شوف تشوف

الانفجار القادم 

من علامات الدولة الفاشلة أن يتفشى فيها الإهمال في كل المناحي حتى يصير سياسة قائمة الذات.
والإهمال يبدأ بترك البلدية لحديقة تجف نباتاتها وتموت ويمر بترك وزارة الصحة لمريض يحتضر أمام باب مستشفى وينتهي بجهل المسؤولين المطلق بما يحدث في قطاعهم حتى يتسبب الإهمال في كارثة بحجم ما حدث في بيروت من دمار.
ولبنان نموذج حي للدولة الفاشلة في كل شيء، حيث الإهمال رياضة وطنية بامتياز، وذلك بشهادة مواطنيها أنفسهم.
ما حدث في بيروت من انفجار هائل وغامض ينذر بقرب تغيير أشياء كثيرة في ذلك البلد المفتوح على احتمالات الحرب على مدار الساعة.
الجميع يتحدث عن خطورة مادة الأمونيوم التي كانت مخزنة بالميناء والتي تسببت في ذلك الانفجار الهائل، لكن المادة الأكثر خطورة في لبنان من كل المواد المتفجرة هي الطائفية، وهي ما سيدخل لبنان في نفق مظلم لا أحد يمكن أن يتكهن بمآلاته.
ويبقى لبنان بلدا استثنائيا في كل شيء. في كل البلدان هناك نظام سياسي يقوم على الانتخابات إلا في لبنان فهناك نظام يطلقون عليه “المحاصصة”، أي أن كل واحدة من الطوائف المكونة للشعب اللبناني لديها حصتها في الحكومة، فهم لديهم رئيس الدولة مسيحي ورئيس وزراء مسلم سني ورئيس البرلمان مسلم شيعي، وكل واحد من هؤلاء يمثل طائفته وعقيدته.
ولبنان هو بلد الطوائف بامتياز، فالطائفة المسلمة فيها لوحدها أربع طوائف، والمسيحيون ينقسمون إلى 13 طائفة بالإضافة إلى الطائفة الدرزية.
ولبنان ربما هو البلد الوحيد الذي يتجاوز عدد مواطنيه الذين يعيشون في الخارج أولئك الذين يعيشون في الداخل، فإذا كان تعداد مجموع الشعب اللبناني يقدر بحوالي 18 مليون نسمة، فإن الغالبية العظمى، أي 15 مليون نسمة، تعيش خارج لبنان، وأقل من 4 ملايين مواطن مقيم داخل لبنان.
وفِي كثير من الدول هناك لبنانيون في البلديات والبرلمانات، وفي أمريكا اللاتينية وحدها هناك خمسة رؤساء أصلهم من لبنان، ومعروف أن اللبنانيين ينجحون دائما خارج بلدهم فيما يفشلون داخله، سواء في السياسة أو في التجارة.
ورغم كل هذا الفساد والتلوث والعنف المستشري في لبنان فإنه يظل البلد الوحيد وسط صحراء بلدان العرب حيث تدور مطابع الكتب والجرائد دون انقطاع، وحيث تتركز شبكات تلفزيونات المجموعات الإعلامية المؤثرة، وحيث تنتعش دور الموضة والماركات العالمية.
لكن ما يحدث هذه الأيام في لبنان جدير بالتأمل، فهذا البلد تحكمه المرجعيات الدينية والملالي والأئمة، ولأول مرة نرى شبابا يتظاهرون ضد حكم هذه المرجعيات الدينية والمطالبة بتطبيق الديمقراطية التي تتيح مراقبة بقية السلط، والحد من تغول حزب الله الشيعي وأذرعه المتشعبة وآذانه المنتشرة في كل مكان داخل المجتمع اللبناني.
ورغم أن لبنان عمليا ليس فيها ماء صالح للشرب أو هواء صالح للاستنشاق أو شاطئ صالح للسباحة بسبب نسب التلوث الرهيبة التي تعرفها هذه المجالات، دون أن نتحدث عن الفساد المستشري في كل القطاعات، إلا أن اللبنانيين تحملوا كل ذلك، إلى أن حدث الانفجار الكبير فأعاد طرح السؤال الكبير حول من يحكم لبنان فعلا ومن يقرر في مصير مواطنيها.
ورغم ما يظهر من مشاهد استعراضية في احتجاجات اللبنانيين إلا أن الجميع يعرف أن عمامة حسن نصر الله هي المطلوبة إن لم نقل رأسه. فالجميع يعرف أن الجيش الحقيقي في لبنان هو جيش حزب الله وأن الدولة العميقة الحقيقية هي دولة حزب الله. والمخطط المرسوم للبنان لا يختلف في شيء عن المخطط الذي رسم لسوريا، حيث يجب تأجيج حرب أهلية بين الطوائف، والجميع يعرف أن حزب الله قادر على إبادة جميع الفصائل من أجل أن يحافظ على سطوته وقبضته الحديدية على كل شيء يتنفس تحت سماء لبنان، هكذا يتفق المنتظم الدولي على ضرورة التدخل من أجل حماية الشعب اللبناني من الإبادة الشيعية المدعومة من روسيا وإيران.
واليوم يوفر الانفجار الكبير مناسبة مواتية لتحميل حزب الله المسؤولية المباشرة عن تشريد 300 ألف مواطن فقدوا مساكنهم بسبب الانفجار، دون الحديث عن القتلى والمفقودين والجرحى، بعدما ظل يسوق عن نفسه صورة التنظيم الذي يحمي مساكن اللبنانيين من غارات إسرائيل.
وطبعا عندما ستعم الفوضى والاقتتال سيظهر بغدادي جديد يقود جيش داعش الذي تم تهريبه عبر الحدود السورية التركية وضمان عدم إبادته حتى وصل سالمًا إلى ليبيا، لأن الذين صنعوه يعرفون أنهم سيحتاجونه لصنع خرائط الشرق الأوسط الجديدة. ووسط كل هذه “الفوضى الخلاقة” ابحث عن إسرائيل، فالمستفيد الوحيد مما يحدث في العالم العربي من تطاحن وتشرذم هو مشروع صفقة القرن.
ومن أجل عقد هذه الصفقة فعلى العالم أن يتوقع كل شيء من أطرافها الأساسيين ومحتضنيها الرسميين. وما الانفجار الذي حدث سوى صافرة الانطلاقة لسلسلة انفجارات قادمة ستعيد تشكيل خريطة المنطقة وفق مشيئة حكام العالم الجدد.
عندما حدث الانفجار الذي أودى بحياة الحريري كان من نتائجه المباشرة خروج سوريا من لبنان، فهل سيكون من نتائج انفجار مرفأ بيروت خروج حزب الله من لبنان؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى