
بينما تشهد إيران موجة احتجاجات حادة، ارتفع عدد قتلى رجال الأمن إلى مستويات غير مسبوقة، وفق روايات رسمية مختلفة، ما يعكس عمق التوتر داخل الساحة الإيرانية، في الوقت الذي يواجه فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيارات متعددة للتدخل، أو الضغط على طهران، بين دعم الحراك الشعبي دبلوماسيا أو استخدام أدوات اقتصادية أو حتى توظيف التهديد العسكري، في سيناريو قد يعيد تشكيل العلاقة بين القوتين ويؤثر في استقرار المنطقة بأسرها.
الشارع الإيراني بالأرقام
منذ اندلاع الاحتجاجات في البلاد، لم يصدر عن وزارة الداخلية الإيرانية أي بيانات مجمعة للضحايا، وتكتفي وسائل الإعلام الرسمية بالإشارة إلى سقوط «عدد من أفراد قوات الأمن»، أو «مدنيين قتلوا برصاص مخربين»، من دون تقديم أرقام دقيقة. وفي المقابل، تعمل مجموعات حقوقية خارج إيران على تجميع البيانات عبر شبكات من النشطاء والمصادر الطبية، كما تعمد وكالات الأنباء الدولية إلى الاستعانة بمصادر محلية شرط ضمان سرية الهوية.
وأكدت وكالة «هرانا» مقتل 490 متظاهرا و48 من الأمن، واعتقال أكثر من 10600 شخص منذ 28 دجنبر، بينما ذكرت تقارير أخرى أن القتلى تجاوزوا 650 قتيلا.
وأفادت وكالة «تسنيم» (شبه رسمية) بمقتل 109 من قوات الأمن والشرطة خلال الاحتجاجات، في حين أفادت منظمة «نتبلوكس» غير الحكومية بأن «حجب الإنترنت لا يزال ساريا في إيران منذ أن فرضته السلطات، الخميس الماضي، بسبب التظاهرات».
وأضافت الوكالة أن هذا العدد من عناصر الأمن قتلوا «في أعمال الشغب التي شهدتها مناطق عدة في إيران، خلال الأيام الماضية».
وكان التلفزيون الإيراني الرسمي قال إن 30 عنصرا من قوات الأمن والشرطة في محافظة أصفهان قُتلوا، في حين كشف قائد القوات الخاصة في الشرطة الإيرانية عن مقتل 8 عناصر، خلال «أعمال الشغب يومي الخميس والجمعة الماضيين».
كما قال الهلال الأحمر الإيراني إن «أحد أفرادنا قُتل، خلال هجوم على مباني الإغاثة في مدينة جرجان شمالي البلاد».
بدورها، أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية ضبط 273 قطعة سلاح واعتقال 3 أشخاص، خلال عبور شاحنة نقل دولية للبلاد، واعتقال خلية «إرهابية» من 5 أشخاص مرتبطة بحزب «قوملة» الكردي المحظور بمدينة خرم آباد، إضافة إلى اعتقال 15 شخصا على صلة بقنوات معارضة ناطقة بالفارسية خارج إيران.
كما أفادت منظمة «نتبلوكس» غير الحكومية التي تراقب الإنترنت، بأنه «لا يزال حجب الإنترنت ساريا في إيران منذ أن فرضته السلطات الإيرانية، الخميس الماضي، بسبب التظاهرات».
وأوردت المنظمة عبر منصة «إكس» أن حجب الإنترنت مستمر منذ أكثر من ستين ساعة، معتبرة أن «إجراء الرقابة هذا يشكل تهديدا مباشرا لأمن الإيرانيين وجودة حياتهم في لحظة مفصلية لمستقبل البلاد».
إيران تتوعد أمريكا وإسرائيل
من جهتها، توعدت إيران برد «موجع» على أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي محتمل، مؤكدة إعداد خطط عسكرية للمواجهة، رغم إبقائها قنوات الاتصال مفتوحة مع واشنطن، حيث يدرس الرئيس دونالد ترامب خيارات تشمل عملا عسكريا ضد طهران.
وأكد علي لاريجاني، أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، أن القوات المسلحة «أعدت خططها للرد على أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي محتمل»، مشددا على أن الرد سيكون «موجعا».
وحذر محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني، من «سوء التقدير»، وقال إن «الأراضي المحتلة (إسرائيل) وجميع القواعد والسفن الأمريكية ستكون أهدافنا المشروعة».
وتوعد قاليباف بأن الجيش الإيراني سيلقن ترامب «درسا لا يُنسى»، في حال شن هجوم جديد على بلاده، واصفا المواجهة الحالية بأنها «حرب على 4 جبهات» تشمل الحرب الاقتصادية، النفسية، العسكرية، وحربا ضد من وصفهم بـ«الإرهابيين».
لقاء سري
أفاد مسؤول أمريكي رفيع المستوى بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكي، التقى سرا خلال عطلة نهاية الأسبوع، مع ولي العهد الإيراني السابق، رضا بهلوي، لمناقشة الاحتجاجات المستعرة التي تشهدها إيران.
وذكر موقع «أكسيوس» أن «هذا كان أول اجتماع رفيع المستوى بين المعارضة الإيرانية وإدارة ترامب منذ بدء الاحتجاجات قبل 15 يوما، حيث يسعى بهلوي إلى تهيئة نفسه لتولي منصب الزعيم الانتقالي، في حال سقوط النظام».
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن أنه ألغى جميع الاجتماعات مع المسؤولين الإيرانيين، لحين توقف قتل المحتجين، داعيا المشاركين في الاحتجاجات إلى مواصلة المظاهرات، و«المساعدة قادمة».
يشار إلى أن رضا بهلوي، ابن شاه إيران الذي أطيح به خلال الثورة عام 1979، حث الولايات المتحدة على اتخاذ إجراءات عاجلة مع استمرار الاحتجاجات بإيران، بهدف تسريع سقوط القيادة الحالية.
ودعا بهلوي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة، مقترحا أن التدخل الأمريكي المبكر، قد يحد من عدد الضحايا ويسرع سقوط القيادة الحالية لإيران.
وقال بهلوي في مقابلة مع شبكة «سي بي إس نيوز»، الاثنين الماضي: «أفضل طريقة لضمان مقتل عدد أقل من الأشخاص في إيران هي التدخل عاجلا، حتى ينهار هذا النظام أخيرا»، مشيرا إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «عليه اتخاذ قرار في وقت قريب جدا». وأضاف أنه تواصل مع الإدارة الأمريكية، لكنه لم يكشف عن تفاصيل ذلك.
خيارات ترامب.. المخاطر والفرص
في ظل كل هذه التوترات، أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيارات عدة للتدخل في إيران، سواء منخفضة أو عالية المخاطر، تتأرجح بين الدبلوماسية والضغط الاقتصادي، وصولا إلى التدخل العسكري، لكن اختيار المسار يعتمد على تحديد هدفه النهائي.
فقبل عشرة أيام، قال ترامب إن الولايات المتحدة «مستعدة تماما» و«على أهبة الاستعداد للتدخل»، إذا سقط قتلى بين المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع بأعداد كبيرة.
ومنذ ذلك الحين، استمر ترامب في التلويح بالخيار العسكري، حتى بعد تسجيل سقوط مئات القتلى، وفقا لمنظمات حقوقية.
وشكلت إيران عدوا لدودا للولايات المتحدة منذ الثورة الإسلامية التي أطاحت بالشاه الموالي للغرب عام 1979. ولا شك أن سقوط الجمهورية الإسلامية التي قامت بعد الثورة سيغير وجه الشرق الأوسط.
لكن ترامب سبق أن انتقد بشدة اعتبار «تغيير النظام» هدفا بحد ذاته، مشيرا بشكل خاص إلى الدروس المستفادة من التدخل الأمريكي في العراق الأصغر مساحة.
وأعلن ترامب، الاثنين الماضي، فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على شركاء إيران التجاريين، وتحدث عن سبل لإعادة خدمة الإنترنت التي قطعتها طهران بالقوة.
لكن في الوقت نفسه، كشفت العاصمتان عن وجود تواصل بينهما عن طريق ستيف ويتكوف، صديق ترامب ومبعوثه المتجول.
وفي رسالة يُرجح أنها تهدف إلى دفع ترامب إلى التحرك، حثه رضا بهلوي، ابن الشاه الراحل المقيم في الولايات المتحدة، على عدم اتباع نهج سلفه الديمقراطي، باراك أوباما، الذي تردد في دعم احتجاجات عام 2009، خشية اتهامه باحتواء الحراك الشعبي.
ويرى بعض الخبراء أن مخاوف أوباما، قبل جيل تقريبا، لم تعد قائمة، مع اتساع التظاهرات لتشمل فئات أوسع بكثير من الأوساط المتعلمة والحضرية.
وقال راي تاكيه، الباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية ومؤلف كتاب عن سقوط الشاه، إن ترامب قد يستهدف قوات، من بينها الحرس الثوري، الذي «يتولى قمع الاحتجاجات».
وأضاف تاكيه أن التدخل قد يخفف مخاوف الإيرانيين، «ويدفع المترددين إلى التفكير في الانضمام إلى الاحتجاجات من عدمه».
وأيدت سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مركز تشاتام هاوس للأبحاث، فكرة أن تدخل ترامب قد يُعطي زخما للاحتجاجات. لكنها قالت إن «ذلك قد يصب أيضا في مصلحة نظام يعاني من جنون الارتياب، مما قد يعزز الوحدة ويدفعه إلى تغليظ القمع».
وفي يونيو، أمر ترامب بشن غارات على مواقع نووية إيرانية دعما للحرب التي شنتها إسرائيل على إيران، مع أنه قال سابقا إنه يحبذ الحل الدبلوماسي.
وأشار والي نصر، الأستاذ في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، إلى أن ما بين 130 و150 مدينة إيرانية شهدت احتجاجات.
وقال نصر «إن محاولة استهداف قوات الأمن في كل هذه المدن، أو حتى في المدن الرئيسية في إيران، تتجاوز مجرد بضع غارات جوية».
وأضاف نصر أن ترامب على الأرجح «لا يرغب في التورط في أعمال عسكرية مباشرة، لذا قد يكون من الأنسب له شن ضربة استعراضية».
وقال بهنام بن طالبلو، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إن خطر التدخل لا يكمن في حشد الإيرانيين حول راية الجمهورية الإسلامية، بقدر ما يكمن في جعلهم يشعرون بالخوف من الخروج إلى الشوارع.
وأوضح: «يكمن التحدي في كيفية ضمان ألا تؤدي هذه الضربات إلى تفريق المتظاهرين بدلا من تصعيد الاحتجاجات، في حال انحرفت الضربات عن مسارها – إذا كان الاستهداف ضعيفا، أو إذا كانت المعلومات الاستخباراتية غير دقيقة».
وأكد أن التأثير سيكون كبيرا أيضا إذا قرر ترامب في نهاية المطاف عدم شن الضربة، فالتقاعس عن ذلك في رأيه «سيصب في مصلحة رواية النظام التي تصور أمريكا على أنها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها».
وأعرب بهلوي وعدد من الصقور الجمهوريين في الكونغرس عن معارضتهم للخيار الدبلوماسي، باعتبار أنه يمد الجمهورية الإسلامية بـ«طوق نجاة».
لكن محمد علي شباني، رئيس تحرير موقع «أمواج ميديا Amwaj.media»، المتابع للشأن الإيراني، يعتقد أن عددا كبيرا من الإيرانيين سيرحبون باتفاق يخفف العقوبات و«يبدد شبح الحرب».
وأضاف: «أرى أن مثل هذا الاتفاق ستكون له أولوية تتقدم على أية اعتبارات تتعلق بضمان بقاء الجمهورية الإسلامية على المدى القصير، لأن معظم الإيرانيين، في ظل الوضع الراهن، باتوا يدركون أن هذا النظام لن يستمر إلى الأبد».





