الرأيالرئيسيةسياسية

الغرب المريض

خالد فتحي

 

فجأة تحول المؤرخ والأنثروبولوجي الفرنسي، إيمانويل تود، إلى نجم للقنوات التلفزية بفرنسا.. والسبب كتابه الأخير المستفز الذي نزل كالصاعقة على رأس الغرب برمته. وما زلنا نتذكر كتابه «السقوط النهائي»، الذي تنبأ فيه سنة 1976 بتحلل الاتحاد السوفياتي. ولذلك عندما أصدر عمله الجديد «هزيمة الغرب»، لم يكن لأحد أن يتهمه بالسعي لتحقيق أعلى المبيعات، أو للإثارة وخلق الجدل، بل أخذ تحذيره في كل المحافل على محمل الجد، بحيث صار الجميع متوجسا من مرض الموت الذي سيقود الغرب نحو حتفه.

هذا المؤلف لم يزد على أن أعمل نظرية العلامة عبد الرحمان بن خلدون، حول انحطاط الشعوب والدورة الحضارية للأمم، على الحالة الغربية..

لقد تأمل هذا السوسيولوجي، فقدر بالأرقام والتحليلات العميقة، ثم أعلن أن الغرب قد وضع رجلا ونصف على سكة الانحدار السريع، لكنه أضاف فوق ذلك تأنيبا خاصا، حين حمله المسؤولية الأولى عن هندسة هزيمته المحققة. إنه إذن نذير شؤم من قلب الدار انبرى لينهي طمأنينة الغربيين، بخصوص استمرار هيمنتهم على بقية العالم.

فالرجل عاد إلى ما يطلق عليه «أنثروبولوجيا الأعماق» التي تستند على نجاعة كل من علم الاقتصاد النقدي وعلم الديموغرافيا وعلم الاجتماع الديني، لإصدار حكم قاس جدا. ففي نظره، لم يعد الغرب مستقرا، بل هو الآن مجرد مريض يحتضر. مريض مغيب الوعي، فاقد للإرادة حتى أنه ينسج بيديه عوامل إخفاقه الوشيك جدا.

يكاد «إيمانويل تود» في غمرة حنقه على الغباء الغربي، أن يعلن سفه الغرب البين إذ لم يعد يميز مصلحته، بعد أن غررت به الولايات المتحدة الأمريكية، وأسقطته في حبائل حربها ضد روسيا محولة قادته إلى محض تابعين لها. فالغرب بالنسبة إليه غربان، واحد ليبرالي أنجب الديمقراطية الليبرالية تمثله فرنسا وبريطانيا وأمريكا، وثان أنتج الحداثة الصناعية والاقتصادية ويضم بلدانا كألمانيا وإيطاليا، لكنه في هذا الكتاب يتقمص دور الناصح لأوروبا التي قال عنها فقدت سيادتها لصالح أمريكا الرازحة بدورها تحت حكم أوليغارشية رأسمالية ساقطة أخلاقيا لا تهدد مستقبل الغرب لوحده، بل مستقبل الكوكب الأرضي.

يعيب هذا الكاتب الألمعي الذي شهد على أهله عدم إحسانهم قراءة التحولات الاستراتيجية، حيث تورط الغرب الأوروبي، بسبب الانقياد لأمريكا في حرب غير مجدية ستنتهي بهزيمة أوكرانيا ومن ورائها الناتو ولو دون نصر روسي، معتبرا أن الاتحاد الأوروبي سيتقدم كوكبة المنهارين بعد نهاية الحرب، فألمانيا جلدت نفسها حين حرمتها عائدات تعاونها الاقتصادي مع روسيا، والدول الاسكندنافية المسالمة ارتمت في الحضن الأمريكي، كما تآكلت فاعلية المحور الفرنسي الألماني الضامنة للوحدة الأوروبية، وتراجع الدور الفرنسي لصالح بولونيا الاشتراكية سابقا التي نصبت وكيلة جديدة للولايات المتحدة بأوروبا، فيما استعادت بريطانيا عنفوانها كقوة عسكرية طلائعية أولى بأوروبا، بتوليها مهمة التحريض ضد موسكو.

ويستغرب تود كيف لم تنتبه أوروبا إلى تغيير بوصلة العداء الأمريكي بشكل مفاجئ من الصين نحو روسيا المتاخمة لها.. وبسبب تصديقها المزاعم الأمريكية بأن البيت الروسي أوهى من بيت العنكبوت، فيما أثبت مسار الحرب العكس عسكريا واقتصاديا وماليا وحتى مجتمعيا.

أهم ما جاء في كتاب تود هو ذاك النقد الذاتي الذي فرضه مؤلفه على الأوروبيين. فهذا الكاتب النبيه يتحدث عن فلسفة العدمية أو التصفير التي ستودي بكل الغرب، فالغرب في رأيه ماض في تدمير كل شيء حولنا: البيئة الطبيعية، والفطرة الإنسانية، والقيم الدينية والمعنوية، بل هو مصر حتى على اغتيال الحقيقة (أوكرانيا وغزة). وذلك بسبب تغييب الوازع الديني والأخلاقي لدى الساسة الغربيين وانعدام كفاءتهم، ووصول كل من الدين والأسرة إلى مستوى الصفر، مع اختفاء البروتستانية الأمريكية، والسماح بزواج المثليين الذي شكل ذروة التخلي عن القيم الدينية والأسرية.

وهنا يعزو الانهيار القادم لا محالة إلى انمحاء البروتستانية التي كانت قادحة للحداثة الغربية، حيث انتقل الغرب من البروتستانية النشطة التي كان الناس فيها يؤمنون بالله ويذهبون للكنيسة ويُعَمِّدُونَ أطفالهم ويدفنون موتاهم ويتزوجون زواجا دينيا بآصرة صلبة بين رجل وامرأة الطلاق معها صعب، إلى البروتستانية الزومبية التي تغيب فيها الطقوس الدينية، ولكن فيها يعمد الأطفال، ويستمر الزواج المدني حاملا في أذهان الغربيين لقيم الزواج الديني، إلى حالة الصفر الديني، التي سيفقد فيها الغرب أية صلة بالدين، وتتوقف فيها كل المراسيم الدينية، ويتحول الزواج إلى شيء آخر مع تشريع الزواج المثلي.

زد على ذلك هروب الغرب أنثروبولوجيا إلى الأمام بإنكاره للواقع وللبيولوجيا، من خلال نظرية النوع الاجتماعي الزائفة التي يهلل لها، دون صدى فعلي أو نجاح يذكر في دفع دول الجنوب إلى حذو مثاله السائل. فالرجل رجل والمرأة امرأة، بل لقد صارت ثقافات كثيرة تنظر إلى حداثته وعلمانيته بعين الريبة والاستغراب بعدما قام بتضييع مفهومهما الأصلي لما قتل بالتسلسل الإله، والإنسان، والحقيقة. وهو ما جعله يدخل الألفية الثالثة دون مصداقية أو شرعية قيمية تؤهله للقيادة.

صحيح أن هناك من يشكك في صدق هذه النبوءة، ويؤكد على تهافتها، متهما هذا الكاتب بالمروق والتشيع لروسيا بوتين، ولكن إيمانويل تود أصاب أوروبا في مقتل وجودي، فهي بالتأكيد لن تنجو من عصاب الخوف من التحلل والأفول، خصوصا وأنه لم يبن أفكاره على الوعظ والأخلاق، بل عبر البحث في البيانات والأرقام ومقارنة المؤشرات الكمية كمعدل النمو ومعدل الخصوبة ووفيات المواليد ومعدل الانتحار… وذلك على مدى تاريخي بعيد. لقد زرع إسفينا أنثروبولوجيا في اللحمة الأوروبية الأمريكية سيجعل الأوروبي يتمنى من صميم قلبه اختفاء أمريكا للخلاص، من خلال إعادة ترتيب إيديولوجيته، ونحت مفاهيم يتألف بها بقية العالم، إن كان يريد تحاشي مصير المعسكر الشرقي.

فهل ينظر الغرب من مرآة هذا الكتاب إلى عزلته الإيديولوجية عن أغلب سكان العالم، وهل يتخلص من عماه الاستراتيجي، ويقر باستحالة تحقيق النصر أمام روسيا القومية المحافظة، ويفهم أسباب ابتعاد الصين والهند والعالم الإسلامي والإفريقي عنه أنثروبولوجيا ووجدانيا، وتعاطفهم مع روسيا حتى يوقف انتحاره الذاتي، الذي يتمثل بالخصوص في رؤيته لنفسه كممثل لكل العالم، وإنكاره للآخر،

ثم في ما يخصنا نحن، هل يتعظ سذجنا الذين يفتحون مظلاتهم كلما أمطرت السماء بالغرب، والذين ينبهرون بالسقوط الغربي حتى ولو تحول إلى محارة فارغة، فيدركوا الديناميكيات الجارية التي تقود كلها إلى الهزيمة الأخلاقية والاقتصادية للغرب، حتى يجنبونا تكرار أخطائه، فالمستقبل، كما يقول جزء كبير غير نرجسي من النخبة الغربية، للمجتمعات ذات الهوية الخالصة التي تحافظ على اليقين الديني والزخم الديموغرافي والتراحم الأسري.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى