شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

الكراسي المستعملة

حسن البصري

كاد النقاش حول الكراسي البلاستيكية المستعملة لمركب محمد الخامس أن يأخذ مجرى آخر، بل وكادت الكراسي أن تستخدم في معركة «الوزيعة» لولا الألطاف الربانية.

تدخلت عمدة الدار البيضاء مرات عديدة لتلطيف الأجواء في دورة استثنائية، لغة واصطلاحا، قالت للمستشارين الجماعيين:

رجاء تمهلوا فالمعدات «البالية» ستوزع على مقاطعاتكم بالعدل، فقط نريد دعواتكم.

بدا وكأن الأمر يتعلق بإعانة رمضانية للجماعات التي بنت ملاعبها دون أن تنتبه لمشجعين يقضون ساعات فوق كراس إسمنتية باردة.

في غمرة الجدل القائم حول الكراسي «البالية» لمركب محمد الخامس، قالت العمدة إن عددها أربعون ألف كرسي، وفي رواية أخرى لرئيس لجنة الرياضة خمسة وأربعون ألف كرسي، فيما يقول مصدر من «كازا إيفنت» إن عددا كبيرا من الكراسي غير المستعملة ترقد في مخازن «دونور».

تم توزيع الكراسي المستعملة على ست عشرة مقاطعة، دون اعتبار لمعيار عدد الملاعب العارية في كل مقاطعة، إذ لا يعقل أن تحصل مقاطعة تتوفر على ملعب واحد على ألف وخمسمائة كرسي، فيما تتوفر مقاطعة تضم خمسة ملاعب على العدد نفسه.

تمنينا لو أن القائم على توزيع «غلة» ملعب «دونور» فكر في الفريقين المتضررين من إغلاق مركب محمد الخامس، وهما الوداد والرجاء وتمكينهما من التجهيزات المستعملة من كراس وكاميرات، ومكاتب وأبواب حديدية ومكيفات، في إطار الدعم العيني لضحايا إغلاق هذا الملعب. لكن يبدو أن وجود رئيس الرجاء خارج الحدود في فترة نقاهة قضائية ورئيس الوداد في سجن عكاشة، جعل المستشارين يصرفون النظر عن المتضررين الحقيقيين من إغلاق «دونور»، لأن الغائب عن العين غائب عن القلب.

هذه «الوزيعة» فتحت جبهات في ملاعب أخرى خضعت يوما للتجديد دون أن نعرف مصير تجهيزاتها المستعملة، فقد أغلق مركب محمد الخامس مرات واستبدلت كراسي المدرجات وكراسي البدلاء وأرائك صالونات استقبال الضيوف دون أن يفطن أحد لذلك.

وتم إخضاع مركبات الرباط وطنجة ومراكش للصيانة دون أن يسأل أحد عن مصير الكراسي والموائد واللوحات التشكيلية والتجهيزات المتخلى عنها.

لكن أكبر جرائم السطو على تجهيزات المرافق العمومية، تمت في منتصف سنة 1985، حين قررت سلطات الدار البيضاء هدم المسرح البلدي. ومن المفارقات العجيبة أن هذه المعلمة الثقافية، التي شيدت في عهد المارشال ليوطي، خلال الحقبة الاستعمارية، ستهدم مباشرة بعد انتهاء عرض فني قدمه طلبة ثانوية ليوطي.

لا أحد يعرف من اتخذ قرار هدم مسرح أسطوري، ولا أحد من المسؤولين اقتيد للمساءلة عن جريمة في حق الثقافة والحركة المسرحية بالخصوص.

لكن ما حز في نفس البيضاويين أكثر هي أعمال السرقة التي تعرض لها هذا الصرح الثقافي، والنهب الذي استهدف «لالوج» رقم 17 الذي سرقت منه بورتريهات موليير وكبار الكتاب والتحف النادرة.

لا أحد سأل عن مآل محتويات المسرح البلدي وكأن الهدم طال سكنا صفيحيا. إنها جريمة في حق الدار البيضاء ومثقفيها. والأخطر أن المسرح المهدم سنة 1985 لم يعوض بمسرح مماثل بل تم خلق ما يسمى مركبات ثقافية في مختلف مقاطعات الدار البيضاء دون اعتبارات فنية ومعمارية، حتى أن بعضها أصبحت مجرد قاعات للعروض.

يذكر البيضاويون أيضا المكتبة البلدية بشارع الجيش الملكي، ويتساءلون بأي ذنب أعدمت؟ وأين هي الكتب والمستندات والتجهيزات التي كانت في هذا الفضاء الفكري الذي طالما جعلناه معسكرا لتحضير الاختبارات؟

أغلقت المكتبة فاشتكى السكان المجاورون لها من غارة الفئران التي احتلتها واستأنست بكبار الكتاب والمفكرين.

قال أحد المستشارين الجماعيين، في الدورة الاستثنائية: «أش خاصك العريان كرسي بلاستيكي أمولاي». فرد عليه مسؤول جماعي: «إذا جاد الله جاد عمر».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى