الرأي

الرقم القياسي في السجون العربية (2- 2) 

بقلم: خالص جلبي 

نحن في العالم العربي نحب ضرب الأرقام القياسية في العديد من أمورنا، سواء في عدد سنوات سجن المعارضين، أو نسخ الدستور بما يناسب عمر سلطان المسلمين وشمس الواعظين، أو الجلوس في سدة الحكم مثل البابا بدون فاتيكان. أو إحياء عقيدة (التثليث) في مجتمع يدعي (الوحدانية). ففي مطار كل عاصمة عربية تقريبا، تطالعك ثلاث صور للأب والابن والروح القدس بأحجام هائلة، يدفع ثمنها من جيب مواطن مفلس. والقرآن يخبرنا أن فرعون واجه موسى بالتهديد (بالسجن) فقال: «لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين». وهي وسيلة من ثلاث يضاف إليها القتل والنفي «وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك». وحين يفر من يفر من الوطن = السجن، فهو يلاقي المنفى بإرادته له وذراريه من بعده. السجن له (فلسفة) و(وظيفة) و(يمكن كسره) بتفجيره من الداخل؛ فلا يمكن اعتقال ربع الأمة أو عشرها من أجل الرأي، ولكن بيننا وبين هذا الفهم مسافة سنة ضوئية، ونرى حل المشاكل بقتل الحاكم، والحاكم يرى نقعنا في السجن مثل المخلل ولحم القديد (باسطرمة).
وأما (فلسفته) فهي نشر الرعب، والسجن ليس المقصود منه الأفراد المعتقلون، بل ترويع من (حولهم)، فتسري بالأخبار ركبان. أما الفرد فمطوق بقضبان من حديد، وأما الأمة فلجامها قضبان من الخوف والرعب وعيون المخابرات التي تحصي دبيب كل نملة وطنين كل نحلة، ولا تأخذها سنة ولا نوم.
وأفظع ما في الأنظمة الشمولية (مثقفو السلطة) وواعظ السلطان في عمائم بيضاء وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، أو في بدلات إيطالية أنيقة، تتدلى من أعناقهم ربطات عنق أمريكية زاهية الألوان، المتأهبين لطلي مساحيق التجميل لوحش برزت أسنانه وطالت مخالبه وجحظت مقلتاه، كأنه رؤوس الشياطين. وعندما يعتقل مواطن مثل (عبد الرحمن الشاغوري)، الذي تجرأ فدخل على الإنترنت فقرأ مقالتين ونصف للمعارضة؛ فوزعها على اثنين ونصف من أقربائه فحكم بالحبس سنتين ونصف، قضى قسم منها في ظلمات السجن الانفرادي، حيث الرطوبة والظلام والبرد والوحشة، في إيعاز لكل إنسان في المنطقة أنه سيصيبك ما أصابه، فيجب أن لا يدخل مواطن عصر المعلومات إلا من ثقب أمني على القياس، يتسع لدماغ نملة أو جناح قملة أو عين برغوث. ومن عاش في ظل النظام العربي، فيجب أن يفتح كتب النبات فيحفظ (وظائف النبات) عن ظهر قلب؛ فهذا أسلم للعاقبة. فالنبات يتنفس ويتكاثر، ولكنه لا يتحرك أو يفكر، وعلى المواطن أن يعيش مثل النبات بدون فكر وحركة؛ فهذه متروكة لفرعون وكهنته، ويمكن للمواطن العربي أن يخلف بشرا يعبدون الجبت والطاغوت؛ فيغتال الطاغوت الحرية بالقوة ويتعاون مع الجبت الديني والحزبي الذي يغتال العقل بالوهم. الأول ينفذه الطاغية مع رجال المخابرات والحرس الجمهوري، والثاني رجل الدين وواعظ السلطان. وكل من الجبت والطاغوت متفاهمان متعاونان.
وفي التاريخ كان فرعون وسيد الكهنة يخرجان على جمهور مخدر، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، أن فرعون من نسل الإله فيخر الشعب له ساجدين. وفي عصر السلطان عبد الحميد كان من حرك العوام ضد جمال الدين الأفغاني (أبو الهدى الصيادي)، مفتي الديار العثمانية. وفي عهد نابليون الثالث فتح سجن في أقصى المعمورة في غويانا الفرنسية، أخذ اسم (جزيرة الشيطانDevil island). ولم يعرف أحد خبر جزيرة الشيطان حتى استطاع (فرنسوا بالبوا) الهرب، فقص خبر مسلسل الرعب. وبقي «سجن الشيطان» يعمل بكامل الطاقة حتى عام 1950 م، بعد أن مات نابليون الثالث بدهر طويل، فهذه هي مهزلة التاريخ أن من يفتح ملفات الشيطان لا تغلق بعد موته. وإذا دخلت الديكتاتورية بلدا فمات الديكتاتور، فابنه جاهز وحفيده من بعده أجهز، كما نرى في ماي 2021 م في أصنام البراميلي في شوارع دمشق الكئيبة.
وعن سجن تزمامارت في المغرب كتب (محمد الرايس) كتابه «تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم»، حيث مات نصف المساجين في قبور، حقيقة ألف موتة، قبل الموت لدغا بالعقارب واختناقا بالبراز وطيفا من الجنون. وهو ما حدث في سجن تدمر الصحراوي، حيث دفنت في الرمال أكثر من 15 ألف جثة، طحنت عظامهم لاحقا إخفاء لأثر الجريمة، بعد أن كشفت مقابر صدام الجماعية. ولولا جمعيات حقوق الإنسان ما خرج الشيحا ولبقي كما هو مع رغيد الططري، حتى تتعفن عظامه في السجن، ومن أخرجه كانت ضغوطات المنظمات الإنسانية العالمية، فيجب أن نضيفها إلى دعائنا في صلاة الفجر.
ومع كل هذه الظلال السوداء من وادي الموت، فإن قدر الأنظمة الشمولية إلى بوار؛ لأنها شجرة خبيثة تعمل ضد قوانين الحياة وليس أمامها إلا أن تموت. وتجتث من جذورها فتسقط تحت ثقلها الذاتي، بعد أن تصبح شجرة كبيرة، ويخيل لأصحابها أنهم قادرون عليها، ويكون لسقوطها دوي عظيم. ولولا ذلك لكان الأفضل للإنسان أن يعلق حبلا فينتحر أمام عبثية الوجود، كما فعل خليل حاوي مع دخول شارون بيروت، أو الروائي النمساوي ستيفان تزفايغ حين فر هو وزوجته وانتحرا عقب كتابة رسالة وداع، بعد أن حاقت النازية في أوروبا وامتدت. وفي يوم كان محمد إقبال يقول: يا رب إن هذا الكون الذي خلقته لم يعجبني، فكان الجواب: اهدمه وابن أفضل منه.
إن قصة عماد الشيحا والططري وأمثالهما تحكي رحلة معاناة البشرية، فهما وأمثالهما جسر لمرور الحرية فوق نهر من الدموع. وقصة تبييض السجون لا قيمة لها، ما لم تعالج المشكلة جذريا بقطع روافد هذا النهر العظيم بوصفة من أربع كلمات: إلغاء قانون الطوارئ، فلا يعتقل المواطن على الشبهة بتقرير سري، والعودة إلى حالة القانون. ودفن جثة الحزب الواحد بعد أن فاحت رائحة الجيفة. وإطلاق حرية الصحافة وتعدد منابرها، بعد أن أصبحت وظيفة الجرائد المحلية تغليف سندويش الفلافل. وإطلاق مساجين الرأي جميعا من أي اتجاه وملة ونحلة. ولكن هذه الكلمات تعني نهاية النظام الشمولي، فهو مثل البالونة متى ثقبت بدبوس، خرج الهواء ولم يبق بالونة ونظام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى