الرأي

الشعور بالإهانة عقب تصريحات ماكرون

بقلم: كمال داوود

لقد شعرت شخصيا بالإهانة، عقب التصريحات التي أدلى بها ماكرون بشأن الجزائر، عن الذاكرة والمستقبل. هل بسبب ما قاله؟ قطعا لا. بل ما يشعر بالإهانة هو التضخيم الفارغ وغير المجدي لرد فعل أبناء وطني. قدر كبير من الهيجان والغضب والمبالغة، يسبب الإحراج لما يكشفه من ثغرات في مشروع وطني، جزائري، مشترك للبلاد. إذا كنا في عجلة من أمرنا، من أجل إعلان الحرب على فرنسا، فإننا قد خسرنا حربا آنية أمام بؤسنا وفقرنا.
إن رؤية هذا الكم من العقول، رغم تبصرها، من المحاربين القدامى، والإقطاعيين، والنشطاء، يخلقون جعجعة بلا طحن بهذه الشراسة، ويزايدون على «الإدانة»، تثير التساؤلات، لكنها تمثل بالأحرى، خيبة أمل عميقة، بل وتحط من قدرنا.
ماذا قدمنا -نحن- لهذا البلد، حتى نبحث اليوم عما يُعرفه؟ متى سوف نحصل على استقلال عاطفي يخول لنا تأسيس سيادة الثقة في النفس، والهوية غير المضطربة والمعروفة بين أبنائنا وفي الخارج؟ لماذا سوف نعيد خوض «حرب الجزائر»، عوض إعادة إعمار الجزائر؟ هل يهم حقا أن نبحث عن وجود الجزائر قبل الاستعمار الفرنسي، أو التساؤل، بقلق وشجاعة، عما إذا كانت سوف تصمد الجزائر لعشر سنوات أخرى؟ لماذا فرنسا هي التي توحدنا في رد الفعل والجزائر هي التي تقسمنا في الفعل؟
أسئلة كثيرة كان يجب أن تفرضها علينا الشجاعة، بيد أن الجبن في مواجهة الحاضر جعلنا نلوذ بالفرار. لو كنا واثقين من أنفسنا ولو لم تكن قناعاتنا عبارة عن حماسة غاضبة، فإن ما قاله ماكرون لن يحظى بهذا القدر من الأهمية؟ وهذا ما يهين بالضبط: أن ترى الإسلامي يستخدم نفس المواقف التي يتبناها العلماني، والديموقراطي، والمعارض ورجل «النظام» للاعتقاد بوجود اتحاد مقدس، نحو نسخة جديدة مملة لحرب التحرير الخيالية.
هذا ما آل إليه المآل، أن نرتهن بالآخر من أجل إيجاد معنى لوجودنا. هذا ما يؤلم ويخفض الأبصار نحو أرض مأهولة بالسوء. متى سوف نقبل بضرورة التوقف عن الاستئثار برواية هذه الحرب التي قتلت وفرقت؟ متى سوف نتقبل أن البلد الآخر، فرنسا، تملك الحق في قول الرواية التي تخدم احتياجاتها، ومصداقيتها، وشجاعتها وارتدادها؟ لقد وجه ماكرون حديثه للفرنسيين حسب احتياجات فرنسا في الوقت الراهن، ما دخلنا، نحن، في ما اعتقده أو سوف يعتقده في المستقبل؟

إذا كنا نتمتع بهذا القدر من الاستقلال والحرية، فلماذا ينساق أذكى الأذكياء منا بسهولة تامة، غالبا، وراء هذه الحرب المجمدة؟ متى سوف نعير اهتمامنا بالحاضر، دون إنكار للماضي، دون تمكينه من التحكم في حاضرنا؟ متى سوف ننجب أطفالا لا يولدون عجزة، معطوبين بجروح الحرب، لكن متفاخرين مثل الناجين وطاعنين في السن مثل المحاربين القدامى، حيث وحده الزورق والبحر، يعيد شبابهم؟
متى سوف نسلك سبل الجسارة والاغتناء مثل التايوان عقب الاستعمار الياباني، والفيتنام بعد حربين مهولتين، وكوريا الجنوبية، إلخ.
هذه الاستعراضات الروتينية لجرحى مزيفين، وأرشيفات لأرقام مزورة، وناجين وهميين من حرب انتهت منذ زمن بعيد، هؤلاء الحاصلين على الأوسمة، وهؤلاء القادة في الصور، كل هذا، يا إلهي، كم هو مؤلم، وكم هو مخز!
هذا الكره تجاه فرنسا تحصيل حاصل. ولكنه لا ينبثق فقط من مجازر الماضي، بل يعزى أيضا إلى الفراغ، إلى الحاضر، ويشاطر هذا الكره من يقتاتون على رواية التضحية، والدعاة إلى تصعيدات جديدة، وأيضا الإسلاميين والرافضين للتبعية للمستعمر العاطلين عن العمل. هذا الكره يوحدنا ويوقعنا في الفخ، يحرمنا النوم والنهوض، والعمل وبناء حلم جديد غير الحلم بتدمير فرنسا، أو الذهاب للعيش فيها. هذا أمر واقع، فرنسا هي المرآة التي لا نحب النظر إليها.
يكفي أن يهتف وزير غير كفؤ بعبارة «فرنسا عدونا الأبدي»، حتى يتغاضى الناس عن فشله، ويصفقوا له، وتحييه الحشود مثل محرر. لقد كانت كلمة نطق بها الرئيس الفرنسي كافية حتى نحصل أخيرا على بلد مختصر وموحد، مقدس وشائك، وما إن انتهت جملته، حتى وجدنا أنفسنا دون هدف ودون عدو يوحدنا إلى ما لا نهاية وإلى التقدم.
سوف نبحث عنه مرة أخرى في مكان آخر: في الشرق، في الغرب، في الجنوب، في البحار، بجنون، على متن غواصة، إلخ.
أين أنت أيها الأمير العظيم عبد القادر، حتى تعلمنا من جديد كيف ننتصر بشهامة، وننهزم بأناقة، أن نؤمن ونحافظ في نفس الوقت على سر الكون، أن نقاتل بعيدا عن الضلال؟ أين أنت حتى تذكرنا أن أرض الوطن هو ما نحمله بين أيدينا وليس ما تطأ أقدامنا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى