حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةبانوراماخاصسياسية

وثائق “غابارد” السرية تعيد فتح أخطر ملف في جائحة كورونا

 دور فاوتشي وتمويل أبحاث ووهان واتهامات متصاعدة


في لحظة جديدة تعيد إحياء واحد من أكثر الملفات إثارة للانقسام منذ بداية القرن، تصدّر ملف منشأ جائحة كوفيد-19 واجهة النقاش داخل الولايات المتحدة من جديد، بعد الكشف عن وثائق رُفعت عنها السرية تتعلق بأبحاث حساسة في معهد ووهان الصيني وبكيفية إدارة النقاشات داخل المؤسسات الأمريكية بشأن منشأ الفيروس. وهو الجدل الذي سرعان ما أعاد شخصية الطبيب الأمريكي أنتوني فاوتشي إلى دائرة الضوء، باعتباره أحد أبرز الفاعلين في الاستجابة للجائحة، وأحد أكثر الأسماء حضوراً في النقاش العلمي والسياسي الذي لم يُحسم حتى اليوم.

 

إعداد: سهيلة التاور

 

عاد الجدل حول منشأ فيروس كورونا إلى واجهة النقاش السياسي والعلمي في الولايات المتحدة والعالم، بعد إعلان مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية المنتهية ولايتها تولسي غابارد عن وثائق ومراسلات رُفعت عنها السرية، قالت إنها تكشف معطيات جديدة وحساسة تتعلق بدور الدكتور أنتوني فاوتشي في تمويل أبحاث جينية مرتبطة بمعهد ووهان لعلم الفيروسات في الصين، إضافة إلى ما وصفته بمحاولات للتأثير على تقييمات أجهزة الاستخبارات بشأن أصل الجائحة.

هذه الوثائق، التي جرى نشرها في سياق سياسي وأمني مشحون داخل واشنطن، أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية منذ اندلاع جائحة كوفيد-19، وهو ملف “منشأ الفيروس”، بين فرضية الانتقال الطبيعي وفرضية التسرب المختبري، وسط تبادل اتهامات واسع النطاق بين مؤسسات علمية واستخباراتية وشخصيات سياسية بارزة.

وتكمن أهمية هذه التطورات في أنها لا تتعلق فقط بنقاش علمي حول أصل فيروس، بل تمتد إلى مساءلة طريقة إدارة واحدة من أكبر الأزمات الصحية في التاريخ الحديث، والدور الذي لعبته شخصيات مركزية داخل الإدارة الأمريكية، وعلى رأسها أنتوني فاوتشي، الذي ظل لعقود أحد أبرز رموز الصحة العامة في الولايات المتحدة.

 

مسيرة تمتد لأكثر من أربعة عقود

قبل العودة إلى تفاصيل الوثائق المثيرة للجدل، يبرز اسم أنتوني فاوتشي بوصفه واحداً من أهم الشخصيات العلمية في تاريخ الولايات المتحدة الحديث.

ولد فاوتشي يوم 24 دجنبر 1940 في حي بروكلين بمدينة نيويورك، لأسرة مهاجرة من أصول إيطالية. نشأ في بيئة شعبية، حيث كانت عائلته تدير صيدلية صغيرة فوقها سكن، وكان يشارك منذ طفولته في توصيل الأدوية للمرضى داخل الحي مستخدماً دراجته الهوائية.

تلقى تعليمه في مدارس نيويورك المرموقة، ثم التحق بكلية هولي كروس، وتخرج منها عام 1962، قبل أن ينتقل إلى كلية كورنيل الطبية حيث أنهى دراسته عام 1966 متفوقاً على دفعته. لاحقاً أكمل فترة الإقامة الطبية في مستشفى نيويورك، ليبدأ مساراً مهنياً داخل واحدة من أهم المؤسسات البحثية في العالم.

في عام 1968، انضم إلى المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة، حيث تخصص في دراسة الأمراض المعدية. ومن هناك بدأ صعوده داخل الجهاز العلمي الأمريكي، إلى أن أصبح مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية عام 1984، وهو المنصب الذي احتفظ به لنحو 38 عاماً متواصلة.

وخلال هذه الفترة، عمل فاوتشي تحت إدارات سبعة رؤساء أمريكيين، وعاصر 11 ولاية رئاسية، من رونالد ريغان إلى جو بايدن، ما جعله أحد أكثر المسؤولين ثباتاً واستمرارية داخل الإدارة الأمريكية.

 

بناء سمعة “رجل الأوبئة”

 

برز اسم فاوتشي عالمياً خلال أزمة الإيدز في ثمانينيات القرن الماضي، حين تحول المرض الجديد إلى تهديد عالمي غير مسبوق. ورغم أنه كان متخصصاً في المناعة الذاتية، إلا أنه غيّر مسار أبحاثه بالكامل نحو المرض الجديد.

قاد فاوتشي جهوداً علمية واسعة لفهم الإيدز وتطوير علاجاته، وساهم في تسهيل الوصول إلى العلاجات التجريبية، كما دعم زيادة التمويل المخصص للأبحاث، وهو ما جعله شخصية محورية في تطوير الاستجابة الأمريكية والعالمية للمرض.

لاحقاً، لعب أدواراً رئيسية في التعامل مع أزمات صحية متعددة، منها فيروس غرب النيل، وإيبولا، وزيكا، والإنفلونزا الوبائية، والسل، إضافة إلى دوره في مواجهة هجمات الجمرة الخبيثة عام 2001.

كما كان من أبرز المهندسين لخطة الرئيس جورج بوش الابن الطارئة لمكافحة الإيدز عام 2003، التي اعتُبرت واحدة من أكبر برامج الصحة العامة في التاريخ الحديث وأسهمت في إنقاذ ملايين الأرواح.

 

الصعود إلى الواجهة والانقسام السياسي

مع ظهور فيروس كورونا في نهاية عام 2019، دخل فاوتشي مرحلة غير مسبوقة من الشهرة العالمية. فقد أصبح الوجه العلمي الأكثر حضوراً في المؤتمرات الصحفية الأمريكية، ومرجعاً رئيسياً في تفسير تطورات الجائحة.

بصفته جزءاً من فريق إدارة الرئيس دونالد ترامب، ساهم في صياغة الاستجابة الصحية الأولية، وكان من أبرز المدافعين عن فرض قيود صارمة للحد من انتشار الفيروس.

لكن العلاقة بينه وبين ترامب سرعان ما توترت، حيث اختلف الطرفان حول خطورة الوباء وإجراءات التعامل معه، ما أدى إلى صدامات علنية متكررة. ومع تزايد الاستقطاب السياسي، أصبح فاوتشي هدفاً لانتقادات حادة من بعض الجمهوريين، بينما اعتبره آخرون رمزاً للعلم في مواجهة السياسة.

 

نقطة التحول في الجدل

في 20 يونيو 2026، أعلنت تولسي غابارد عن وثائق ومراسلات رُفعت عنها السرية، مؤكدة أنها تكشف معلومات جديدة حول دور فاوتشي في تمويل أبحاث جينية خطيرة داخل معهد ووهان لعلم الفيروسات في الصين.

وبحسب غابارد، فإن الوثائق تشير إلى أن فاوتشي موّل بملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين أبحاثاً تُعرف باسم “زيادة وظيفة الفيروس”، وهي أبحاث تقوم على تعديل الفيروسات وراثياً بهدف تغيير خصائصها البيولوجية، مثل زيادة قدرتها على الانتقال أو إحداث المرض أو توسيع نطاق إصابتها لأنواع جديدة.

وتضيف الوثائق، وفقاً لما أعلنته، أن هذه الأبحاث أُجريت في مختبر ووهان، الذي أصبح لاحقاً محوراً لفرضية التسرب المختبري كأحد التفسيرات المحتملة لبداية جائحة كورونا.

الأكثر إثارة في ما كشفته غابارد هو ما وصفته بتعاون بين فاوتشي وعناصر داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكي، بهدف التأثير على تقييمات أجهزة الاستخبارات بشأن منشأ الفيروس، ودعم فرضية المنشأ الطبيعي مقابل فرضية التسرب المختبري.

 

اتهامات بإخفاء المعلومات والتضليل أمام الكونغرس

 

وفقاً للوثائق التي عرضتها غابارد، فإن فاوتشي لم يقتصر دوره على التمويل، بل شارك أيضاً في التأثير على مسار النقاش العلمي والاستخباراتي حول منشأ الفيروس.

واتهمته بأن الوثائق تُظهر أنه قدّم معلومات غير صحيحة خلال شهادته أمام الكونغرس عام 2024، عندما نفى علمه أو مشاركته في أي نقاشات مع أجهزة الاستخبارات بشأن أبحاث الفيروسات.

كما تشير الوثائق، بحسب غابارد، إلى أن مئات الرسائل الإلكترونية داخل المؤسسات الأمريكية كانت تعتمد بشكل متكرر على توصيات فاوتشي، وأنه دعم ورقة بحثية وُصفت بأنها مضللة أو غير دقيقة، وتم الدفع نحو نشرها لتوجيه النقاش العام حول منشأ الفيروس.

 

ضغوط داخل مجتمع الاستخبارات وشهادات المبلغين

لم تتوقف الاتهامات عند حدود التمويل أو التأثير العلمي، بل امتدت إلى ما وصفته غابارد بوجود ضغوط داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكي.

وبحسب تصريحاتها، فإن بعض المحللين الذين تبنوا فرضية التسرب المختبري تعرضوا للتهميش المهني، والتهديد بعدم الترقية، بل وحتى محاولات لكشف هوياتهم رغم قواعد حماية المبلغين.

كما تحدثت عن فرض إجراءات غير معتادة خلال جلسات الاستماع، مثل حضور مديرين أو مستشارين قانونيين، وهو ما وصفته بأنه خلق “بيئة ترهيب” داخل بعض المؤسسات.

وأكدت أيضاً أن مكتبها تلقى إفادات من عدد من المبلغين الذين قالوا إنهم تعرضوا لإجراءات انتقامية بسبب اعتراضهم على التوجه السائد في تفسير منشأ الفيروس.

بحسب ما ورد في عرض غابارد للوثائق، فإن العلاقات بين فاوتشي وبعض دوائر الاستخبارات مكنته من أداء ثلاثة أدوار رئيسية:

1ـ تمويل أبحاث “زيادة وظيفة الفيروس” المرتبطة بتطوير اللقاحات ودراسة الفيروسات.

2ـ التأثير على ترجيح فرضية المنشأ الطبيعي للفيروس عبر شبكة من الخبراء والمستشارين المقربين منه.

3ـ استخدام نفوذه العلمي والإعلامي للدفاع عن هذه الرواية والتصدي للفرضيات البديلة، وعلى رأسها فرضية التسرب المختبري.

كما أشارت إلى أن بعض المراسلات تُظهر أن أجهزة الاستخبارات كانت تتبنى توصياته بشكل متكرر خلال فترة التحقيقات.

وتأتي هذه التطورات في سياق سياسي شديد الحساسية داخل واشنطن، حيث تتقاطع ملفات الصحة العامة مع الصراع السياسي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ومع الجدل المستمر حول إدارة جائحة كورونا وقرارات الإغلاق والتلقيح.

كما تزامنت هذه الوثائق مع نقاشات حول مستقبل قيادة مجتمع الاستخبارات الأمريكي، ما زاد من حدة التوتر حول مضمونها وتوقيتها ودلالاتها السياسية.

 

إرث فاوتشي بين العلم والسياسة

بينما يرى أنصاره أن فاوتشي كان أحد أبرز العلماء الذين قادوا الولايات المتحدة عبر عقود من الأوبئة والأزمات الصحية، فإن خصومه يعتبرون أن دوره خلال جائحة كورونا وما تبعها من جدل يكشف عن تداخل معقد بين العلم والسياسة والاستخبارات.

ومع عودة ملف وثائق غابارد إلى الواجهة، يبدو أن الجدل حول منشأ فيروس كورونا لم يصل بعد إلى نهايته، بل دخل مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع الحقائق العلمية مع الروايات السياسية، ويظل اسم أنتوني فاوتشي في قلب هذا الجدل المستمر منذ أكثر من ست سنوات.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى