شوف تشوف

الخارجون عن القانون

لو كنت وزيرًا للمالية لأعطيت لمحمد صالح التامك 400 مليار التي يحتاجها لبناء 25 سجنًا جديدًا لمواجهة الارتفاع المقلق لأعداد السجناء. فما حذرنا منه قبل سنوات انتهى بالوقوع. ولطالما قلنا لمهندسي السياسات العمومية إنهم إذا قرروا إغلاق مدرسة عمومية فما عليهم سوى أن يشيدوا سجنًا مكانها، وإذا كانت كلفة التعليم ثقيلة بالنسبة إليهم فما عليهم سوى أن يجربوا كلفة الجهل، وها هي كلفة الجهل بدأت تظهر للعيان، فالدولة خصصت مئات المليارات لدعم صناعة الكمامات لكي يستعملها المواطنون لحماية بعضهم البعض من عدوى الفيروس القاتل، لكن الجهالة المتفشية ضربت هذه الجهود في الصفر بسبب عدم اقتناع كثير من المغاربة بضرورة وضع الكمامة.
وبسبب انتشار البطالة والإدمان ومخلفات أشهر من تداعيات كورونا ها نحن أصبحنا نمسي ونصبح على أخبار مهاجمة شباب ملثمين مسلحين بالسيوف لسيارات المواطنين كما حدث في حي مولاي رشيد وحي أناسي بالدار البيضاء، وفي بعض المناطق كتامسنا نواحي الرباط، التي لا يتعدى بها عدد رجال الدرك ستة عناصر، أصبحنا نسمع عن مهاجمة عصابات مسلحة بالسيوف لبيوت المواطنين وممتلكاتهم. أما في تمارة فقد وصل بهم الأمر حد اختطاف فتاتين من الشارع العام.
وإذا كانت مصالح الأمن قد تفاعلت بسرعة وفعالية مع شكايات المواطنين وتصدت لهؤلاء الخارجين عن القانون واعتقلتهم فإن المجهود الأمني يظل بمفرده غير كاف طالما لم تسايره سياسة جنائية متفاعلة مع تطور الجريمة وتطوير للمؤسسات السجنية وإعادة النظر في وضعية حراس وموظفي السجون بما يتناسب وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم.
فرمي المؤسسات الأخرى لكل شيء في مرمى قوات الأمن وتقديم استقالتها من تحمل المسؤولية في مواجهة هذا المد الإجرامي فيه إنهاك للمؤسسة الأمنية.
ومن بين الأرقام التي قدمها التامك والتي يجب التوقف عندها هي أن 80 بالمائة من السجناء مستواهم التعليمي دون الإعدادي و70 بالمائة عاطلون عن العمل، مما يعني أن “الجالية المغربية المقيمة بالسجون” هي ضحية إفلاس التعليم العمومي والبطالة، وهذان القطاعان معا تحت مسؤولية الحكومة.
إنك عندما تفتح مدرسة فإنك تغلق سجنا، وعندما تخلق فرص العمل لأبناء الشعب تجنبهم الذهاب إلى السجون. واليوم في المغرب يذهب إلى السجون أكثر الجانحين الذين هم في سن 16 و17 سنة. ولعل السبب الرئيسي في ارتكاب هؤلاء الجانحين لكل هذه الجرائم التي تؤدي بهم إلى الاعتقال المبكر هو الإدمان.
عندما نقول الإدمان فإننا نقصد تحديدا الإدمان على المخدرات، الحشيش، القرقوبي، الإكستازي، الكالة، المعجون، وما إلى ذلك من أصناف الدوخة التي أصبح أبناء وبنات المغاربة واقعين تحت تأثيرها المدمر.
بمعنى أن كل أولئك الشباب والمراهقين والمراهقات الذين يتباهون بصورهم فوق صهوات دراجات “تي ماكس” وهم يعرضون “غنائمهم” وأسلحتهم البيضاء الحادة أغلبهم خريجو سجون وإصلاحيات المملكة.
ولعل السبب في ظهور موضة للأزياء الخاصة بمن يسمون أنفسهم “الحباسة”، هو أن المندوبية العامة للسجون لا تفرض على السجناء، كما هو الحال في سجون كل بلدان العالم، زيا موحدا تمنحه لهم الإدارة.
وهكذا ظهرت “الموضة” الخاصة بالسجناء، وأصبح لهم زيهم المعروف، أي “سبرديلة نايك” و”كيطمة أضيضاس” وساعة صفراء كبيرة وقصة شعر تشبه رأس الديك الرومي بسبب العرف الذي يربونه طيلة تواجدهم في المؤسسة السجنية.
ولعل مؤسسة الإصلاحية وحدها تحتاج إلى برنامج إصلاحي خاص. لأنها ببساطة الأكاديمية التي يتخرج منها مجرمو المستقبل، وكثير من القاصرين الجانحين الذين يرتكبون جرائم وجنح يدخلون الإصلاحية، فيجدون أنفسهم وسط فضاء يمنحهم فرصة تعلم كل الأشياء السيئة.
إن الجريمة إذا لم يتم القضاء عليها في مهدها، فإنها تكبر وتنتشر. وهذا ما تعاني منه مدن المغرب قاطبة، خصوصا مع مراهقين يحملون سيوفا أكبر منهم ولا يتورعون عن طعن ضحاياهم في أماكن مميتة من أجل هاتف أو حقيبة يد.
الذين يخططون للسياسة الجنائية بالمغرب، والذين يعدون دراسات عن بعد حول وضعيات السجون لكي يعززوا بأرقامها المهولة تقاريرهم السنوية، يجهلون أن هناك في المغرب اليوم ما تمكن تسميته “ثقافة الإجرام” الناتجة عن الإدمان والفقر والبطالة والانقطاع المبكر عن الدراسة، واليوم مع هذا الفيروس اللعين فالوضعية تزداد سوءا يوما بعد يوم.
وهذه الثقافة تعرف إقبالا منقطع النظير من طرف مراهقي اليوم الذين يتحولون بسرعة رهيبة إلى جانحين يقومون بسلوكيات عدوانية تتحول بسرعة إلى سلوكيات إجرامية تهدد أمن المواطنين وسلامتهم الذاتية في الأماكن العامة لسبب واحد ووحيد هو سلبهم المال لتوفير جرعتهم من المخدرات.
لذلك فالحل هو القضاء على أصل الداء، أي إصلاح السجون وتوفير الميزانيات الضرورية لتشييد السجون المبرمجة قبل سنوات والتي يعرف إنجازها تأخيرا.
يجب تصنيف السجناء بحسب خطورتهم وسنهم ونسبة العود لديهم. هناك سجون عقابية يجب بناؤها في مناطق نائية يتم إرسال المجرمين الذين يحترفون الإجرام إليها.
ثم إن السجناء يجب أن يشتغلوا داخل السجون، وأن يتقاضوا تعويضات عن عملهم عند نهاية محكوميتهم.
يجب أيضا تأهيل الحراس جسديًا ومنحهم أدوات الدفاع عن النفس وفرض القانون داخل السجن. كما تجب إعادة النظر في رواتبهم التي لا تتناسب مع المخاطر التي يتعايشون معها يوميا، وما حدث للحارس الذي ذبحه الإرهابي في سجن تيفلت مثال حي على الخطر الدائم الذي يتهدد حياة الحراس داخل السجون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى