حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

تزكية الأتباع

مع توالي تسريبات التزكيات الحزبية، والكشف المبكر عن أسماء عدد من المرشحين للاستحقاقات البرلمانية المقبلة، تتعزز لدى الرأي العام قناعة مقلقة مفادها أن المشهد الحزبي يسير إلى المزيد من الجمود والانكماش على الذات، إذ بدل أن تكون الأحزاب مدارس لتكوين النخب وفضاءات للتنافس الديمقراطي حول البرامج، بدأت بعض التنظيمات السياسية تتحول تدريجيا إلى شبكات مغلقة تقوم على الولاء، وتغليب منطق القرب والمصالح الضيقة، سواء كانت عائلية أو مالية أو علاقاتية.

إن ظاهرة «تزكية الأتباع» لا تمثل مجرد اختلال عابر في تدبير الاستحقاقات الانتخابية، بل تعكس أزمة عميقة في بنية التفكير الحزبي، لأنه حين تصبح التزكية مكافأة على الطاعة بدل الكفاءة، وعلى الولاء بدل الاستحقاق، يتم دفن الديمقراطية الداخلية، وتتحول القيادة الحزبية إلى مركز قرار أحادي، يفرز ما توصف بـ«الزعامات الورقية» التي تفتقد للشرعية النضالية والقدرة على الإقناع والتأثير في المحيط.

ومن جهة أولى فإن خطورة تزكية الأتباع وفق معايير القرب ودعم القيادات، تؤدي إلى إضعاف جودة التشريع داخل المؤسسات التشريعية، حيث نجد أنفسنا أمام نخب عاجزة عن مواكبة التحولات المتسارعة، ومتخلفة بشكل كبير عن التفاعل مع السياق الدولي والإقليمي والتحديات الكبرى، ومن جهة ثانية، يساهم الأمر في تكريس العزوف السياسي لدى الشباب بشكل خاص، إذ يفقد الناخب ثقته في جدوى المشاركة والتصويت حين يرى نفس الوجوه تستمر في المناصب، ونفس أساليب النجاح تُكرر عند كل استحقاقات.

وعوض أن يكون البرلمان فضاء للنقاش السياسي المسؤول، والتداول في الملفات الاستراتيجية الكبرى والتشريع الرصين، ومراقبة العمل الحكومي، يتحول في ظل اختلالات التزكيات إلى ساحة للصراعات الهامشية والاستعراضات الفارغة، ما يفرغ العملية الديمقراطية من محتواها الحقيقي، فضلا عن التخلف عن مواكبة التوجيهات الملكية السامية، والمشاريع الكبرى في إطار رؤية مغرب 2030.

إن المرحلة الراهنة تفرض بروز قيادات سياسية قوية، قادرة على استشراف المستقبل، ومواجهة التحديات المعقدة التي تنتج عن الحروب الطاحنة حول المصالح ولاشيء غيرها، وصياغة بدائل واقعية تستجيب لتطلعات المواطنين، وذلك لن يتحقق طبعا دون الجدية في القطع مع ممارسات تزكية الفاسدين أو غير المؤهلين، الذين تسهم تصرفاتهم الطائشة والصبيانية أحيانا في تحويل بعض المؤسسات التمثيلية إلى فضاءات عبثية تسيء لصورة العمل السياسي.

وحتى لا نلقي اللوم على الأحزاب السياسية بمفردها، أو نوجه سهام النقد لجهة واحدة فقط في المنظومة السياسية، فإن مسؤولية إنقاذ الفعل السياسي بالمملكة من العبثية ونقله إلى ساحة الجدية والوضوح والبرامج القابلة للتنزيل مسؤولية جماعية، تتقاسمها الأحزاب والنخب والمجتمع، وذلك كله من أجل بناء مشهد سياسي ناضج، يقوم على معايير الكفاءة والنزاهة، وله القدرة والمرونة بالشكل الذي يمكن من خلاله تخطي كافة الصعاب ومواجهة تحديات الحاضر وربح رهانات المستقبل.

فهل نفقه هذا، أم نستمر في تكرار نفس الأفعال وانتظار نتائج مغايرة؟

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى