حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

العزوف عن الزواج

لم يعد الزواج في المغرب خيارا بديهيا كما كان في السابق، بل تحول لدى فئات واسعة من الشباب إلى قرار مؤجل أو مرفوض أحيانا بمبررات وإكراهات متعددة، حيث كشف تقرير حديث صادر عن المندوبية السامية للتخطيط أن حوالي 52 في المائة من العازبين المغاربة لا يرغبون في الزواج، مع تسجيل نسبة أعلى لدى الرجال (59.8 في المائة) مقارنة بالنساء (40.1 في المائة)، وهي أرقام تستدعي قراءة متأنية تتجاوز التحليل التقني، لفهم خلفيات هذا التحول وتداعياته على المجتمع والاقتصاد.

مقالات ذات صلة

إن العزوف عن الزواج بالمملكة ليس ظاهرة طارئة، بل نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية معقدة، في مقدمتها أسباب تتعلق بالوضعية المادية الصعبة التي يعيشها عدد كبير من الشباب، خاصة الرجال، الذين يُنظر إليهم كمسؤولين أولين عن إعالة الأسرة، لذلك نجد أن ارتفاع معدلات البطالة، وتفشي مناصب العمل الهشة، وغلاء المعيشة، وصعوبة الولوج إلى السكن وخدمات الصحة والتعليم، كلها عوامل تجعل من الإقدام على الزواج مغامرة محفوفة بالمخاطر.

وإلى جانب المشاكل الاقتصادية، يجب عدم إغفال التحولات الاجتماعية وتضخم تكاليف الزواج نفسه، من مبالغة في المهور وتكاليف الحفلات والتجهيزات، عوض التيسير وفهم المغزى من العلاقة الزوجية المبنية على أساس التعاون والتكامل، والمساهمة في تربية جيل يحمل مشعل الاستمرارية وبناء المغرب الحديث.

لقد تغيرت نظرة بعض الشباب إلى الزواج، متأثرين في ذلك بأنماط عيش جديدة وقيم فردانية متزايدة، حيث أصبح تحقيق الاستقلال الشخصي والمهني أولوية لدى الكثيرين، كما أن بعض مظاهر تقليد المجتمعات الغربية، خاصة في ما يتعلق بتأجيل الزواج، أو الاستغناء عنه، ساهمت في ترسيخ هذا التوجه لدى فئة من الشباب.

وفي السياق نفسه تشير تقارير رسمية إلى هشاشة الروابط الزوجية، خاصة في سنواتها الأولى، حيث يبلغ خطر الطلاق ذروته خلال أول عامين من الزواج، ما يعزز مخاوف الشباب من فشل التجربة الزوجية، ويدفع البعض إلى التردد أو العزوف عن دخول القفص الذهبي، تفاديا لتبعات الانفصال النفسية والمادية.

وطبعا فإن للعزوف عن الزواج تبعات اجتماعية عميقة، أبرزها تراجع معدلات الخصوبة وشيخوخة المجتمع على المدى البعيد، وانقلاب الهرم السكاني، إضافة إلى ضعف الروابط الأسرية التي تشكل أساس التماسك الاجتماعي، كما قد يؤدي الأمر إلى انتشار أنماط بديلة للعلاقات خارج إطار الزواج والتشجيع عليها، بما يحمله ذلك من تحديات قيمية وأخلاقية.

وفي المجال الاقتصادي ينعكس العزوف عن الزواج على عدة قطاعات مرتبطة بالزواج، مثل العقار، والتجارة، وتنظيم الحفلات، وكل القطاعات الإنتاجية والحرفية، ما يؤثر على دينامية السوق الداخلية، كما أن تأخر تكوين الأسر يقلل من الاستهلاك بشكل عام، ويؤثر سلبا على الدورة الاقتصادية.

وينبغي أن لا نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه الوضعية التي كشفت عنها التقارير الرسمية، عبر تبني مقاربة متوازنة تقوم على تجنب التطرف في الاتجاهين، فلا الدعوة إلى العزوف عن الزواج تحت غطاء الحرية والانفتاح تمثل حلا، ولا التشجيع على الزواج المبكر في غياب شروط النضج والمسؤولية يعد خيارا سليما، بل المطلوب هو ترسيخ ثقافة الاعتدال، وتيسير شروط الزواج عبر سياسات عمومية داعمة، تشمل توفير فرص الشغل والسكن اللائق، وتسهيل الولوج إلى خدمات التعليم والصحة، وتشجيع نماذج زواج بسيطة بعيدة عن المظاهر المكلفة والمعقدة، ولم لا فتح المجال للتكوين كما في تجارب دول أخرى قبل الزواج، بتنسيق بين المختصين في مجالات علوم الدين والاقتصاد والاجتماع.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى