شوف تشوف

القاعدة والاستثناء

إنه لمن المخجل أن نرى أصحاب القطاعات التي ظلت تحلب جيوب المواطنين طيلة عقود هم أول من سال لعابهم أمام صندوق مكافحة آثار جائحة كورونا.
أتحدث عن قطاع التعليم الخاص. ليس هناك من قطاع في المغرب اغتنى أصحابه من عرق ومرض وآلام المواطنين أكثر من هذا القطاع، حتى أن بعض المستثمرين فيه أصبحوا مليارديرات يشترون الضيعات والعقارات.
واليوم بينما تعاني قطاعات مهنية هشة في صمت وكبرياء نرى كيف سارع هؤلاء الأثرياء الجدد إلى مطالبة آباء وأولياء التلاميذ بتسديد أقساطهم أو حرمان أبنائهم من حقهم في التعليم.
وتقود الأكاديميات الجهوية للتعليم منذ أسابيع وساطة بين أرباب مؤسسات التعليم الخصوصي والآباء، بعدما بلغ الاحتقان بين الطرفين حد لجوئهما معا إلى القضاء، وأيضا تنظيم عشرات الوقفات الاحتجاجية أمام المؤسسات الخصوصية.
ما يحدث هو نتيجة طبيعية لتحويل التعليم من حق عمومي إلى سوق استثماري، ولذلك فمثلما يمكنك أن تجد سريرا في فندق غير مصنف بـ100 درهم تقضي فيه ليلتك رفقة “الشنيولة” و”سراق الزيت” و”الطوبة”، وتضطر أن تخرج من الغرفة لتقضي حاجتك في مرحاض يقع في سرداب، فإنه يمكنك في المدينة نفسها قضاء ليلتك في جناح تفوق تكلفته 5 آلاف درهم، حيث طاقم من الخدم ينتظرون إشارتك لخدمتك. وفي كلتا الحالتين لا يحدد اختيارك إلا جيبك. والأمر نفسه في التعليم الخاص. فمثلما يمكنك إيجاد “بلاصة” لابنك في مدرسة عبارة عن شقة في عمارة، بـ500 درهم، يتقاسم فيها مقعدا مع زملائه شبيها بمقاعد “حلاق الدرب”، يمكنك كذلك في المدينة نفسها إيجاد مقعد له في مدرسة راقية بما لا يقل عن 4 آلاف درهم، حيث لا يتعدى عدد التلاميذ 15 في القسم، وحيث آلة القهوة والمشروبات الباردة في كل طابق، والثلاجات في كل قسم، والحواسيب فوق كل طاولة.. إلخ. وحيث التغذية يُحضِّرها “تريتور” وفق قائمة طعام يحددها الآباء، تتنوع كل يوم بحسب فصول السنة.
نفهم من هذا أن العلاقة المالية بين أرباب التعليم الخاص والآباء محكومة بقوانين لا علاقة لها بوزارة التربية الوطنية، بل بقانون الالتزامات والعقود أولا والقانون التجاري ثانيا. أما قانون التعليم الخصوصي والمعروف بقانون 006، فيكتفي فقط بالجانب التربوي.
هذه الوضعية القانونية متعددة المداخل، جعلت بعض أرباب المدارس الخاصة ينسون أنهم يستثمرون في خدمة عمومية هي التربية، لذلك اجتهد كثير منهم في قرارات تقطر ابتزازا وجشعا وغرورا. ومن تتبع جذور المشكلة منذ أن أعلنت الحكومة بدء سريان الحجر الصحي سيلاحظ أنه في الوقت الذي سارعت مقاولات وشركات كثيرة إلى الانخراط في مساعدة المواطنين في هذه الظرفية.. مساعدات من قبيل تأجيل فواتير الماء والكهرباء والأنترنت وأقساط بوليصات التأمينات وأقساط البنوك وإصدار الجرائد مجانا، ومنها من ساهمت بأموال في صندوق مكافحة فيروس كورونا.. في مقابل هذا الزخم الإنساني والتضامن الاجتماعي كان أرباب التعليم الخصوصي أول من يطلب الدعم العمومي، علما أن تاريخ الإعلان عن الطوارئ الصحية كان هو 14 مارس، أي بعدما حصلوا على حقوقهم المالية مع بداية الشهر نفسه.
هذه الفضيحة يقف وراءها شخصيا مدير أكاديمية سابق ينتمي لحزب “كبير”، بَذلَ كل ما في وسعه ليحصل على أكاديمية أخرى بعد أن تم إلحاق جهته بجهة أخرى. وعندما لم تتمكن هواتف قادة الحزب من منحه فرصة جديدة، انخرط في معسكر المستثمرين في القطاع الخاص، وأصبح الآن من صقور أرباب مؤسسات التعليم الخاص، يُؤَلِّب زملاءه على الأسر. وله تسجيلات يهدد المدارس الخاصة الأخرى بشأن تسجيل التلاميذ الذين يغادرون مؤسساته الكثيرة.
هذا الجشع لم يتوقف هنا، بل وصل حد محاولات اتخاذ التلاميذ كرهائن، وابتزاز آبائهم للدفع. ففي لقاءات الوساطة التي نظمتها الأكاديميات خلال الأسابيع الأخيرة، طالب بعض ممثلي مؤسسات التعليم الخصوصي بعدم تسجيل تلامذتهم في المؤسسات العمومية، وعدم منحهم الشهادات المحصل عليها، بما في ذلك شهادة الباكلوريا. يضاف إلى هذا إرسال رسائل تهديدية إلى الآباء عبر محامين تخيرهم بين الدفع أو المقاضاة، تماما مثلما تفعل شركات الخدمات.
ورغم أن كل القوانين الوطنية والدولية تضمن حق التلاميذ في التعليم مهما كان الظرف، فقد بدأ بعض هؤلاء في تنفيذ مخططهم، حيث رفضوا منح شهادات المغادرة للتلاميذ الراغبين في التسجيل بالمدارس العمومية. أما التسجيل في مدارس خاصة أخرى فشبه مستحيل لأن هؤلاء القوم منتظمون في شبكة اتفقوا فيها على عدم تسجيل أي تلميذ قادم من مدرسة خاصة أخرى.
بعض أرباب المدارس الخاصة دفعهم الجشع حد الاعتقاد بأنهم وحدهم المتضررون من إعلان الطوارئ الصحية، ويتجاهلون أنهم في الحقيقة آخر المتضررين. فآلاف الأسر التي يشتغل معيلوها في القطاع الخاص، وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها ينتقلون من وضع مالي مريح يمكنهم من تدريس أبنائهم في القطاع الخاص إلى وضع “زيرو درهم” ينتظرون إعانات الدولة. أما هؤلاء، فهم يعرفون أكثر من غيرهم أن مداخيل ثلاثة أشهر الأولى في السنة الدراسية كافية لتغطية كل المصاريف المتنوعة للسنة بأكملها.
هؤلاء الجشعون، الذين ألف بعضهم قضاء عطلاتهم الصيفية في منتجعات أوروبا وأمريكا الشمالية، ويتبضعون ملابسهم من دبي وحليهم من إسطنبول وعطورهم من باريس، وجدوا أنفسهم يعودون إلى وضعهم الطبيعي. فالأموال الطائلة التي كانوا يحصلون عليها من الساعات الإضافية الإجبارية وكذا من “بدعة” اسمها التهييء للمباريات، حيث تصل سومة ساعة واحدة إلى مبلغ ألف درهم.. هذه الأموال لم تدخل إلى جيوبهم هذه السنة، لذلك “جْهْلو”.
ومن باب “شرح ملح”، فأغلب الذين يقودون التفاوض مع الآباء هذه الأيام في خمس أكاديميات تحديدا هي الدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة وفاس، هم مستثمرون لا تقل أرباحهم السنوية الصافية عن نصف مليار سنتيم. فنجدهم في المقابل يتباكون على عدم توصلهم بـ2000 درهم من مواطنين مهددين بالإفراغ من مساكنهم المكتراة، ويهددونهم بجرجرتهم في المحاكم، ويفرضون عليهم، إن هم رغبوا في استمرار أبنائهم في المدارس، تقديم شيكات ضمانة أو إمضاء وثيقة اعتراف بدين، وهو ما يعني السجن في آخر المطاف.
لقد حان الوقت لإعادة ترتيب الحسابات من جديد، فالتعليم الخصوصي يجب أن يكون الاستثناء فيما المدرسة العمومية يجب أن تكون هي القاعدة، حتى نتفادى مستقبلًا وقوع التلاميذ وآبائهم ومعهم الدولة رهينة بين أيدي مستثمرين جشعين من النوع الذي نشاهده اليوم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق