي المغربي ونشره.
توفيت زهور يوم الأحد 5 شتنبر 1993 بأحد مستشفيات باريس بعد مرض عضال.
فاطمة التهامي.. شورية تنشئ تنظيما نقابيا للمولدات
ولدت فاطمة التهامي في الدار البيضاء سنة 1919، وهي أول مغربية تحصل على شهادة البكالوريا في الجزائر، قبل أن تنال نفس السبق العلمي حين تخرجت من كليات الطب بالجزائر واستكملت تعليمها في فرنسا سنة 1948، وهي التي صالحت المغاربة مع عيادات التوليد، بعد أن أصبحت مولدة في زمن كان الرجل فيه يرفض رفضا قاطعا عرض زوجته على مصحة ويفضل أن تلد على يد “قابلة” مهما كانت الظروف.
تنحدر فاطمة من قبائل أولاد حدو ضواحي مدينة الدار البيضاء، وتعتبر من أول المغربيات اللواتي سافرن لوحدهن في القطار إلى الجزائر وفرنسا للدراسة في أواسط الأربعينات من القرن العشرين، وكانت الفقيدة من أوائل الفتيات المغربيات اللواتي درسن بالمدرسة الإيطالية بمدينة الدار البيضاء، وأكملت دراستها بكليات الطب بالجزائر العاصمة ثم بالعاصمة الفرنسية باريس، واستقبلها المغفور له الملك محمد الخامس مباشرة بعد عودتها من فرنسا في بداية سنة 1949، كما حظيت باستقبال حاشد في الدار البيضاء.
اشتهرت فاطمة التهامي بحسها السياسي، وعرفت بنضالها الطلابي في فرنسا، وبأعمالها الجمعوية والخيرية، وكذا بنضالها الوطني، سواء ضد الاستعمار الفرنسي الغاشم، أو ضمن حزب الشورى والاستقلال بعد استقلال المغرب، وعلى الرغم من هذا “الإيتكيت” السياسي، فإن عددا من الاستقلاليين كانوا يعرضون زوجاتهم على هذه المولدة “سرا” من أجل إنهاء مخاضهن.
كانت تستعد لإخراج تنظيم نقابي جديد إلى الوجود، يطلق عليه “اتحاد القابلات”، لكن الموت لم يمهلها، حيث لبت نداء ربها بفرنسا يوم الجمعة 6 غشت سنة 2009، عن سن تناهز التسعين سنة، ووري جثمانها الثرى بمقبرة الشهداء، مخلفة وراءها أول مصحة للتوليد في عمق درب السلطان، وتاريخا نضاليا صنفها في خانة الرائدات.
ولأنها ظلت تشكل خطرا على الحزب الحاكم، بسبب مواقفها النضالية وفصاحتها وقدرة الإقناع لديها، فإنها كانت معرضة دوما للمساءلة، ففي حوار سابق مع صحيفة الاتحاد الاشتراكي صرحت فاطمة بأنه خلال عملية الاغتيال التي دبرها أحمد الطويل واستهدفت ثريا الشاوي، تعرضت بدورها للاختطاف في ذلك اليوم، وأنه عندما حضر أحمد الطويل لمتابعة عملية التعذيب، صاح في وجه رجاله بأنهم أخطأوا في اعتقال فاطمة التهامي، لأنها لم تكن هي المقصودة، وفي مساء ذلك اليوم تم اغتيال ثريا الشاوي.
خديجة المذكورية.. امرأة بدوية تقدمت مسيرات حاشدة
تنحدر المقاومة المغربية خديجة زهير من قبائل لمذاكرة، قريبا من الدار البيضاء، لذا حملت لقب المذكورية، علما أن المجاهدة والمناضلة خديجة من مواليد سنة 1936 بمدينة الدار البيضاء، ولعبت دورا كبيرا في كثير من العمليات الفدائية، وفي بداية الخمسينات كانت حاضرة بقوة ضمن الحركة الوطنية والمقاومة المغربية، بجانب قادة ورجال المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، حيث كانت تنقل الأسلحة والمراسلات وتربط الاتصال بين المقاومين، حتى وصفت بـ”مرسول الدم”. لكن وضعيتها كطالبة ساعدتها على لعب أدوار طلائعية في الحركة الوطنية، لذا قيل إن المذكورية جمعت بين التفوق الدراسي والنباهة الحركية.
بعد عودة المغفور له محمد الخامس من المنفى رفقة الأسرة الملكية سنة 1955، ترأست الوفد النسائي الذي استقبله محمد الخامس بالقصر الملكي بالرباط. حيث كانت لها الجرأة الكافية لتطالب بمساواة بين المقاومين والمقاومات، بعد أن لاحظت وهي في غرفة الانتظار منح الأسبقية للذكور.
شاركت خديجة في انتفاضة 25 يناير 1959 وفي تأسيس الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال، وشاركت أيضا في عملية الانفصال عن حزب علال الفاسي، إذ التحقت بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية عند تأسيسه في شتنبر 1959، ولعبت دورا أساسيا في تكوين الخلايا الحزبية، كما ساهمت في تأسيس جمعيات المجتمع المدني النسائية للإشراف على محاربة الأمية وتلقين مهن الخياطة والطرز للنساء والفتيات بالأحياء الشعبية، ولأنها كانت مقربة من المهدي بنبركة وشقيقته زهور فقد أسند إليها مهمة ترأس العديد من وفود النساء الاتحاديات اللائي شاركن في المؤتمرات الدولية.
كانت المرأة الوحيدة بجانب قياديي الحزب على كرسي الاتهام أمام محكمة الرباط سنة 1964، والتي صدرت فيها أحكام بالإعدام وأخرى بسنوات متفرقة وفي حقها صدر حكم بالبراءة، وهي التي أطلقت زغرودة من وسط الجلسة حين علمت ببراءتها”. تقول بعض كتابات المندوبية السامية للمقاومة.
وبعد خروجها من السجن نظمت شبكة فعالة لمساعدة عائلات الضحايا والقيام بزيارات أسبوعية منتظمة إلى السجون لتزويد المناضلين بما يحتاجونه. في سنة 1967 اضطرت مغادرة المغرب لتمارس عملها النضالي في الخارج. وفي سنة 2000 عادت إلى أرض الوطن بعد أن قررت أن تضع حدا لمنفاها الاختياري.
بعد مضي سنة على رجوعها، انتقلت إلى الرفيق الأعلى المجاهدة المذكورية بعد مرض ألم بها، بمستشفى الحسن الثاني بمدينة أكادير، حيث كانت تتلقى عناية من طرف عبد الرحمان اليوسفي، قبل أن تلتحق بالرفيق الأعلى يوم 19 شتنبر 2001.
آسية الوديع.. سيدة ماتت وفي يدها ملف “خادمات البيوت”
ولدت آسية الوديع عام 1949 في مدينة آسفي، المطلة على المحيط الأطلسي، ونشأت في مناخ نضالي يسكنه الفكر والقلق، فقد كان والدها محمد رجلا تحرريا وكذلك أمها الأديبة ثريّا السقاط.
آسية هي البنت البكر للعائلة المناضلة، تميزت في مراحلها التعليمية ودرست في المغرب وباريس وحصلت على الإجازة في الحقوق والتحقت بسلك القضاء في مرحلة مبكرة من شبابها.
بمدينة آسفي، سنة 1949 فتحت آسية الوديع عينيها لأول مرة لتجد نفسها في حضن عائلة لها تاريخ طويل في المقاومة والنضال. فالأب هو محمد الوديع الآسفي، وهو المناضل، الشاعر، الكاتب الصحافي والمعلم، أما الأم فهي ثريا السقاط، الأديبة الشاعرة القاصة، وهي الزوجة التي أبت إلا أن تشارك النضال مع زوجها من أجل مغرب الكرامة والديمقراطية. كانت آسية الفرحة الأولى لوالديها، ثم تلاها بعد ذلك ثمانية أشقاء وشقيقات.
لكن الغليان التحرري في البيت لاحقها في العمل ولم يناسبها أن تظل قاضية في نظام سجن والدها ولم يفرج عنه إلا بعد أن تحول إلى هيكل عظمي، ثم زج بأخويها خلف القضبان.
وبالفعل، فالملك يعرف البيت الذي تربت فيه المناضلة آسية الوديع ويعرف أيضا الثمن الذي دفعه والداها وإخوتها جراء تصدّرهم المظاهرات والاحتجاجات والإضرابات المنادية بالكرامة والإنصاف.
انتقلت آسية من منصة القضاء إلى الصفوف الأولى في مسيرات الاحتجاج، من موظفة تابعة لوزارة العدل إلى مناضلة تحتج أمام الوزارة مطالبة بالعدل.
قال عنها رفيقة دربها عائشة الشنا:”آسية كانت تحتضر ومع ذلك جاءت لزيارتي حينما كنت أنا بالمستشفى، وحينما رآها الطبيب الذي يعالجني طلب منها أن تجلس ليجس نبضها وضغطها، وحينما فعل ذلك وجدها بحالة سيئة جدا، فأمرها أن تبقى في المستشفى لتلقي العلاجات الضرورية، لكنها رفضت… قالت إنها ملتزمة بحضور اجتماع للمرصد المغربي للسجون… كانت تعرف أنها تسير إلى حتفها بالتزاماتها الكثيرة ولم يكن أحد قادرا على منعها”.
في الثالث من نونبر 2012، انتقلت آسية الوديع إلى مثواها الأخير، وفي يدها ملف “خادمات البيوت”.





