كتاب الرأي

الهروب من دار لعرس

حسن البصري
يؤمن الناخب الوطني السابق بادو الزاكي بمبدأ «قتل القطط في اليوم الأول» ووأدها قبل أول معسكر تدريبي يدخله منتخب الكرة. مناسبة هذا الاستهلال إعلان حالة استنفار في مركز المعمورة بسبب عصيان اللاعب حمد الله ومغادرته المعسكر رافضا المشاركة في نهائيات كأس أمم إفريقيا بمصر، مطالبا بإعفائه من شرف الانتماء للأسود.
ذات يوم، أعلن اللاعب عادل تاعرابت عصيانه وقرر التمرد بعد أن أغلق هاتفه المحمول في وجه المكالمات. حينها قال الزاكي بنبرة غاضبة إن عادل سيظل خارج التغطية الوطنية مادام هاتفه الجوال خارج التغطية، استنادا إلى قانون المعاملة بالمثل، وألقى باللوم على علبة صوتية لا تتردد في صد السائلين وإحالته على تسجيل صوتي مستفز.
في قضية هروب حمد الله من «دار لعرس»، انقسم شعب الكرة إلى فئتين، فئة واسعة تدين اللاعب وتصنفه في خانة «مرتكبي الكبائر»، وتدعو إلى ضم اسمه إلى قائمة عمداء الخيانة كبوحمارة وبن عرفة، وفئة أخرى مسحت التهمة في حلف الناتو الكروي بقيادة بنعطية، فيما بادرت فئة ثالثة إلى إطلاق حملة «لنسامح حمد الله»، داعية إلى تمتيع الظنين، الملقب بظروف التخفيف ولو على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بل إن العارفين بخبايا المعسكرات طالبوا بالاستعانة بنسيمة الحر، من أجل فض النزاع بخيطها الأبيض.
الخلاف بين اللاعب والمدرب قديم قدم الكرة، فلكل ناخب وطني لاعب يبادله العداء وقربان يقدمه للرأي العام تحسبا لكل تعثر لا قدر الله، و»حجام» تعلقه جامعة الكرة كلما سقطت الصومعة.
فقد عاش أول منتخب مغربي في عهد الاستقلال صراعا بين المدرب العربي بن مبارك وحارس الوداد محمد رفقي الشهير قيد حياته بلقب «الصوبيس»، فقط لأن العربي فضل حارس الفتح العياشي. كما أصر عبد الخالق اللوزاني على إبعاد رشيد الداودي عن المنتخب فتدخل الحسن الثاني وأصدر قرارا بتعيين ابن حي تواركة عبد الله بليندة بديلا لابن الصويرة الذي كان مزاجه عنيدا كأمواج موغادور. واستمرت الحروب الباردة والحارقة بين النيبت وغريمه الزاكي وطلال مع هنري ميشال وفاخر مع الشماخ، والطوسي مع خرجة وبن عبيشة مع بن عطية.. وهلم شرا.
لكن أشرس الحروب والخلافات وقعت في معسكر للمنتخب المغربي بفرنسا، ساعات قبل مباراة الفريق الوطني ضد اسكتلندا، حين أصر الناخب الوطني هنري ميشال على وضع الحارس لبرازي على دكة البدلاء وإقحام بن زكري، فكان رد ابن بركان عنيفا في مواجهة المدرب الفرنسي، ثم حزم حقيبته واختفى عن الأنظار. لكن لمنتخب تلك الحقبة عميدا حقيقيا اسمه نور الدين النيبت استطاع أن يعيد الحارس المتمرد إلى المعسكر ويجالس الجنرال حسني بن سليمان والمدرب هنري ميشال إلى ساعة متأخرة من الليل، من أجل سل شعرة الخلاف من عجين الفريق الوطني.
دار جدل واسع حول سر الهروب الكبير للاعب العبدي حمد الله، وتعددت الروايات والشهادات، وتبين أن المنتخب لا يريد الآن البحث عن الجاني والمجني عليه، لأن موعد حدث كروي قاري على الأبواب. لكن العديد من المتتبعين طالبوا بإحالة هذا الملف على لجنة الأخلاقيات، ومنهم من ذهب إلى أبعد حد داعيا إلى تطبيق قانون العدل العسكري الجديد الذي يعتبر الفرار من الجندية ورفض الامتثال ومخالفة الضوابط العسكرية العامة، جرما لا يختلف عن الهروب من معسكر منتخب يدافع عن حوزة الوطن.
لكن إذا كان طبيب المنتخب الوطني، قد ألبس المغادرة ثوب الطوعية، وبرأ من حيث لا يدري حمد الله من تهمة العصيان، حين تحدث عن إصابته على مستوى الورك، فإن الشهادة الوحيدة المعتمدة في هذه الحالة هي التي قد يمنحها مكي الصخيرات لهارب من معسكر.
بعد حرمة الله جاء الدور على حمد الله، اشهد يا رزق الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى