الرئيسيةملف التاريخ

التاريخ الأسود لمناجم الفحم

«أحد التقارير التي تعود إلى سنة 1948، والتي توجد في مقر أرشيف مكتبة باريس، ويحمل ترقيم RS188، يقول إن الحكومة الفرنسية أعطت الموافقة يوم 8 يناير 1942 للرفع من قيمة الاستغلال بأزيد من 200 بالمائة. واتخذ القرار بناء على دراسة قام بها مهندس فرنسي جاء فيها أن جوف منطقة جرادة لا يزال يحتفظ بكميات هائلة من المعادن، وأن السنوات التي قضتها فرنسا في استغلاله لم تستخرج خلالها إلا نسبة يسيرة فقط من إجمالي الثروات المعدنية. وهكذا تم الرفع من نسبة الاستغلال المنجمي إلى درجة قصوى، شكلت قمة استفادة فرنسا من الثروات الجوفية بالمغرب، خصوصا في المنطقة الشرقية.

تقرير آخر، في السنة نفسها، يصف المنطقة بالواعدة، ويصحح تقارير قديمة تعود إلى الفترة الأولى للتنقيب، والتي بُنيت على ملاحظات المستكشفين أمثال إدمون دوتي الذي كتب عن الثروات المعدنية في المغرب منذ بداية القرن العشرين. هذا التقرير جاء فيه أن منطقة جرادة تضم ثروات يمكن استغلالها لأزيد من خمسين سنة بقيمة استغلال قصوى تفوق بكثير قيمة الاستغلال التي تحترمها فرنسا في المناجم الفرنسية».

 

يونس جنوحي

 

++++++++++++++++++++++

 

تقرير 1962 الناري من باريس

كانت الصحافة الفرنسية مهتمة كثيرا بتفاصيل حياة الملك الجديد للمغرب. الملك الحسن الثاني يخلف والده على العرش، والصحف والمجلات وحتى التلفزيون الفرنسي الرسمي، تسارع جميعها للفوز بلقاءات صحافية مع الملك الجديد للمملكة.

من بين الملفات التي كانت عالقة وقتها بين المغرب وفرنسا، مسألة تدبير بعض الشركات للمناجم في البلاد. إذ كان حزب الاستقلال منذ 1956 يدعو إلى طرد الأطر الفرنسية. وتعزز الأمر أكثر من خلال النقابة التي كانت تابعة للحزب الجديد الذي يقوده المهدي بن بركة، حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. هذا الحزب الذي قاد حملة كبيرة في البرلمان سنة 1963 وأيضا على مستوى النقابات العمالية بالإضافة إلى حملة في الصحافة ممثلة في جريدة الحزب، مضمونها دعوة إلى إنهاء وجود شركات فرنسية في استغلال المناجم، وكذا إنهاء عقود مهندسين فرنسيين وفسح المجال أمام الكفاءات المغربية القادمة من فرنسا للاشتغال في المجال. بالإضافة إلى دعوات وقتها إلى ضرورة إطلاق معاهد مغربية يُستقطب إليها المتفوقون من كل جهات المغرب للتخصص في المجال المنجمي.

كانت النقابة القديمة التي تعد امتدادا للنقابة الفرنسية، لا تزال تحظى بالشعبية في أوساط العمال المغاربة القدامى الذين اشتغلوا في مناجم التنقيب سواء في جرادة، في الحدود الشرقية مع الجزائر، وهؤلاء العمال المغاربة تعرفوا على العمل النقابي في فترة إشراف الفرنسيين على المناجم بشكل مباشر، وبقي لديهم الحس النقابي وانخرطوا في أول تمثيلية نقابية في المغرب مباشرة بعد الاستقلال.

أما بخصوص تقرير 1962، فقد كان مضمونه قد تسرب إلى فريق الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في البرلمان في جلساته الأولى سنة 1963، (سنة بعد صدور التقرير) والذي كان يترأسه الاتحادي بن عبد الجليل، حيث حاول الفريق إحراج بعض الوزراء المغاربة، خصوصا الوزير باحنيني، واعتبروا أنهم يدعمون سياسة فرنسا في المغرب حتى بعد حصول البلاد على الاستقلال.

لعبت صحافة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية دورا كبيرا في حرب الضغط تلك، لطرد المهندسين الفرنسيين من المغرب. لكن المشكل أن بعضهم، خصوصا في أكادير والدار البيضاء، كانوا قد قرروا الاستقرار النهائي في المغرب ولم يكن ممكنا طردهم في ظل وجود فراغ قانوني. إذ ما دام هؤلاء المهندسون الفرنسيون يتقاضون أجورهم من المغرب ويواصلون تقديم خدماتهم في مجال المناجم، فإن عملية طردهم بشكل جماعي سوف تتسبب بالتأكيد في أزمة بين المغرب وفرنسا..، خصوصا وأن هؤلاء المهندسين منهم من اقتنى ممتلكات في المغرب بل هناك منهم من لم يعودوا إلى زيارة فرنسا أبدا واستقروا بشكل دائم في المغرب.

لكن من الناحية السياسية، كانت بعض النقط التي حملها التقرير، خصوصا نصيب الشركات الفرنسية من العائدات بسبب استخلاصها لمصاريف خيالية عن توسيع المناجم سابقا وعن تكوين المهندسين والأطر، كلها عوامل جعلت حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية يقرر خوض الحرب ضدها سياسيا، بلا هوادة.

إذ إن هذه الشركات الفرنسية تركت وراءها نظام تسيير لتلك المناجم يضمن الأفضلية لفرنسا للفوز بالصادرات بأثمان تفضيلية، بالإضافة إلى تخفيضات مهمة متفق عليها. وهذه التخفيضات كانت في وقت أشرفت فيه الإدارة الفرنسية على تكوين الأطر وتوفير كفاءات من المهندسين الفرنسيين الذين درسوا وتكونوا في فرنسا.

هذه النقطة بالذات اعتبرت موضوع خلاف كبير وقتها، والسبب أن فرنسا كانت تراهن على عائدات الاستغلال، بينما كان التيار المعارض يرغب في تصفية تركة فرنسا في المغرب بشكل نهائي.

هذا التقرير الذي يعود إلى سنة 1962، يقدم لوائح بأسماء شركات استغلال فرنسية تقدم خدمات في المغرب منذ 1941 إلى سنة 1954، ووقعت عقود احتكار للاستغلال والتنقيب تصل إلى عشرين سنة. أي أن بعض هذه الشركات لديها أحقية استغلال المناجم حتى بعد حصول البلاد على الاستقلال.

وهو ما وقع فعلا، إذ إن بعض الشركات الفرنسية بقيت تستغل مناجم منطقة الشمال إلى حدود سبعينيات القرن الماضي. والدليل أنه بعد المحاولة الانقلابية التي استهدفت طائرة الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1972، اتضح، بعد نهاية الجنرال أوفقير وانتهاء سلطته، أنه كان يملك منجما في الجنوب المغربي، لا أحد عرف كيف تحولت ملكية المنجم إلى اسم الجنرال. وأثار الموضوع استغرابا كبيرا، وكشف أن موضوع ملكية المناجم ورخص استغلالها في عدد من المناطق، لا بد أن يُراجع. وهو ما وقع، إذ أمر الملك الراحل الحسن الثاني، في بداية السبعينيات، بإيقاف استغلال عدد كبير من المناجم بينما ألحقت أخرى بالشركات الوطنية المعروفة لإنهاء احتكار الشركات القديمة التي كانت من تبعات نهاية مرحلة الحماية سنة 1956.

 

مذكرات قديمة تكشف بداية استغلال الفرنسيين للمناجم المغربية سنة 1914

يتحدث المهندس والمغامر الأمريكي «لوكاس» عن كواليس غير معروفة من قبل وحقائق صادمة عن ممارسات الجيش الاستعماري الفرنسي في جنوب المغرب سنة 1918. إذ يقول إنه عندما وصل إلى أكادير وجد كومة من الجثث لمغاربة رفضوا أن يسوي الجيش الفرنسي طريقا لتمرير معدات الحرب الثقيلة إلى مكان تأسيس ثكنة خارج منطقة عيش سكان أكادير في ذلك الوقت. وعندما حاول المحليون الاشتباك بالأيدي مع الجنود أعطي الأمر بإطلاق الرصاص رغم أن المشتبكين مع الجيش لم يكونوا مسلحين.

يقول: «وكانت النتيجة في أقل من دقيقة سقوط أزيد من 25 قتيلا كلهم كانوا يرتدون جلابيب محلية وبينهم بعض الشبان في بداية مرحلة شبابهم. عندما وصلنا وجدنا جثامينهم لا تزال فوق الأرض. وفي المساء عندما أردنا المرور من نفس المكان للصعود إلى قمة الجبل والاستمتاع بمنظر الغروب، وجدنا أن الجثامين اختفت وعلمت لاحقا أن الكولونيل الذي يترأس كتيبة الجيش أمر بتمكين العائلات من أخذ الجثامين لدفنها، وبقيت آثار الدماء فوق الأرض دليلا على تلك «المجزرة».

كانت أعين الناس نحونا تقول كل شيء. الفرنسيون غير مرغوب فيهم هنا. وهذا يذكرني بصعوبة مهمتي التي جئت أساسا من أجلها.

أخبروني أنه لا خيار أمامي. والضابط الذي طلب مني أن أمنحه مبلغا من المال مقابل هذه المساعدة، أخبرني أن المكان لا يتوفر على أي خط هاتفي ولا يوجد كهرباء وموجات راديو. وأنه لإرسال تلغرام قصير يتعين عليّ التنقل لأربع ساعات متواصلة على متن العربة لكي أصل إلى أقرب نقطة تواصل. لكنني قبلت بهذا العرض. ليس أمامي خيار آخر، كما أن العزلة التي تحيط بالمكان تناسب كثيرا السرية التي أريدها في هذا الموضوع.

حفرنا خمسة أماكن، وفي الأخير، عندما وصلنا إلى النقطة السادسة للحفر، قررت أن أوقف الحفر. المكان مناسب جدا، ومكونات التربة تصلح لإقامة منجم صغير. قد تكون هناك أطنان من الفضة في الأسفل. حاولت ألا أظهر سعادتي الكبيرة لأحد. قطبت جبيني قليلا وتظاهرت بالجدية، وقلت لمحمد لكي يترجم للعمال الستة:

-أوقفوا كل شيء هنا. أريد أن تبنوا خيمة فوق هذه الحفرة وواصلوا تعميقها أفقيا ونحو الأسفل.

-مثل نفق؟

-نعم على شكل نفق. علينا أن نقطع بعض الأشجار من هناك لكي نضع دعامات خشبية حتى لا ينهار علينا التراب. لا تتوقفوا عن الحفر إلا عندما أخبرك بذلك».

لقد كان «لوكاس» على موعد مع اكتشاف أول منجم فضة في حياته، فقد اتضح له أن هناك كميات كبيرة من معدن الفضة النقي في أرجاء منطقة سوس.

«كنا في الطريق من أكادير قبل غروب الشمس. وسرنا بالبغال ما يقارب ثلاث ساعات، وكنا نواصل الرحلة ليلا، حيث كان بعض رجال القايد يسبقوننا حاملين معهم قناديل ضخمة لإنارة الطريق. بينما كنا نحن موكبا من سبعة رجال، كلهم فرنسيون. وكنت الأمريكي الوحيد بينهم.

الحاكم العسكري كان معه مدير مكتبه والبقية كانوا ضباطا في الجيش، وأحدهم كان رئيس الثكنة العسكرية.

عندما وصلنا وجدنا القايد بنفسه واقفا أمام باب داره التي كانت كلها مبنية بالطين والحجارة. وهالني ارتفاع جدران منزله، أو قصره الصغير إن صح التعبير، خصوصا وأنه كان يقع في أعلى قمة التل، منتصبا وحيدا في المكان. وهو ما يزيد من الرهبة قبل دخوله.

وجدنا خرافا معدة للشواء كانت تدور في قطبان حديدية. وكان هناك بعض العبيد سود البشرة كانوا يرتدون البياض، ويعدون لنا الشاي المغربي. بينما فرشت الزرابي من باب دار القايد إلى قلب الساحة التي أعدت خصيصا للجلوس.

وما إن دلفنا إلى الساحة الكبيرة في قلب الدار، حتى شرع أعضاء فرقة محلية في قرع الطبول والتغني بأهازيج، حيث كانوا يشكلون صفا طويلا يهتز في إيقاع واحد.

ما كان ينقصني في الحقيقة لم يكن الشاي المغربي الذي أنعشني، لكن ما كنت فعلا أحتاجه هو حمام دافئ لطرد «أطنان» الغبار التي جمعناها طوال المسافة بين الثكنة وإقامة القايد».

يقول «لوكاس» إن القايد سأله، عن طريق المترجم الذي رافق الفريق، عن طبيعة مهمته، وحاول أن يراوغ قليلا لكنه أخبره أنه مهندس في التنقيب عن المعادن. وابتسم القايد ابتسامة بألف معنى. يقول لوكاس في وصف تلك اللحظة: «عندما ذكرت كلمة «المعادن» ابتسم القايد لتظهر أسنانه الفضية وبقي يحدق في وجهي وكأنه يقرأ رد فعلي. ارتشفت من كأس الشاي المنعنع، وصرفت عيني بعيدا عنه حتى لا يظهر عليّ المزيد من الارتباك».

هذا أول وزير مغربي دبّر شؤون المناجم والمعادن

اسمه التهامي الوزاني. ظهر في الصورة التاريخية التي جمعت الملك الراحل محمد الخامس مع أعضاء حكومة امبارك البكاي الأولى يوم 7 دجنبر 1955. هذه الحكومة التي كانت تتكون من تسعة وزراء من حزب الاستقلال، وستة وزراء من حزب الشورى. زعيما الحزبين لم يتوليا أي منصب وزراي. ويتعلق الأمر على التوالي بكل من علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني. بينما بقيت أربع وزارات أسندت إلى وزراء من خارج الحزبين لكي تتشكل الحكومة.

ورث الوزير، الذي يهمنا هنا، التهامي الوزاني، وزارة الإنتاج الصناعي والمعادن تماما كما تركتها فرنسا بعد أن كانت إدارة تابعة للإقامة العامة الفرنسية منذ 1919 تقريبا.

هذه الوزارة كانت، في السابق، إدارة تُعنى بتدبير الإنتاج الصناعي وتحويل مُستخرجات المناجم المغربية إلى التصدير عبر الموانئ.

كان التهامي الوزاني يتقاسم عددا من الملفات مع الوزير الاستقلالي أحمد اليزيدي الذي كان يشرف على قطاع الملاحة التجارية.

أكبر الملفات التي كانت تؤرق التهامي الوزاني ملف تدبير المناجم المُتخلى عنها والتي لم تعد صالحة للاستغلال. بالإضافة إلى أن بعض القياد، خصوصا نواحي خنيفرة وفاس وورزازات، رفعوا ملتمسا إلى الوزير طلبوا من خلاله أن تتم مراجعة تدبير بعض المناجم التي لا يزال سكان تلك المناطق متمسكين بضرورة استغلالها بعد مغادرة الشركات الفرنسية. والسبب أن آلاف السكان كان معيشهم اليومي مرتبطا بتلك المناجم. ولم يكن هؤلاء، بطبيعة الحال، مؤهلين للاشتغال داخلها بعد مغادرة الشركات الفرنسية ونقلها لمعدات الاشتغال بعيدا عن المناجم. بالإضافة إلى أن الوزير المغربي توصل بتقارير من تلك الشركات، ومنها شركات حكومية فرنسية، مفادها أن تلك المناجم لم تعد صالحة للاستغلال، وأن الأشغال ببعضها توقفت سنة 1952 نظرا لمخاطر احتمال انهيارها فوق رؤوس المنقبين عن المعادن.

كان الوزير التهامي الوزاني ينتقل من مقر وزارته غير بعيد عن القصر الملكي، في أيام برد شتاء 1955، إلى القصر الملكي في الرباط للقاء الملك الراحل محمد الخامس، حيث رفع إليه تقريرا مفصلا عن وضعية المناجم التي تركتها فرنسا خلفها. ورغم وجود عدد من التقنيين الفرنسيين ومهندسي التنقيب في المغرب، إلا أن العمل في تلك المناجم كان قد توقف، وهو ما جعل عددا من الاستقلاليين يطالبون برحيلهم من المغرب بدعوى أن البلاد حصلت على الاستقلال ولا داعيَ لبقاء الأطر الفرنسية.

كان، وقتها، حديث في أوساط حزب الاستقلال مفاده أن هناك بعض الشباب المغاربة التابعين للحزب، يشارفون على إنهاء دراستهم في المعاهد الفرنسية، ويتم إعدادهم لتسلم المناصب التي سوف يغادرها الفرنسيون في الوزارة التي يشرف عليها التهامي الوزاني.

لكن التخوف الأكبر كان يتعلق بمواصلة استغلال بعض المناجم بصورة غير قانونية من طرف السكان، إذ تهدم منجم بسبب الأمطار في يناير 1956، وكتبت عنه الصحافة، وتجنبت صحيفة «العلم»، لسان حال حزب الاستقلال، التطرق للموضوع. إذ المرجح أن يكون سبب انهيار المنجم دخول السكان المحليين إليه بإيعاز من القايد الذي كان استقلاليا، ومواصلة الحفر الذي كان قد توقف داخله منذ 1951، بحثا عن المعادن.

وقتها عاش الوزير التهامي الوزاني تجربة مريرة، إذ كان عليه أن يرفع تقريرا للملك الراحل محمد الخامس، الذي أعطى الأمر بإيقاف استغلال تلك المناجم، واستمرار عمل التقنيين والمهندسين الفرنسيين في المناجم التي كانت لا تزال نشطة. وكان على الوزير مواجهة غضب الاستقلاليين الذين هاجموا إجراءات الوزارة في الصحافة، واتهموا الوزير بالعمالة للاستعمار لأنه سمح للمهندسين الفرنسيين بمواصلة العمل، خصوصا في أماكن التنقيب بخريبكة التي كانت تعتبر معقل اهتمام وزارة المعادن.

 

الفحم الحجري.. عندما رغبت فرنسا في تصدير جوف «وجدة» كاملا إلى باريس

 

منذ 1908 تقريبا، موعد العمليات العسكرية المبكرة للفرنسيين في المنطقة الحدودية بين المغرب والجزائر، والتقارير التي ترفع بشأن الاستغلال المنجمي نواحي وجدة، تشهد ارتفاعا ملحوظا، خصوصا مع وصول القوات الفرنسية إلى منطقة فكيك وبوعرفة في وقت لاحق.

كان الوصول إلى المنطقة الشرقية يعني بداية التنقيب والعمل المنجمي.

لكن النشاط في هذا القطاع لم يزدهر إلا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، خصوصا وأن قمة استغلال مناجم جرادة التي اشتهرت بكونها أكبر نقطة استغلال للمعادن في المغرب لم تتحقق إلا بعد الحرب العالمية الأولى. بل إن بعض تقارير الطاقة التي تعود لأربعينيات القرن الماضي، تربط بين مناجم جرادة والنهضة الصناعية التي دخلتها فرنسا بين الحربين. أي فترة ما بين 1918 و1939. فقد كان إنتاج مناجم جرادة من الحديد والفحم الحجري، يُوجه إلى فرنسا بحرا.

وعندما حصل المغرب على الاستقلال سنة 1955، كان موضوع هذه المناجم قد تحول إلى صيغة أخرى، وتم تفويت استغلال مناجم جرادة إلى الحكومة المغربية، واستمر عقودا إلى أن توقفت الأشغال بها خلال تسعينيات القرن الماضي.

لكن الملاحظ، من خلال أرشيف التقارير التي تتعلق بالموضوع، أن قمة الاستغلال حققتها فرنسا خلال فترة الأربعينيات، إذ إن الإقلاع الاقتصادي، بعد الحرب العالمية الثانية، ساهمت فيه مُستخرجات المناجم المغربية بشكل كبير جدا.

أحد التقارير التي تعود إلى سنة 1948، والتي توجد في مقر أرشيف مكتبة باريس، ويحمل ترقيم RS188، يقول إن الحكومة الفرنسية أعطت الموافقة يوم 8 يناير 1942 للرفع من قيمة الاستغلال بأزيد من 200 بالمائة. واتخذ القرار بناء على دراسة قام بها مهندس فرنسي جاء فيها أن جوف منطقة جرادة لا يزال يحتفظ بكميات هائلة من المعادن، وأن السنوات التي قضتها فرنسا في استغلاله لم تستخرج خلالها إلا نسبة يسيرة فقط من إجمالي الثروات المعدنية. وهكذا تم الرفع من نسبة الاستغلال المنجمي إلى درجة قصوى، شكلت قمة استفادة فرنسا من الثروات الجوفية بالمغرب، خصوصا في المنطقة الشرقية.

تقرير آخر، في السنة نفسها، يصف المنطقة بالواعدة، ويصحح تقارير قديمة تعود إلى الفترة الأولى للتنقيب، والتي بُنيت على ملاحظات المستكشفين أمثال إدمون دوتي الذي كتب عن الثروات المعدنية في المغرب منذ بداية القرن العشرين. هذا التقرير جاء فيه أن منطقة جرادة تضم ثروات يمكن استغلالها لأزيد من خمسين سنة بقيمة استغلال قصوى تفوق بكثير قيمة الاستغلال التي تحترمها فرنسا في المناجم الفرنسية. إلى درجة أن الحكومة الفرنسية قدمت سنة 1944 تسهيلات كبرى للمهندسين الفرنسيين الجدد، خصوصا وأن أفواج الخريجين تأثرت بالحرب العالمية الثانية، وهكذا وضعت الحكومة الفرنسية أمامهم مجموعة من الإغراءات المادية والعلاوات والمكافآت لكي ينتقلوا من باريس إلى وجدة ويشتغلوا في مناجم جرادة. بالإضافة إلى أن الحكومة الفرنسية خلقت مناصب أخرى في منطقة ميدلت، حيث كان يجري التنقيب عن الفضة، ووضعت امتيازات أمام المهندسين الذين قرروا الانتقال إلى المغرب للاشتغال في تلك المناجم.

 

مناجم الجنوب المنسية.. «حُفر» اختلط فيها التراب بالدم

عندما نتحدث عن مناطق ورزازات وتنغير وبقية مداشر الجنوب الشرقي وصولا إلى الراشيدية، فإننا نكون بالضرورة أمام تاريخ منسي من عمليات الإبادة الجماعية التي ارتكبها الجيش الفرنسي ضد سكان هذه المناطق بتواطؤ مع قوات عائلة الكلاوي، حيث كان المدني الكلاوي، الأخ الأكبر للباشا الكلاوي، وقتها، هو العقل المدبر لكل تلك العمليات التي باشرها الجيش الفرنسي بإشراف من الجنرال «داماد».

هذه العمليات العسكرية رافقها وجود مهندسين في التنقيب عن المعادن، كانوا لا يضيعون أي ثانية كلما تم بناء ثكنة عسكرية فوق جثث المحاربين القدامى الذين كانوا ينتمون إلى القبائل المتمردة مثل بوكافر وقوات موحى وحمو.

هؤلاء المهندسون الفرنسيون استفادوا من تدريب عسكري قاس، بحكم أن خريجي الهندسة كانوا يتلقون تدريبا عسكريا إجباريا بسبب ظروف الحرب العالمية لسنة 1914، وعندما كانوا يرافقون القوات العسكرية الفرنسية إلى جنوب المغرب، كانوا يحصلون على السلاح من أكادير وكميات كبيرة من المتفجرات.

هذه الرحلة التي كانت تبدأ من أكادير، تتوقف حيثما وجدوا منطقة يمكن استغلالها منجميا، حيث يشرعون في تشييد مناجم مؤقتة وسرعان ما يغادرونها إذا اكتشفوا أنها لا تتوفر على كميات كافية لاستغلالها لمدة طويلة واستخراج معادن الفضة والنحاس، وحتى الذهب.

في المناطق التي شهدت معارك دامية بين قوات الجيش الفرنسي وقبائل الأطلس، تم تشييد عدد من المناجم، خصوصا في إميضر، التي لا تزال مشهورة إلى اليوم بالمناجم، وتم استغلالها خارج القانون بحكم أن فرنسا، قبل أن تؤسس إدارة المعادن في الرباط، والتي كانت تابعة للمقيم العام شخصيا، شرعت في استغلال المناجم وتهريب كميات كبيرة من معدن النحاس والحديد والذهب، وكانت شخصيات عسكرية مرموقة تشرف على هذه العمليات.

هؤلاء استغلوا جهل المغاربة بالعمل المنجمي في تلك الفترة المبكرة من القرن العشرين. بل إن قوات الجيش الفرنسي استغلت الأسرى المغاربة من رجال القبائل نواحي ورزازات وشغلتهم رغما عنهم في عمليات الاستخراج والشحن التي تطورت لاحقا عن بناء سكة الحديد في خريبكة وفي الشمال الشرقي نواحي وجدة. لكن وضعية المغاربة في الجنوب كانت أكثر سوءا، إذ لم يتم بناء سكة الحديد في الجنوب، والسبب أن فرنسا استغلت البغال والحمير، باعتبارها وسيلة النقل الوحيدة في تلك المنعرجات والتضاريس الصعبة، وأرغمت سكان القبائل التي تمت السيطرة عليها عسكريا، على العمل في نقل المستخرجات على ظهور البغال ليتم شحنها برا عن طريق الشاحنات العسكرية وصولا إلى أكادير، حيث يتم إخراج كميات هائلة من المعادن عبر الميناء.

كانت هذه العمليات تتم بعلم الإقامة العامة الفرنسية التي رخصت للقوات العسكرية لكي تنقل الكميات المستخرجة عبر الشاحنات العسكرية. وكانت هذه العمليات كلها تتم خارج القانون. حيث كانت معاهدة الحماية تنص على أن فرنسا توفر الحماية للمغرب وتعمل مع السلطان. بينما كان استغلال المناجم في الجنوب يتم خارج القانون وبدون أي ترخيص مسبق من السلطان أو تفاهم مع ممثلي المخزن في تلك المناطق.

كانت مياه أكادير، قبل أن يتم تشييد الميناء الضخم بها، تشهد على عمليات تنقيل ما يتم استخراجه من مناجم الجنوب المغربي، إلى فرنسا بحرا. حيث كانت السفن القادمة من موريتانيا ودول جنوب إفريقيا تمر من شاطئ أكادير، وتتوقف به للتزود بالمؤونة، وتشحن ما يتم استخراجه من نواحي الجنوب. وبقي الأمر على حاله لسنوات إلى أن تم إخماد ثورات 1933، حيث بدأ استغلال المناجم في الجنوب مرحلة جديدة، بدأ فيها تنظيم عمليات الاستخراج وتوقيع اتفاق بين الإقامة العامة الفرنسية في الرباط وشركات استغلال فرنسية منها شركات حكومية، حيث شرعت في توسيع عمليات التنقيب في ورزازات. لكن هذا التنقيب لم ينتج عنه أي تشييد لسكة حديدية كما هو شأن بقية المناطق مثل خريبكة وجرادة ونواحي فاس ومكناس. بل تم الاكتفاء بتوسيع شبكة الطرق، وتوسيع الطرق الجبلية بشكل يسمح بمرور الشاحنات التي كانت تنقل الرخام ومستخرجات المناجم في الجنوب، إلى ميناء أكادير لنقلها بحرا إلى فرنسا.

 

سكة الحديد.. الأشغال الشاقة التي جعلت المغاربة عبيدا لشركات المناجم الفرنسية

 

تبقى السكة التي تربط منطقة جرادة نواحي وجدة، بفكيك، أحد أقدم خطوط السكة الحديدية في المغرب، والتي تمر عبر الصحراء في المنطقة الشرقية، على طول الخط الحدودي بين المغرب والجزائر.

هذا الخط السككي لم يكن أبدا مخصصا لنقل المسافرين. فمنذ اليوم الأول لتشييده في العقد الثاني من القرن العشرين كان مخصصا لنقل العربات التي تضم ما يتم استخراجه من مناجم الفحم الحجري في منطقة جرادة.

كما أن بعض المناجم المخصصة للتنقيب عن الحديد كانت تتخذ من الخط السككي عصب استمرار استغلالها لسنوات.

هذا الخط كان يربط ساحل وجدة بوحدات الاستغلال المنجمي في الجنوب، حيث كانت السكة تؤمن نقل الأطنان من المعادن والفحم سنويا بعيدا عن الأعين وبشكل سري. إذ إن وزارة المعادن الفرنسية لم تكن مطالبة بالإدلاء بأي تقارير أو دراسات لأي جهة. إذ كان الاستغلال الكلي لمناجم المنطقة الشرقية بعيدا عن أي رقابة.

هذا الخط السككي أصبح مهجورا بعد توقف الاستغلال المنجمي. وحوله أحد المستثمرين الأوربيين في مجال السياحة إلى خط نقل سياحي للراغبين في عيش تجربة عبور الصحراء على متن القطار. كما أن تصوير أحد أفلام سلسلة جيمس بوند الشهيرة، واستعمال هذا القطار لتصوير أحد المشاهد وسط الصحراء جعل آلاف السياح عبر العالم ينتقلون إلى المنطقة. وهو ما جعل هذا المستثمر الأوربي يرفع طلبا للسلطات المغربية لتمكينه من عقد استغلال للقطار المهجور وتنظيم رحلات على متنه للسياح، لكن المشروع لم يكتب له النجاح. وطبعا، لا أحد من هؤلاء استحضر التاريخ «الأسود» لذلك الخط السككي الذي بُني على جثامين آلاف العمال المغاربة.

أما الخط السككي الذي ربط خريبكة بالدار البيضاء، فقصته تختلف عن الخط في جرادة ووجدة. إذ إن بناء الخط السككي لخريبكة يعود إلى فترة مبكرة من استغلال مناجم الفوسفاط في المنطقة. وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن أولى عمليات بناء سكة حديدية بين خريبكة والدار البيضاء تعود إلى مرحلة ما قبل توقيع معاهدة الحماية. إذ إن سنة 1908 عرفت عملية قادتها قبائل منطقة دكالة لتفجير أشغال بناء سكة حديدية كانت القوات الفرنسية تشيدها في المنطقة بعد سيطرتها على الدار البيضاء على خلفية قصف 1907. وتم اعتقال آلاف من رجال القبائل المحيطة بالدار البيضاء لضلوعهم في عملية محاولة تفجير السكة.

تحقق المشروع واشتغل الخط السككي بين ميناء الدار البيضاء الذي بنته شركات فرنسية، ومدينة خريبكة، حيث كان القطار الأول الذي وضع فوق تلك السكة مخصصا لنقل حمولات من مناطق استخراج الفوسفاط الخام، بالإضافة إلى مناجم أخرى لاستخراج أنواع من المعادن، ونقلها بحرا من الدار البيضاء إلى باريس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى