الرئيسية

البرلمان في حالة الطوارئ الصحية…تدابير استثنائية للتشريع ومراقبة الحكومة

إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي

 

بعد استئناف العمل البرلماني في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها حالة الطوارئ الصحية، باتخاذ تدابير وقائية، من خلال تقليص حضور البرلمانيين، بالاقتصار على ثلاثة أعضاء من كل فريق، أثارت مسطرة التصويت على النصوص القانونية جدلا دستوريا وصل صداه إلى المحكمة الدستورية، حيث اعتمد مجلس النواب طريقة التصويت بالوكالة، فيما اعتمد مجلس المستشارين طريقة التصويت عن بعد، في ظل الفراغ القانوني الذي ينظم الجلسات خلال فترة الأزمات، ما يفرض على البرلمان تدارك مثل هذه الثغرات بتعديل النظام الداخلي للمجلسين.

يعقد مجلسا البرلمان جلساتهما التشريعية والرقابية للحكومة في ظل ظروف استثنائية غير مسبوقة تعيشها البلاد فرضتها حالة الطوارئ الصحية للوقاية من جائحة فيروس كورونا، وتم اتخاذ إجراءات بتقليص حضور البرلمانيين لضمان استمرارية عمل المؤسسة التشريعية، رغم ما تطرحه من إشكالات بسبب وجود فراغات قانونية ودستورية تؤطر عمل البرلمان في مثل هذه الحالات، حيث تفرض الضرورة عدم تعطيل هذه المؤسسة لتمرير قوانين استعجالية. وفي هذا الصدد اتخذ مكتبا المجلسين عدة تدابير للوقاية من فيروس كورونا أثناء انعقاد الجلسات الأسبوعية والشهرية، ويقتصر حضور هذه الجلسات على ثلاثة أعضاء من كل فريق برلماني في جلسات مراقبة الحكومة وكذلك جلسات التصويت على النصوص التشريعية، ما أثار الكثير من الجدل حول مدى دستورية هذه الجلسات، وصل صداها إلى المحكمة الدستورية بتقديم طعن من طرف فريق الأصالة والمعاصرة.

 

 

تدابير استثنائية لعقد الجلسات

 

اتخذ مكتبا مجلسي النواب والمستشارين تدابير استثنائية لتنظيم جلسات مساءلة الحكومة، وكذلك الجلسات التشريعية التي تخصص للمصادقة على النصوص القانونية، حيث يقتصر الحضور فقط على رئيس الفريق ورئيسة المجموعة النيابية أو من ينوب عنهما بالإضافة إلى عضوين عن كل فريق ومجموعة. وتم تخصيص جلسات الأسئلة الشفوية الأسبوعية للقطاعات الحكومية المعنية بتدبير جائحة فيروس كورونا، ويتعلق الأمر بقطاعات الصحة، والداخلية، والاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، والصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي، والتربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، والشغل والإدماج المهني، والفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات.

وأكدت مذكرة رئيس المجلس، أنه بالنسبة لأعمال اللجن الرقابية التي تكتسي أهمية خاصة في التتبع اليومي والمواكبة المستمرة، فستعمل بنفس المقتضيات الشكلية المتعلقة بالحضور. وأوضحت المذكرة أنه، بخصوص أنشطة المجلس الخاصة بالتقييم السنوي للسياسات العمومية ومناقشة تقارير المؤسسات الدستورية والمهام الاستطلاعية، ستحدد مواعدها في إطار أجهزة المجلس التقريرية حسب الحالة، أما بالنسبة للجلسات التشريعية فسيتم إعطاء الأولوية، باتفاق مع مكونات المجلس والحكومة، للتشريع المرتبط بإكراهات المرحلة ومتطلباتها الخاصة بإقرار القوانين، دون إغفال المبادرات النيابية التي من شأنها إغناء المادة التشريعية ذات الصلة. كما أوصت مذكرة الرئيس باتخاذ تدابير عملية أخرى للوقاية في الفيروس، من خلال احترام المسافة المطلوبة في الجلوس، ووضع المطهرات وأدوات التعقيم في مداخل قاعة الجلسات، وإيقاف الزيارات إلى مقر المجلس، وكذلك إيقاف تنظيم الأيام الدراسية والتواصلية، وتعقيم قاعة الجلسة العامة وقاعات اللجن الدائمة.

وبخصوص تدبير الجلسات في ظل حالة الطوارئ الصحية، وما تفرضه من تدابير وإجراءات وقائية، تم الاتفاق على تقليص تمثيلية الفرق البرلمانية، بالاكتفاء بحضور رئيس الفريق أو من ينوب عنه، بالإضافة إلى نائب أو نائبين عن كل فريق، ما يعني أن الجلسة ستكون بحضور 20 برلمانيا كأقصى عدد من أصل 395 برلمانيا يتكون منهم المجلس، وبالنسبة للحكومة يحضر وزير أو وزيران فقط للرد على الأسئلة المبرمجة في الجلسة، وهذه الأسئلة تكون كلها حول نفس الموضوع، يعني طرح سؤال من جميع الفرق يليه رد الوزير المعني على الأسئلة دفعة واحدة، ثم التعقيب، ولا تتجاوز مدة عقد كل جلسة ساعة ونصف الساعة.

 

 

التصويت بالوكالة والتصويت عن بعد

 

خلافا لمجلس النواب الذي يعتمد طريقة التصويت بالوكالة لرؤساء الفرق، وفي سابقة من نوعها، قرر مكتب مجلس المستشارين اتخاذ كل التدابير اللازمة من أجل اعتماد آلية التصويت الإلكتروني بالجلسات العامة، مع تعميمها على اللجان الدائمة. وجاء في بلاغ لمجلس المستشارين، إنه «إعمالا لمقتضيات الفصل 60 من الدستور في فقرته الأولى، والتي تنص على أن حق تصويت الأعضاء حق شخصي لا يمكن تفويضه، والمادة 175 من النظام الداخلي للمجلس التي تنص على أن التصويت يكون علنيا برفع اليد أو بواسطة الجهاز الإلكتروني المعد لذلك، فقد قرر المكتب اتخاذ كل التدابير اللازمة من أجل اعتماد آلية التصويت الإلكتروني بالجلسات العامة، مع تعميمها على اللجان الدائمة، انطلاقا من الأسبوع المقبل». وأضاف المصدر ذاته، أن رئيس المجلس وأعضاء المكتب أكدوا على أهمية توفير كافة الوسائل الفنية واللوجستيكية للاشتغال عن بعد، بما يضمن مشاركة كافة المستشارين في أشغال المجلس.

وفيما قرر مجلس المستشارين اعتماد تقنية التصويت عن بعد في الجلسات التشريعية التي يعقدها للتصويت على النصوص القانونية، يعتمد مجلس النواب طريقة التصويت بالوكالة، حيث يتم احتساب صوت رئيس الفريق بأعداد البرلمانيين الذين يتشكل منهم الفريق، رغم عدم حضورهم الفعلي لأشغال الجلسات، بسبب التدابير الاحترازية التي اتخذها مكتب المجلس، حيث يتم الاقتصار على حضور ثلاثة أعضاء من كل فريق، بينهم رئيس الفريق أو من ينوب عنه، وأثارت هذه الطريقة جدلا حول مدى مطابقتها للدستور والقانون، لأن التصويت حق شخصي لا يمكن تفويضه.

ولم يستبعد الأستاذ الجامعي، عمر الشرقاوي، وقوع بعض الإشكالات الدستورية المرتبطة بالتصويت، باعتباره حقا شخصيا لا يمكن تفويضه وفق منطوق الفصل 60 من الدستور، مبرزا أنه لا يمكن حرمان أي برلماني من هذا الحق تحت ذريعة مطالبته بعدم الحضور لأسباب صحية التزاما بمقتضيات مرسوم قانون الطوارئ، وقال: «فمن العبث احترام قاعدة قانونية وانتهاك قاعدة دستورية تسموها مكانة وقيمة، وهذا الأمر هو ما يحتم إبداع تدابير لتجاوز مغامرة مصادرة حق التصويت أو تفويضه بشكل غير مباشر خصوصا تجاه القوانين التنظيمية التي تتطلب نصابا محددا أثناء التصويت عليها». ويقترح الشرقاوي التعطيل الجزئي للوظيفة التشريعية في زمن الوباء ينبغي أن يطالها خصوصا على مستوى المصادقة داخل الجلسات العامة التي تعد أعمالها تقريرية مع استمرار النشاط التشريعي داخل اللجان التي تبقى أعمالها بمثابة أشغال تحضيرية وفق قرار سابق للمجلس الدستوري.

 

 

جدل التشريع عن بعد

 

يرى الباحث والمحلل السياسي، إدريس بنيعقوب، أن التمثيلية النيابية في المبدأ العام لا تنظر إلى النائب أو ممثل الناخبين من منظور مادي جسدي أو كـ«فم» للخطابة والمناقشة الشفهية، وإنما ترى فيه مؤسسة تؤدي عمل التمثيلية والرقابة حسب السياقات مع إبقاء المجال مفتوحا لإبداع طرق ومساطر ومنهجيات للعمل، من هنا تتعدد وتختلف إلى حد ما الأنظمة الداخلية لسير المؤسسات النيابية عبر العالم، وتتعدد قواعد القانون البرلماني الذي يتطور حسب الظروف. وأوضح بنيعقوب أن القاعدة العامة هي حضور النواب للتداول التشريعي في مؤسسة البرلمان، وأيضا في مساءلة الحكومة وفي التصويت على مختلف المبادرات التشريعية، لكن تبقى هذه القاعدة مرتبطة بالظروف العادية، مشيرا إلى أنه في السياقات الاستثنائية هناك اجتهادات في القضاء والفقه المقارن رسخت ما يسمى بنظرية الظروف الاستثنائية التي من شأنها أن تعطل جزئيا الإرادة العامة وتجعلها في حالة تشبه الشلل إزاء الفعل العمومي، ثم هناك نظرية القوة القاهرة غير المتوقعة التي تؤثر على الإرادة وتشل التعاقدات المدنية والاجتماعية، وبالتالي تدفع الأطراف إلى تغيير بنود الاتفاقات والالتزامات، بتجميع هذه العناصر في ظل سياق خطير على الصحة العمومية للجماعة المغربية وللأفراد، فإنه ينبغي التعامل مع الاستثناء بقاعدة استثنائية وليس القاعدة العادية.

وأوضح بنيعقوب أن حضور النواب كلهم للبرلمان قد يكون عنصرا خطيرا إن على صحتهم أو على ذويهم ومقربيهم وعلى مخالطيهم في حال انتقال عدوى الوباء، لذلك، يضيف المتحدث، «ينبغي التغاضي عن مساطر التداول الشفهي الحضوري لفائدة المساطر الكتابية من مناقشات ودفوعات وتعقيبات وردود إلكترونية آنية ولم لا عقد جلسات تداول ومناقشة عبر وسائل التواصل التكنولوجية، بعد التوافق بين جميع مكونات البرلمان بواسطة محضر أو تعاقد استثنائي لهذه الغاية».

وبخصوص دستورية هذه المسطرة، أبرز بنيعقوب أن الدستور نفسه يتوقع تعطيل مؤسسات في حالة أزمات كالحروب وحالة الاستثناء، ومن هنا يمكن القياس على هذه الحالات في تدبير المؤسسات السياسية أثناء الأزمات، مشيرا إلى أن الدستور روحا ومنطوقا أولا جاء لحماية المواطن وصيانة حقوقه، وعندما تتعرض هذه الحقوق التي تعتبر أولوياته لمخاطر حقيقية، فإنه يفترض إيقاف جزئي لبعض المقتضيات لأن الأهم والمقدس بالنسبة للدستور هو الإنسان وليس المؤسسة في حد ذاتها، ومع ذلك، يضيف بنيعقوب، يمكن استشارة البرلمان للمحكمة الدستورية لتعزيز وتوسيع المشاركة في اتخاذ القرار الدستوري المناسب أو عند الاقتضاء طلب تحكيم ملكي باعتبار الملك الممثل الأسمى للدولة والحكم بين المؤسسات وضامن استمرارية الدولة، وخلص إلى أن القواعد العادية في التواصل والتشاور والتداول قد اعترضتها أزمة الوباء ويتعين توفر المرونة الكافية والتكيف مع الظروف الاستثنائية التي قد تطول لإقرار قواعد جديدة للتداول والرقابة، وحتى يصبح هذا النقاش حول هذا الموضوع وكأنه مفتاح الخلاص من الوباء، يجب الإسراع في خلق آليات وأدوات عمل برلماني جديد وألا يتحول النقاش من المساهمة لإيجاد حلول للأزمات المتفرعة عنها اجتماعيا واقتصاديا بدل الدخول في نقاش غير متوافق مع حالة الطوارئ والاستعجال.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى