الرئيسيةملف التاريخ

الحجاج المغاربة المنسيون

أجواء وكواليس رحلات حج تعود لثمانية قرون

«الحمد لله خرجنا بحول الله وقوته قاصدين الحج إن شاء الله من مدينة محروسة فاس مع شيخ الحجيج السيد الحاج علي بن محمد الذيب يوم الأربعاء تاسع رجب عام ستة ومائة وألف، وخرج معنا وقتئذ ركب كبير لا حد له، ونزلنا عشية اليوم المذكور قرب عين السمار لأن الخروج لم يكن على طريق تازة لكثرة المطر والطين والزلق». هذه أجواء رحلة قديمة سوف نأتي إلى تفاصيلها في هذا الملف. وعلى منوالها وإيقاعها توالت رحلات أخرى، مع اختلاف في التفاصيل وتشابه كبير في «طقوس» رحلة الحج التي بدأها المغاربة مع ظهور الإسلام في المغرب، قطعوا خلالها شمال إفريقيا مشيا على الأقدام وصولا إلى بلاد الحجاز. وكانت تغلب على جلهم نوازع الانتصار لكل ما هو مغربي، والتقليل من أهمية المشرق، رغم تعلقهم بالحج وحب الأراضي المقدسة، حيث كانت الرحلة وقتها مغامرة حقيقية لا يعود منها الجميع سالمين..

 

يونس جنوحي

+++++++++++++

 

رحلة من منطقة «حاحا» إلى مكة قبل 732 سنة

رغم أنهم كانوا يكتبون بلغة عتيقة تغلب فيها «القافية» والكلام المنظوم، إلا أن سرد هؤلاء الكتاب المغاربة الأوائل لرحلة الحج، لم يكن يخلو من تشويق. بعض المتخصصين المغاربة الذين درسوا هذه المخطوطات في الجامعة المغربية، خصوصا في الفترة ما بين 1970 و1980، وأبرزهم محمد الفاسي وعبد الهادي التازي، لاحظوا أن أصحابها كانوا يتحدثون في كتاباتهم عن رحلة الحج، عن كل المواضيع بما فيها أحوال الطقس وصولا إلى الظروف السياسية لرحلاتهم. وبعض هؤلاء الرحالة كانوا ينتقدون بشكل «لاذع» أحوال بعض المناطق التي مروا منها، كما هو الشأن، مثلا، في رحلة بن مسعود العبدري، الذي ينحدر من منطقة حاحا، والذي سافر في رحلة الحج لسنة 688 هجرية، التي توافق سنة 1290 ميلادية، أي أنها وقعت قبل 732 سنة. ويرجع الفضل في اكتشاف مخطوط الرحلة ودراسته إلى الدكتور محمد الفاسي، حيث علّق على المخطوط قائلا: «أما في رحلته فلا يسعنا ضيق الوقت لتحليلها، وإنما نذكر الطريق التي اتبعها في ذهابه وإيابه، وذلك أنه خرج من بلاده حاحا في آخر سنة 688 على طريق البر من وراء الأطلس قاطعا المفازة التي بين جنوب المغرب ومدينة تلمسان، ومنها قصد تونس داخلا لجل المدن التي على طريقه، وهو يصف كل المحلات التي يمر بها، ويذكر أحوال أهلها، وأكثر اهتمامه بالعلم
والحركة العلمية. وقد قال في مقدمته بعد أن ذكر أنه سيستعمل الصراحة والإنصاف في الرحلة، وإنه لا يعمد إلى تقبيح حسن، ولا تحسين قبيح: «وقد تعطل في هذا العصر موسم الفاصل، وتبدد في كل قطر نظام الفضائل، وتفرق أهلها أيادي سبا، وصاروا حديثا في الناس مستغربا» إلى أن يقول أو ليس من الأمر الخارج عن كسل قياس، إن المسافر عندما يخرج من أقطار مدينة فاس، ليزال إلى الإسكندرية في خوض ظلماء، وخبط عشواء».

المثير حسب ما أورده د. محمد الفاسي، أن هذا العالم المغربي كان معتزا جدا بمغربيته، ورغم أنه اشتهر في الأندلس وفي الشرق، إلا أنه ظل متمسكا بأصوله في حاحا التي دفن بها ولا يزال قبره موجودا بها إلى اليوم. وصف هذا العالم المغربي طريق رحلته عبر مصر، حيث سجل محمد الفاسي أنه لم يركب البحر مثل أغلب الرحلات، وإنما توجه برا من حاحا لكي يصل إلى مكة لأداء فريضة الحج. حيث تحدث عن أهالي تلمسان وتونس وليبيا وصولا إلى مصر ومنها اتجه برا، ولم يركب البحر أبدا.

وقد علق المستشرق الإسباني «بويكس» على رحلة العبدري، قائلا إنها يسودها الإخلاص والتدقيق في الوصف. ووصف أسلوبه بأنه «حي جميل وهذا هو السر في إقبال الناس عليها، وفي النجاح الذي صادفته في الأوساط الأدبية». ولعل أقوى ما جاء في نص هذه الرحلة، ما يلي: «ولم أر بالمدينة مع شدة البحث وإلحاح الطلب وتكرر السؤال من هو بالعلم موصوف ولا من هو بفن من فنونه معروف».

وكانت هذه الجملة صادمة، إذ إنه أثنى على العلماء في تونس وتلمسان ومصر وليبيا، ولم يتحدث عن أي عالم في المدينة المنورة. وعند رحلة عودته وثق لمشاهدات من أرض فلسطين التي عبر منها إلى مصر. وفي طريق عودته إلى المغرب لم يمر من مساره السابق أثناء رحلة الذهاب من الصحراء، بل قرر العودة عبر تازة ومكناس وفاس.

 

الحاج «أفوغاي» وأجواء حج سنة 1598

كانت الرحلات المغربية إلى الحج قد تأثرت بالظروف السياسية للمغرب، إذ كان الوطاسيون في صراع على السلطة مع المرينيين، لكن دخول الدولة السعدية على الخط أعاد الاستقرار إلى الأوضاع في المغرب، فتم استئناف رحلات الحج وتدوينها على يد العلماء المغاربة.

من أبرز المغاربة الذين اشتهروا في تلك الفترة بتدوين رحلة حجهم، المغربي أبو العباس الحجري كان أول مغربي يكتب عن رحلة الحج أيام الدولة السعدية، وكان مشهورا باسم «أفوغاي»، وكان قد قضى طفولته في الأندلس قبل أن ينزح إلى المغرب.

وقد قال عنه محمد الفاسي في تحقيقه لرحلته: «وكان في صباه على ما يظهر يقطن بالأندلس مع تلك البقية الباقية من المسلمين الذين تأخروا بها أيام التفتيش وأكرهوا على المسيحية فأظهرها هو أيضا إلى أن أمكنته الفرصة وقصد البريجة وهي مدينة الجديدة الحالية وكانت يومئذ في يد البرتغاليين ثم هرب منها إلى داخل المغرب واتصل بالمنصور السعدي وحوالي سنة 1007 قصد البلاد الحجازية لأداء فريضة الحج ووضع رحلة سماها «الشهاب إلى لقاء الأحباب» نقل عنها أبو عبد الله العياشي أحد كتاب المولى إسماعيل في كتابه «البستان في أخوال مولاي زيدان» فقرة تتعلق بهروب أفوغاي من البريجة إلى أزمور وذهابه إلى مراكش عند المنصور الذهبي، كما نقل هذا أيضا الإفراني في «نزهة الحادي»، ولا تعرف اليوم نسخة لهذه الرحلة، وأفوغاي هذا شخصية عجيبة يؤسف أكبر الأسف لضياع آثاره وذلك أنني وقفت عند الأستاذ العلامة جورج كولان على كواريس من كتاب لأفوغاي هذا في الرد على النصارى واليهود ولكنه جعله كالرحلة حيث يذكر المدن الأوروبية التي دخلها وناقش أخبارها ويحيل للتفصيل عن أوصاف البلاد على كتاب رحلته الخاصة بأسفاره بأوروبا كما قال أنه وضع رحلة عن سفره إلى الشرق سماها الشهاب إلى لقاء الأحباب».

المثير أن رحلة الحج كما دونت في المخطوط تطرقت إلى معلومات عن الطريق التي سلكها المشاركون في الرحلة. ولم يفت بعض الرحالة المغاربة الذين اشتهروا بعد رحلة ابن بطوطة، التي وصلت بدورها إلى العالمية، أن يشيروا إلى المهام الرسمية التي تكلفوا بها، إذ كان السلاطين المغاربة، خصوصا مع مجيء الدولة العلوية، يواظبون على عادة إرسال هدايا إلى وفود الحجاج من بقاع الأرض، ويوزعها وزراء مغاربة باسم السلاطين العلويين على الحجاج وعلى العائلات التي كانت ترعى مواسم الحج قبل أربعة قرون تقريبا. وكان السلطان المولى إسماعيل أبرز السلاطين المغاربة الذين لفتوا الأنظار إليهم في مواسم الحج، لأهمية الهدايا التي كانوا يقدمونها للحجاج. وبعد ذلك حاول بعض الأثرياء المغاربة، من أعيان ووزراء، تقليد سلاطين الدولة العلوية. إذ إن الوزير المغربي المهدي المنبهي كان قد لفت الأنظار إليه في موسم الحج خلال نهاية القرن 19، عندما وزع ساعات أوروبية ذهبية على بعض الحجاج في طريقه من طنجة لأداء فريضة الحج، وهو ما جعل أعيان القبائل يتحدثون عنه وعن ثروته التي راكمها عندما كان وزيرا أيام المولى عبد العزيز، بعد وفاة المولى الحسن الأول سنة 1894. إذ إن الوزير المهدي المنبهي أثار إعجاب شخصيات من مصر ومن العراق عندما نصب الخيام لمرافقيه وأعد الولائم طيلة أيام الحج، حتى أن مرافقيه كانوا يتحدثون عن اصطحابه قافلة من الأغنام كان يذبح منها للضيوف طيلة الرحلة، بالإضافة إلى الهدايا من أغلى الأثواب والساعات والحلي كان يوزعها على كبار الأعيان الذين استضافوه، أو تصادفوا معه في الطريق إلى الحج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى