الافتتاحية

المعارضة ليست لعنة

وضعت قيامة الحملة الانتخابية أوزارها بعد ما ظهرت النتائج النهائية لاستحقاقات 8 من شتنبر، وبدأ عدد من قيادات الأحزاب يغيرون لهجتهم ويبدلون قاموسهم ويتوددون للحزب المتصدر للركوب معه في حافلة الأغلبية المقبلة. وتحول خطاب أولئك «القباح» الذين كانوا يظهرون بمظهر الخصوم الشرسين الذين بنوا حملتهم الدعائية وبرنامجهم الانتخابي على مهاجمة الحزب الفائز بالانتخابات إلى حملان وديعة بين عشية وضحاها.
للأسف معظم أحزابنا تعتقد أن لعب دور المعارضة هو بمثابة لعنة أو عقاب سياسي ومكان من لا مكان له في مقاعد الحكومة، بل هناك من يعتبر المعارضة مقبرة سياسية يدفن فيها موتى الانتخابات، والواقع والدستور يقولان العكس بل يعطيان للمعارضة شأنا كبيرا لم تستوعبه طبقتنا السياسية لحد الآن وليس هناك أي مؤشر يوحي باستيعابه قريبا. ولولا مكانة المعارضة لما خصص لها الدستور الحالي عددا من الفصول تظهر دورها الحيوي في ضمان توازن النظام السياسي وفعالية البناء الدستوري والمؤسساتي.
فلا يعقل أن يصطف قادة الأحزاب في طوابير طويلة أمام مقر الحزب المتصدر وكأنهم مجموعة من الركاب ينتظرون أن يمر «الطوبيس» العمومي لنقلهم لوجهته، وفي خضم هذا الانتظار المقلق هناك من يريد أن يركب مجانا دون توفره على التذكرة، وهناك من يستعطف السائق لكي لا يتركه في محطة الانتظار خوفا من القدر، وهناك من يود الصعود لسرقة شيء ثمين لا يستحقه وهناك من يختبئ وراء ظهر من يستحق الصعود ليركب كطفل تحمله أمه.
كفى من هاته الصورة السيئة التي يقدمها بعض السياسيين فلم يذهب 51 في المائة من الكتلة الناخبة إلى مكاتب التصويت ليجدوا أنفسهم أمام هذا المشهد العبثي حيث البعض يتسابقون كأطفال فرحين لحجز مقعد في الحكومة.
في كل الدول التي تحترم نفسها هناك معايير  ومبررات تحدد من سيكون في الأغلبية ومن سيصطف في المعارضة، وإذا كان الدستور المغربي قد حدد بناء على نتائج الاقتراع الحزب القائد للحكومة فإن روح الدستور شددت على أن يكون النظام السياسي متوازنا وأن تكون المعارضة قوية تقودها جهة سياسية ذات وزن وحضور كبير في الوطن تضع نفسها في موضع المراقب والمحاسب للحكومة وأغلبيتها مثلما تصنع معظم الدول الديمقراطية.
إن قرار التموقع في المعارضة والأغلبية ليس نزهة في حديقة بل قناعة واختيار شاق، ينبغي أن يبنى على عدد من الأسس منها نتائج الاقتراع وكلمة الشعب أولا وعلى مدى التقارب الإيديولوجي والفكري ثانيا، وبناء على التقاطعات بين البرامج الانتخابية ثالثا، وتأسيساً على سوابق العلاقة بين الأحزاب سواء داخل الأغلبيات أو المعارضات السابقة.
وقبل كل ذلك ينبغي على الأحزاب أن لا تترك طموحاتها السياسية وحساباتها الظرفية تتحكم في قراراتها على حساب التوازن داخل النسق السياسي، فلا يمكن أن تتحول المعارضة إلى مكان شاغر تشغله معارضات الشارع المدفوعة بالعدمية والمجهول والفراغ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى