
أطلقت مصالح وزارة الداخلية ومختلف الأجهزة والمصالح الأمنية حملة «الأيادي البيضاء» التي تهدف إلى تخليق الاستحقاقات التشريعية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر المقبل، من خلال تكثيف كل أشكال المراقبة والتتبع للأشخاص الذين تحوم حولهم شبهات ويعتزمون الترشح لهذه الاستحقاقات.
وسيتم إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة وفق المستجدات الواردة في القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، والذي يهدف إلى تخليق الاستحقاقات التشريعية وضمان سلامتها، وإفراز نخب تحظى بالشرعية والثقة، وذلك من خلال تحصين الولوج إلى المؤسسة النيابية في وجه كل من صدرت في حقه أحكام يترتب عليها فقدان الأهلية الانتخابية، واعتماد الحزم اللازم لاستبعاد كل من تم ضبطه في حالة التلبس بارتكاب أي جريمة تمس بسلامة العمليات الانتخابية، علاوة على تشديد العقوبات المقررة لردع كل المحاولات التي قد تستهدف سلامة العمليات الانتخابية في جميع أطوارها.
وبذلك فإن القوانين الانتخابية الجديدة تتضمن تدابير تقوم على مرتكزات أساسية، وهي تحصين وتخليق العملية الانتخابية في كافة أطوارها والتصدي بكل حزم للمظاهر التي من شأنها المساس بصدقية ونزاهة العملية الانتخابية.
وفي ظل التحولات السياسية والمؤسساتية التي يشهدها المغرب، تبرز مسألة تخليق العملية الانتخابية كأحد أبرز التحديات المطروحة قبيل الاستحقاقات التشريعية المقبلة. فالمعركة اليوم لم تعد فقط حول نسب المشاركة أو تنافس البرامج، بل أصبحت، بالأساس، معركة من أجل استعادة ثقة المواطن في الفعل السياسي، عبر ضمان نزاهة المرشحين وقطع الطريق أمام كل من تحوم حولهم شبهات الفساد أو استغلال النفوذ.
لقد أبانت تجارب سابقة أن تسلل بعض الوجوه المشبوهة إلى المؤسسات المنتخبة لا يسيء فقط إلى صورة العمل السياسي، بل يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها، ويكرس حالة من العزوف وفقدان الثقة. لذلك فإن الرهان الحقيقي اليوم يكمن في إرساء تدابير صارمة وواضحة تمنع بشكل فعلي ترشح كل من ثبت تورطه في قضايا فساد، أو صدرت في حقه أحكام قضائية أو تحوم حوله شبهات تمس بنزاهته.
ولا يمكن الحديث عن تخليق الانتخابات دون استحضار دور الأحزاب السياسية، التي تتحمل مسؤولية تاريخية في انتقاء نخبها وتقديم مرشحين يتمتعون بالكفاءة والنزاهة والمصداقية. فالأحزاب مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتغليب منطق الاستحقاق على حساب الحسابات الانتخابوية الضيقة واعتماد آليات داخلية شفافة في اختيار مرشحيها.
بالموازاة مع ذلك، يظل تفعيل القوانين ذات الصلة، وتعزيز آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، عناصر أساسية لضمان انتخابات نزيهة.. علما أن دور القضاء والهيئات الرقابية يكتسي أهمية قصوى في التصدي لكل مظاهر الفساد الانتخابي، سواء تعلق الأمر بشراء الأصوات أو باستغلال المال والنفوذ.
إن تخليق العملية الانتخابية ليس شعاراً ظرفياً، بل هو مدخل حقيقي لإعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة، وبناء مشهد سياسي سليم يعكس الإرادة الحقيقية للمواطنين. فبدون تطهير الحقل الانتخابي من المفسدين والمشبوهين، ستظل كل الإصلاحات الأخرى محدودة الأثر وسيبقى الرهان الديمقراطي معلقاً.
إن المرحلة الراهنة تفرض تعبئة جماعية، سياسية ومؤسساتية ومجتمعية، من أجل انتخابات نزيهة تفرز نخباً حقيقية قادرة على تحمل المسؤولية وخدمة الصالح العام وليس خدمة المصالح الشخصية الضيقة، بما يعزز مسار البناء الديمقراطي ويكرس دولة الحق والقانون.





