الرأيالرئيسية

إعادة هندسة البشر (1 ـ 3)

خالص جلبي

 

تعتبر قصة «فرانكنشتاين» نموذجا لخلق إنسان جديد، بكلمة أدق إخراج الحي من الميت، ما يذكر بقدرة الله أو عمل المسيح المزدوج، أي إخراج أليعازر من القبر بعد دفنه بعدة أيام، أو رد

الحياة للفتاة الميتة من جهة، أو يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، أو ما رآه إبراهيم من تقطيع الطير، ثم يجعل على كل جبل منهم جزءا، ثم يدعهن يأتينه سعيا، أو ذلك الذي ودع الحياة قرنا، ثم يفاجأ ويعاين حماره وطعامه وعظامه تنشز، ويظن أن الوقت كان ساعات. وقصة أصحاب الكهف في رقدة ثلاثة قرون وهي بين الموت والحياة، وهي تعبير مبطن عن انبعاث المسيحية وانتصارها بعد فترة حضانة دامت ثلاثة قرون. ونحن نعلم الكثير عن مجمع نيقية واجتماع كرادلة العالم المسيحي تحت رعاية قسطنطين، ليتم تنصيب المسيح أنه الله الخالد، فمن يملك الموت والحياة غير الذي يعلم السر وأخفى؟

وقصة «فرانكنشتاين» ـ وتم تمثيله فيلما رأيته في ألمانيا ـ هي من اختراع الخيال كتبتها فتاة في مقتبل العمر، في فترة سحر الناس بفتنة الكهرباء، عن طبيب واجهته حالة طبية من أشلاء شتى؛ فقام بانتقاء أعضاء سليمة من الكارثة، ووصلها ببعض ووضعها في محلول، ثم صعقها بالكهرباء ـ وهو ما يفعله اليوم جراحو القلب في حالات الإسعاف ـ ليخرج مخلوقا ذميما غير قابل للحياة، وينتهي كما انتهت دوللي النعجة التي راهن الطبيب الأسكتلندي «إيان» على استنبات الحياة بطريقة مبتكرة.

هذه القصص وأشباهها هي محاولات لفهم الإنسان، بل خلقه؛ وهو تحدي واجهه القرآن بذبابة وبعوضة، ولكن العلماء فكروا بطريقة مختلفة في المحافظة على الإنسان كما هو، ولكن بفهمه؟ وكيف يعمل؟ أو ما يسميها «براين تريسي» في محاضراته حول أسس علم نفس النجاح «كاتالوغ التشغيل»، فكما نقرأ تعليمات أي آلة نشتريها من غسالة وبراد، أن نقرأ إرشادات التشغيل قبل الاستعمال، وجب أن يكون بين يدينا شيء من هذا القبيل عن «ابن آدم الآلة» وهذا يتم من خلال فهم هذا «المخلوق» الإنسان. وهل يمكن تعديل مساره مثل مسار مسبار فضائي، بل والسيطرة عليه، كما طرح وطمح إلى ذلك من مدرسة علم النفس السلوكي «سكينر» في كتابه المشهور «ما خلف الكرامة والحرية» وترجم من سلسلة «عالم المعرفة» بعنوان «تكنولوجيا السلوك الإنساني»، (سلسلة عالم المعرفة رقم: 32). وعلى هذا المنوال حاول الكثير الدخول على هذا المخلوق الإنسان لفهمه، ولعل مفتاح اللغة هو إحدى بوابات فهم السلوك، ومثلا وفي الثمانينيات من القرن المنصرم أثارت كتابات الشحرور في تفسير القرآن الكريم ضجة في بلاد الشام ووسط الفكر الإسلامي التقليدي، أنه وصل إلى الحقيقة في سدرة المنتهى وقد بدأها بكتابه الأول عن القرآن والكتاب، وتابعها بمجموعة من الكتب حول مفاهيم الجهاد والأخلاق والمواريث وحركة المجتمع، وهو ليس الأول ولن يكون الأخير ولكنه ضل طريقه وما اهتدى؛ فمع مفتاح اللغة كما يقول الفيلسوف النمساوي «فتغنشتاين Wittgenstein» إن اللغة لا تزيد على لعبة «the language is a game»، وهكذا تحول الشحرور بما هو أكبر من قفزات طير الشحرور إلى حاوي سيرك يخرج الأرانب البيضاء من القبعات السوداء؛ فالكلمة عنده لكمة تعني كل شيء أو لا شيء، فالبنين هي بنايات، والنساء لا تعني النساء وهكذا. ولعل كلا من علمي الألسنيات والبرمجة اللغوية العصبية (NLP) تناولا الكلمة وما يعتورها من عيوب ثلاثة في التشويه والحذف والتعميم، ولعل الشحرور هو من أبرز من درسوا هذه المشكلة، عندما حاول تفسير القرآن مستخدما أدوات اللغة في مقاربة الحقيقة، فضاع الرجل وضاع معه خلق كثير من الأتباع والناعقين، الذين كما يقول ابن خلدون عن أئمة النقل إنه يصعب على الكثير وضع الأفكار على مسبار النقد والتمحيص، ومنه قال القرآن إن أكثر الناس لا يعقلون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون. مع ذلك علينا أن نفتح صدورنا لكل رأي وتمحيصه والرد عليه وتفنيده وما فيها من خطل. ولعل مدرسة البرمجة اللغوية العصبية هامة لوضعها تحت المنظار، ومحاولة فهم ما جاءت به، وحول اللغة ومشاكلها تلك التي تورط الشحرور في حبالها، فما خرج يوضح الدكتور محمد التكريتي عيوب اللغة الثلاثة: «التعميم» و«الحذف» و«التشويه» في كتابه «آفاق بلا حدود ـ بحث في هندسة النفس الإنسانية ـ ص: 42».

ـ أولا في المثال على التعميم Generalization»» قول البعض: لا يوجد أصدقاء مخلصون هذه الأيام، أو جميع الأفلام سيئة! أو كل شيء ارتفع سعره! أو قول الشحرور: إن كل لغات العالم لا يوجد فيها ترادف! وهكذا فالتعميم يقلل من الدقة التي ندرك بها العالم، فهل قام الشحرور بمسح 6200 لغة ليصل إلى هذه الحقيقة التي هي العمود الفقري في نظريته؟

ـ أما الحذفDeletion» » فهو مثل: ضربه ابن الجيران! نحن هنا لا نعرف من ضرب؟ وكيف حدث الضرب؟ وبأي آلة أم باليد؟ ومتى وقعت الحادثة وحيثياتها؟ وأين وفي أي مكان؟ فالحذف ينقص من إدراكنا للعالم، ولكننا نمارسه بطريقة لا واعية.

ـ أما التشويهDestortion» » فهو أقبحها حين نقول من الواضح البين، أو إن هذا الكتاب جيد، ثم نهز رؤوسنا بالموافقة، ويتساءل صاحب: «كيف كان الكتاب جيدا؟ وبأي مقياس؟ وهل هناك معنى حقيقي لقولنا جيد؟ وكثير من الأعمال الأدبية والفنية لا تعبر عن معنى حقيقي في هذا العالم، ولكننا نتقبلها ونستمتع بها». إن موضوع اللغة له أثر كبير على إدراكنا للعالم، لأننا نتلقى أكثر المعلومات عن طريق اللغة سماعا أو قراءة، وكذلك نعبر عن أفكارنا ومشاعرنا وتجاربنا مستخدمين اللغة، وأي خطأ أو نقص في الأخذ أو العطاء يشوه إدراكنا للعالم أو يحده.

 

نافذة:

موضوع اللغة له أثر كبير على إدراكنا للعالم لأننا نتلقى أكثر المعلومات عن طريق اللغة سماعا أو قراءة وكذلك نعبر عن أفكارنا ومشاعرنا وتجاربنا مستخدمين اللغة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى