
محمد اليوبي
تراهن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، من خلال مشروع قانون المالية لسنة 2027، على إطلاق مرحلة جديدة من التدابير الرامية إلى تخفيف الضغط على القدرة الشرائية للأسر، عبر العمل على إعادة أسعار المواد الغذائية إلى مستويات معقولة، وتأمين التموين المنتظم للأسواق، وإصلاح مسالك التوزيع وأسواق الجملة وتقليص تكاليف الوساطة التجارية.
استعادة القدرة الشرائية
أوضحت المذكرة التقديمية للمشروع أن سنة 2027 ستعرف تحولا نوعيا في عمل الحكومة في مسار استعادة القدرة الشرائية، من خلال الانتقال من منطق الاستجابة للضغوط إلى مقاربة ترتكز بشكل أكبر على الاستباقية والتنظيم. وأشارت المذكرة إلى أنه، بعد التدابير المتخذة سنة 2026 لاحتواء الضغوط على أسعار المواد الأساسية وتأمين التموين، ستنصب الجهود خلال المرحلة المقبلة على تحسين أداء مسارات التسويق، سيما من خلال تحديث أسواق الجملة، وتعزيز منظومة المعلومات المتعلقة بالأسعار والمخزونات والتدفقات، فضلاً عن تقليص تكاليف الوساطة. وستتم مواكبة الآليات المتعلقة بتركيبة الأسعار من خلال اتخاذ إجراءات تستهدف بشكل مباشر دخل الأسر، سيما عبر دعم أسعار الكهرباء، والرفع من الحد الأدنى لمعاش التقاعد ومن معاش الأرامل، وكذا الشروع في الانخراط في إصلاح الضريبة على الدخل.
وأكدت المذكرة أن إعادة أسعار المواد الغذائية إلى مستويات معقولة تتطلب تحسين ضبط تكاليف الإنتاج والتخزين والنقل، واعتماد هوامش تجارية تتناسب مع الخدمات المقدمة. ويتعين أن يراعي هذا الهدف التوازن بين الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر وضمان هامش ربح منصف للمنتجين. ولهذا الغرض، يهدف إصلاح مسالك التوزيع وأسواق الجملة إلى تقليص الخسائر وتكاليف الوساطة، وتعزيز المنافسة والرفع من شفافية المعاملات، بما ينسجم وأهداف تثمين الإنتاج الفلاحي التي ترتكز عليها استراتيجية الجبل الأخضر.
وأبرزت الحكومة أن السنة المقبلة ستشكل مرحلة للتنزيل العملي لإجراءات جديدة من خلال إرساء أدوات القيادة والتتبع والضبط، ما يمكن من اتخاذ إجراءات استباقية لمواجهة التقلبات التي يمكن أن تعرفها الأسواق مع تعزيز شفافيتها.
تأمين التموين وضبط الأسواق
حسب المصدر ذاته ستعمل الحكومة على إعداد مخططات موسمية للتموين بالمنتجات الاستراتيجية مع إعطاء الأولوية للحبوب والبطاطس والبصل والطماطم، واللحوم الحمراء والسردين وزيت الزيتون. وستمكن هذه المخططات من مواءمة حاجيات السوق الداخلية مع الإنتاج المتوقع، والمخزونات المتاحة والصادرات المتعاقد بشأنها، وسيمكن تحديد حالات الخصاص، كذلك، من استباق تعبئة المخزونات، ودعم الإنتاج أو السماح بالاستيراد المؤقت.
وتلتزم الحكومة، من خلال مشروع قانون المالية، بإعادة توجيه الدعم الفلاحي نحو الرفع من الإنتاجية، وترشيد استعمال الماء وتعزيز صمود وتموين السوق الوطنية، وذلك في إطار عقود تحدد أهداف والتزامات المستفيدين، مع إيلاء عناية خاصة للاستغلاليات الفلاحية العائلية والمتوسطة، ولتنظيمات المنتجين.
وتتعهد الحكومة، أيضا، بضبط الصادرات في حال حدوث خصاص استثنائي أو تقلبات في تموين السوق الداخلية بالمواد الأساسية، وستكون التدابير المتخذة مؤقتة ومتناسبة مع الوضعية، وتستند، على وجه الخصوص، إلى عتبات تتعلق بمستويات المخزون والأسعار ومدة تغطية الحاجيات، مع احترام الالتزامات التجارية والعقود الجاري بها العمل، وفي حال توقع عجز، ستستكمل هذه الآلية بالإعلان عن جدول زمني توقعي للواردات، إلى جانب تخفيض الرسوم الجمركية، مع تقييم الإعفاءات وأشكال الدعم الموجه للاستيراد، على أساس الكميات المستوردة والتكاليف، وهوامش التوزيع ومدى انعكاس هذه التدابير على أسعار البيع بالتقسيط.
إصلاح قنوات التوزيع
ستعمل الحكومة، حسب المذكرة التقديمية لمشروع قانون المالية، على إعداد إطار تشريعي جديد يحدد شروط إحداث وتدبير أسواق الجملة، سواء من قبل القطاع العام أو الخاص ومسؤوليات الدولة والجماعات الترابية، فضلا عن حقوق والتزامات تجار الجملة والوسطاء. وسيتضمن هذا الإصلاح، كذلك، مراجعة نظام الوكلاء، وفصل الجبايات المحلية عن إلزامية المرور الفعلي عبر أسواق الجملة، في خطوة تستهدف إعادة تنظيم المعاملات التجارية والحد من الاختلالات التي تعرفها بعض مسالك التسويق.
وتعتزم الحكومة مواصلة الإجراءات اللازمة لدخول المركب الجهوي للتسويق الخاص بالرباط وسلا والصخيرات وتمارة حيز الاستغلال، وذلك بغلاف مالي قدره مليار درهم. وستشمل هذه المرحلة استكمال الأشغال والتجهيزات، وتحديد كيفيات التدبير ونقل التجار من أسواق الجملة الثلاثة المعنية. وبالموازاة مع ذلك سيتواصل إعداد الاتفاقيات المتعلقة بمركبات الدار البيضاء وبركان ومكناس ومراكش وأكادير وبني ملال في أفق إرساء شبكة وطنية تضم اثني عشر مركبا جهويا للتسويق.
إحداث ست شركات جهوية للتوزيع
من بين المشاريع، التي تراهن عليها الحكومة لإعادة تنظيم أسواق المنتجات الفلاحية، الشروع في إحداث ست شركات جهوية للتوزيع في الأحواض الفلاحية الكبرى، تشمل سوس وتادلة والغرب واللوكوس ودكالة وعبدة والشرق، على أساس دفتر تحملات موحد واقتصاص سنوي، مع ضمان شفافية كاملة في الأسعار والرسوم. ولا تشكل هذه الشركات وسيطا عموميا يحتكر عمليات الشراء وإعادة البيع، بل توفر للفلاحين والتعاونيات خدمات التجميع والفرز والتلفيف والتبريد والنقل، وتمكنهم من البيع بالمزاد أو بموجب عقود المختلف المشترين.
وسيتيح فتح هذه الشركات أمام مختلف الفاعلين على قدم المساواة، أيضا، تنويع مسالك التسويق وإرساء منافسة فعلية بين مسلك التسويق المباشر، والمسلك القصير وسوق الجملة، بما يعزز فرص تحسين الأسعار وتقليص الفوارق بين ثمن بيع المنتجات عند المنتج والثمن النهائي الذي يؤديه المستهلك.
ضبط أسعار اللحوم والأسماك
ستشرع الحكومة، أيضا، في بناء وحدات للتخزين بالتبريد بتعريفات تحفيزية في أهم موانئ الصيد التقليدي، سيما بالعرائش والحسيمة وآسفي وطانطان والعيون والداخلة، بهدف تحسين ظروف حفظ المنتجات وتعزيز القدرة التفاوضية للصيادين.
وستعمل الحكومة على تطوير عقود للتموين المباشر تربط المنتجين أو التعاونيات بتجار التقسيط والأسواق التجارية الكبرى ومؤسسات الإطعام الجماعي. وستحدد هذه العقود الكميات، وجودة المنتجات وآجال التسليم والأداء، وكذا قواعد مراجعة الأسعار. وسيتم دعم هذه المقاربة من خلال عروض بنكية وتأمينية تستند إلى العقود والمخزونات، وستواكبها تدابير ترمي إلى الوقاية من الممارسات والشروط التجارية التعسفية.
ومن بين التدابير المتخذة، كذلك، تأهيل أسواق القرب والأسواق الأسبوعية والتجارة الجائلة، وفق ضوابط صحية وتنظيمية مبسطة، مع ربطها بمنصات التموين، بالإضافة إلى العمل على تحديث مسالك تسويق اللحوم والأسماك.
وبالنسبة للحوم الحمراء، ستشمل التدابير المتخذة في هذا الشأن التعريف الرقمي للقطيع، وتأهيل أسواق الماشية والمجازر، واعتماد الوزن والفوترة وتعزيز قابلية تتبع الذبائح. وبالنسبة لمنتجات الصيد، سيتم العمل على تحسين ظروف حفظ المنتجات في الموانئ ونقط التفريغ، ورقمنة عمليات البيع الأول، وتعزيز النقل بالتبريد نحو الأسواق الداخلية.
مراقبة الممارسات التجارية
ستعمل الحكومة على إرساء نظام وطني للمعلومات حول أسواق المواد الغذائية، يشمل سلة من المنتجات ذات الأولوية تضم الحبوب والبطاطس والبصل والطماطم، واللحوم الحمراء، والسردين وزيت الزيتون. وسيمكن هذا النظام من تتبع الأسعار عند الإنتاج وعند البيع بالجملة وبالتقسيط، ومستويات المخزون وتدفقات التموين، وسيتضمن آليات للإنذار في حال تسجيل ارتفاع غير اعتيادي في الهوامش التجارية أو حدوث خلل في توفر المنتجات.
وستتخذ الحكومة إجراءات صارمة لتعزيز المراقبة الدائمة القائمة على المخاطر، مع الإدماج التدريجي للفوترة الرقمية وآليات التتبع الصحي والجبائي بهدف مكافحة التخزين لأغراض المضاربة، والممارسات المنافية للمنافسة، والغش في الوزن أو الجودة. وستسهم المعطيات، التي يتم تجميعها، في دعم اتخاذ قرارات التموين وعمليات المراقبة، وعند الاقتضاء، في الإحالة على مجلس المنافسة، في إطار اختصاصاته.





