الرأيالرئيسية

انهيار الماكرونية

المعطي قبال

إن فكرنا بمنطق الرموز، يمكننا القول إن نتائج الدور الثاني من الانتخابات التشريعية الفرنسية أسفرت عن هزيمة رمزية واضحة لحزب «النهضة» التابع لمانويل ماكرون وفوز رمزي قوي للاتحاد الشعبي والبيئي الجديد، الذي ينشطه جان-ليك ميلنشون. لكن المفاجأة والفوز الحقيقي حققهما حزب التجمع الوطني الذي سيدخل البرلمان من بابه الواسع بـ89 نائبا برلمانيا، الشيء الذي لم يكن في الحسبان. وقد تحدث نائب مارين لوبين عن «تسونامي» اجتاح الجمعية الوطنية.

بالنسبة للماكرونية، تجسد هذه الهزيمة اندحار بعض الوزراء البالغ عددهم على الأقل 3، إضافة إلى وزيرين سابقين من الوزن الثقيل: ريشار فيران رئيس البرلمان سابقا وكريستوفر كاستانير الذي كان وزيرا للداخلية. انهزم إذن ثلاثة وزراء من بين 15 الذين تقدموا للاقتراع. وحسب القاعدة التي تم تسطيرها، على الذين انهزموا ترك حقيبتهم الوزارية والبحث عن وظيفة.

لم يحصل ماكرون سوى على 245 مقعدا من بين 577 وهذه النسبة بعيدة عن الأغلبية المطلقة. وعليه ستقلص هذه النتيجة من قدراته على تطبيق قوانين اقتصادية واجتماعية وسياسية في محفل البرلمان. قد يلجأ إلى الاستعانة بنواب يمينيين من خارج عائلته السياسية، لكن هذا الحل قد يكون باهظ الثمن لأنه يقوم على المزايدات والمقايضات. لذا فالاستعانة بشخصيات لا يتحكم فيها يبقى من باب الترقيع. يبقى التعايش كأفق ممكن لكن ماكرون يستبعده كلية.

يتبين على ضوء هذا الوضع أن الاستراتيجية التي وضعها ماكرون والقاضية بامتصاص اليمين وبالأخص حزب الجمهوريين فشلت بالكامل إذ انتعش هذا الحزب ويمكنه أن يكون قوى فاعلة وضاغطة بنسبة المقاعد التي حصل عليها أي 61 مقعدا. وتتحين رشيدة داتي الفرصة للقيام بدور المايسترو والفوز برئاسة الحزب.

من جهة الاتحاد الشعبي والبيئي الجديد، يتمثل فوزه الرمزي في تمثل وقبول سياسته المناهضة لماكرون، حيث حصل على 131 مقعدا وجاء في المرتبة الثانية. لم تنجح سياسة الشيطنة التي انتهجتها الماكرونية في حق ميلنشون بتوصيفه بنعوت كانت مخصصة للشيوعيين أيام الحرب الباردة. أهم هذه النعوت أن ميلنشون سيتسبب في خراب فرنسا وأنه مقرب من بوتين ومعاد لأوكرانيا، وأنه يدافع عن المتطرفين ودعاة نزع الكولونيالية الخ…
عملية تهييج الإعلام ضد الميلونشية باءت بالفشل. بإمكان حزب ميلنشون خوض حرب عصابات داخل البرلمان لإفشال مخططات التنين المحافظ واليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان التي بإمكانها تشكيل فريق برلماني بعد أن حصل حزب التجمع الوطني على 89 مقعدا.

راهن ميلنشون على وجوه إما غير معروفة وإما لها حضور ديناميكي داخل الحقل الاجتماعي. ومن بين الوجوه التي جعل منها رمزا للعدالة ومحاربة التمييز الاقتصادي، راشيل كيكي وهي خادمة تنحدر من ساحل العاج. فقد كانت هذه السيدة الناطقة باسم المضربات عن العمل من خادمات فندق إبيس بباريس عام 2019. قادت الإضراب لمدة 22 شهرا حيث شاركت فيه 28 من خادمات الفندق. وفي الأخير رضخت إدارة إبيس لبعض مطالبهم. كيكي من مواليد 1974 بأبوبو، شمال أبيدجان بساحل العاج. بترشحها، كسبت تعاطفا شبه وطني وفازت على روكسانا ماراسينو، وزيرة الشبيبة والرياضة سابقا وهي من أصول رومانية.

توفر لنا هذه التشكيلة بتناقضاتها الصارخة خارطة لبرلمان غوغائي مما دفع بالعديد من الخبراء إلى القول أن الحكامة غير ممكنة في هذه الحالة. تحدث البعض عن حرب عصابات داخل البرلمان فيما أشار البعض الآخر إلى الفوضى التي ستعم البرلمان والتي ستكبح إمكانيات تحقيق المشاريع. ما لم يتم على مستوى نقاش البرامج لكل حزب، سيفرغ في رحاب البرلمان.
على ضوء نسبة الامتناع عن التصويت المرتفعة (54 في المائة)، وعدم تلبية الشباب لنداء ميلنشون بالذهاب للتصويت واحتمال تشرذم البرلمان، تبدو فرنسا وكأنها مرآة منكسرة. هذا الوضع له انعكاسات على ممارسة وصيرورة الديمقراطية بالبلد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى