الرأيالرئيسيةسياسية

الجلباب أم ربطة العنق؟

 

 

يونس جنوحي

 

لا أحد من الذين عززوا مكانة العدول في المغرب عبر التاريخ، توقع أن ينتهوا على صفيح ساخن مع «إخوانهم» الموثقين.

المولى الحسن الأول باشر إصلاحات استفاد منها عدول المغرب، حوالي سنة 1880 وأصبحت لديهم بموجبها صلاحيات كادوا معها أن يُصبحوا لوحدهم «سلطة تشريعية».

وقبله جعل المولى إسماعيل، الذي حكم المغرب سنة 1672، العدول لا يحتاجون إلى المرور عبر القنوات الرسمية لمخاطبته في الرسائل، ومنهم من كانوا أعضاء في مجلس العلماء الذين يستشيرهم في أمور الدولة. وفي بعض الحالات، صار بعض العدول سفراء كما وقع في البعثات المغربية إلى أوروبا، والتي كان على رأسها رجال المخزن من كُتاب في الدواوين وباشاوات وقضاة وعدول.

ومع الملك الراحل محمد الخامس كان العدول في قلب الوزارات، حتى أن بعض العدول، الذين درسوا في القرويين، كانوا مقربين من الملك الراحل ويرفعون إليه اقتراحاتهم لإصلاح بعض الظهائر القديمة التي تنظم مهنة العدول في ظل وجود الإدارة الفرنسية في المغرب وقتها.

أما مهنة التوثيق فتُظهر الطابع العصري للإدارة المغربية، وهناك أطر من مهنة التوثيق ساهموا في تنظيم المعاملات الإدارية وجعلها ترقى إلى مستوى «عصر الإدارة». والجيل الأول من الموثقين المغاربة تدربوا مع موثقين فرنسيين حازوا شهرة واسعة في قلب فرنسا.

كبار الأثرياء المغاربة، الذين فتحوا أولى الشركات المغربية في الخارج ومارسوا الاستيراد والتصدير، تعاملوا مع الموثقين الأجانب قبل أن يوجد موثقون مغاربة. ومن هؤلاء نجد محمد التازي الرباطي الذي كان يمتلك مكاتب لشركاته في قلب روما الإيطالية، قبل سنة 1900، واستعان بموثقين إيطاليين لإجراء معاملاته الإدارية والتجارية في إيطاليا. وبعده لجأ الباشا الكلاوي إلى خدمات موثق فرنسي مشهور، في قلب باريس، لتوثيق معاملاته التجارية هو الآخر عندما كان يقتني الفنادق ويُنجز معاملاته التجارية مع أثرياء فرنسا.

معركة العدول مع الموثقين المغاربة لم تكن وليدة اليوم، فقد سبقتها مناوشات خلال السنوات الأخيرة. صراع حول الاختصاصات، وكل طرف طالب بسحب بعض الصلاحيات من الآخر.

المجلس الوطني للموثقين عمم الأسبوع الماضي رسالة رفعها إلى وزير العدل، يتهم فيها العدول بانتحال صفة موثق. بينما كان الموثقون منذ السنة الماضية يُطالبون بتمكينهم من حقهم في تسهيل وتبسيط بعض المعاملات والمساطر دون اللجوء إلى الإجراء التقليدي الذي ينص على الرجوع إلى القاضي عند إنجاز أي وثيقة، تماما مثل ما يستفيد الموثقون من هذا الحق.

الموثقون رفضوا أن يستعمل العدول عبارة: «ديوان التوثيق العدلي» في بياناتهم.

المساس الحقيقي بمهنة التوثيق هو ممارسات بعض المحسوبين على مهنة التوثيق الذين تناسلت أخبار هروبهم إلى الخارج بودائع الناس وأموالهم.

العدول خاضوا الأسبوع الماضي إضرابا وطنيا، احتجاجا على تصريحات وزير العدل الأخيرة بشأن التوثيق العدلي.

فك هذه الخيوط المتشابكة لمهنتين، سبقت إحداهما الأخرى ويفترض أنهما تكملان بعضهما، يتطلب أكثر من توزيع التصريحات على الصحافة لتهدئة النفوس.

«التوثيق العدلي» عبارة يمكن أن يجدها أي موثق في أوراق العدول القدامى. فهؤلاء العدول، الذين جمعوا بين صفة العالِمية وتوثيق عقود زواج المغاربة قبل قرون، ولازالوا يزوجون الناس إلى اليوم، كانوا موثقين قبل تحديث الإدارة ومارسوا كل مهام التوثيق.

جاء الوقت الذي يتعين فيه على عقلاء الوزارة أن يجلسوا مع العدول، بدل أن يتم اختزالهم في تلك الصورة النمطية التي انتشرت مع الأفلام المصرية، والتي يأتي فيها «المأذون» لكي يزوج أو يُطلق وينصرف بعد وجبة العشاء، وأن يُعيدوا الاعتبار إلى مهنة التوثيق التي تضررت كثيرا بسبب قضايا خيانة الأمانة. وهذا هو النقاش الحقيقي الذي يجب أن يُفتح، ولا ضير في أن يرتدي العدل ربطة العنق ويلبس الموثق الجلباب والطربوش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى