الافتتاحيةالرئيسية

احتجاجات بلا طعم 

هناك أسباب متعددة تجعل الاحتجاجات المصطنعة، التي تعرفها أخيرا الشوارع المغربية بلا نتائج وبلا جدوى. من بينها أن التفكير في الاحتجاج والتعبئة له، أصبحا يسبقان الفعل والقرار اللذين قد يؤديان لهما، والأدهى والأمر أن متعهدي وزبناء الاحتجاج هم أنفسهم مرة يحتجون تحت يافطة مناهضة التطبيع، ومرة أخرى ضد جواز التلقيح، وفي مناسبات أخرى ضد تسقيف سن الولوج إلى مهن التدريس، وضد مذكرة المراقبة المستمرة للتلاميذ، وضد ارتفاع الأسعار، وفي قضية وفاة الشاب يوسف وغيرها من القضايا.

لقد تحول الاحتجاج إلى رد فعل بدون جدوى، بل يمكن القول إنه تعرض من طرف المتعهدين لعملية تمييع كبيرة، جعلت المغاربة يتعايشون مع مظاهره، بل ويتساءلون عن غياب الأنشطة الاحتجاجية، في حال عدم وجودها في أسبوع ما. هاته المرحلة من إفقاد معنى للاحتجاجات ولدورها في التعبير عن المطالب الاجتماعية، لم يتوقعها حتى أشد الرافضين للأوضاع، الذين يتصيدون الفرص لنشر الفوضى والفتن. لذلك فأشكال الاحتجاج المصطنعة والخادمة لأجندات مشبوهة، والمستثمرة في رأسمال الغضب، لم تعد تزعج مؤسسات الدولة، ولم تعد تلقى التعاطف الشعبي والزخم الاجتماعي. لقد صارت خبرا يوميا روتينيا بلا طعم أو قيمة، بل إنها كثيرا ما أصبحت محل تذمر أو تندر من بقية المواطنين، بسبب مسها بالحركة في الفضاء العام المشترك.

إن الاحتجاجات التي يمكن أن تغير بعض القرارات والتدابير العمومية، وأن يكون لها أثر على تجويد وحكامة السياسات التي تتخذها السلطات العمومية، هي الفعل الاحتجاجي العقلاني البعيد عن الموقف النفسي أو الانتقامي من الحكومة، وللأسف فإن الاحتجاجات المنظمة ضد حكومة عزيز أخنوش، منذ حصولها على التنصيب البرلماني، قبل شهر ونصف الشهر، لا تخرج عن هذا الصنف من الاحتجاج، الذي مرده إلى موقف قبلي من رئيسها، والحملات الممنهجة التي تمارس ضده، حتى قبل أن يقود السلطة التنفيذية، وليس تجاه قرارات اتخذها تمس حقوق المواطن.

لا نصادر حق أحد في الاحتجاج والتعبير عن آرائه في نقد قرارات حكومية، لكن الطريقة التي أصبح يمارس بها بعيدة كل البعد عن مقاصد هذا الحق الذي كفله الدستور، لقد أصبح وسيلة لتصفية الحسابات السياسية، عبر الزج بالتلاميذ والطلبة في حرب بالوكالة من أطراف سياسية، لم يعد يعجبها العجب ولا حتى الصوم في رجب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى