الرئيسيةالملف التربويتعليم

تلاميذ البعثة الفرنسية بالمغرب وقرار «ماكرون» إنهاء الحجر الصحي بداية ماي

الآلاف منهم يرتادون 44 مدرسة موزعة على مدن تعرف بؤرا لكورونا

أقر المجلس الحكومي الاستثنائي ليوم السبت الماضي، تمديد مدة سريان مفعول حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا «كوفيد-19» إلى غاية 20 ماي المقبل. وهو ما يعني أن المدارس ستظل مغلقة إلى غاية هذا التاريخ. فإذا كان هذا التمديد يطرح مشكلة تدبيرية كبرى على وزارة التربية الوطنية، وخصوصا تدبيرها لامتحانات الباكلوريا، فإنه يطرح مشكلة أخرى بخصوص وضعية آلاف التلاميذ المغاربة والأجانب الذين يدرسون في مدارس البعثة الفرنسية، لاسيما بعد قرار قصر الإليزي استئناف الدراسة بداية شهر ماي. ما يجعل من الأمر مشكلة حقيقية تكمن في أن هؤلاء التلاميذ يعتبرون تلامذة للمدرسة العمومية الفرنسية، ولا تجمعهم بالمغرب إلا البقعة الجغرافية التي بُنيت عليها مدارسهم، والاستراتيجية التي تبنتها فرنسا لإنقاذ السنة الدراسية، وخصوصا الباكلوريا، تجعل الفترة الممتدة من ماي إلى يوليوز تفرض على تلامذة البعثة الالتحاق لمدارسهم في نفس توقيت التحاق زملائهم فوق التراب الفرنسي، وهو الأمر الذي لم يسبق لهذه المدارس أن وجدت نفسها أمامه. فهي تابعة تربويا وقانونيا وتنظيميا لدولة سترفع الحجر في بداية ماي، بينما تتواجد جغرافيا فوق تراب دولة يستمر الحجر فيها إلى ما بعد 20 ماي على الأقل.

الرفع التدريجي للحجر الصحي في فرنسا
قرر إيمانويل ماكرون العودة إلى فصول الدراسة في 11 ماي المقبل، وإعادة فتح تدريجي للحضانات، والمدارس، والإعداديات والثانويات، ابتداء من هذا الموعد. وهو القرار الذي أثار جدلا كبيرا هناك بسبب استمرارية وضعية الخطر التي مايزال يشكلها الوباء هناك. إذ بمجرد انتهاء خطاب الرئيس الفرنسي، اندلع نقاش ساخن على الشبكة العنكبوتية ووسائل الإعلام، بين معارض ومؤيد. ففي الوقت الذي لم تتم فيه بعد السيطرة على الوباء، فإن المعارضين يرون أن الضرورة الاقتصادية هي التي أملت قرار استئناف الدراسة، حيث يتعين على الحضانات والمدارس والإعداديات والثانويات فتح أبوابها لاستقبال أبناء الموظفين وغيرهم من المستخدمين، سعيا إلى جعل العجلة الاقتصادية تعود للدوران من جديد، وذلك بعد أن دخلت فرنسا في غياهب الركود وأنهك بها الاقتصاد جراء تدابير الحجر الصحي الشامل المفروضة من أجل كبح جماح تفشي الوباء.
وانضمت جمعيات آباء وأولياء التلاميذ إلى صفوف المعارضين رافضة اصطحاب أطفالها إلى المدارس في 11 ماي المقبل. وفي المنحى نفسه ذهبت نقابات المدرسين، حيث نددت بهذا «القرار السابق لأوانه»، معبرة عن مخاوفها حيال الظروف الصحية لاستئناف الدراسة. وفي هذا الصدد، أكدت أكبر نقابة للتعليم الأولي، أنه ليس على المدرسة والهيئة التعليمية أن تدفعا تكاليف تنظيم لم يتم التفكير فيه من حيث توفير الاختبارات وتدابير الحجر الصحي المتعلقة به.
أما الطبقة السياسية، لاسيما المعارضة، فلم تفوت المناسبة لصب الزيت على النار. فخلال الأسئلة الموجهة إلى الحكومة، أعرب بعض المسؤولين السياسيين عن تحفظات بشأن الطابع الملائم للعودة إلى الصفوف في 11 ماي المقبل، حيث ألقوا باللائمة على طابعه المبكر، وصعوبة تطبيق العادات الحاجزة الواقية، وكذا الحفاظ على المسافة الاجتماعية، لاسيما بالنسبة للأطفال صغار السن.
وفي مواجهة الجدل الذي يستمر في التفاقم منذ ذلك الحين، وجد وزير التربية والتعليم نفسه مضطرا إلى مضاعفة الحضور في الاستوديوهات التلفزيونية لتوضيح معالم هذه العودة إلى الفصول الدراسية. وهكذا، قال ميشيل بلانكي، على قناة «فرانس 2»، إن العودة إلى المدرسة لن تكون «إلزامية» في 11 ماي، بل ستكون «تدريجية» وبـ «مجموعات صغيرة». وشدد على أن شروط إعادة فتح المؤسسات التعليمية ستحدد «في غضون أسبوعين». وحسب الوزير، لن يتعلق الأمر بعودة مثل سابقاتها، مع فصول تتألف من 30 تلميذا، بل هي عودة للدراسة بمجموعات مصغرة، موضحا، أيضا، أن جزءا من الدروس يمكن إجراؤه عن بعد، مع برمجة زمنية أقل، لاسيما بالنسبة لتلاميذ المدارس الثانوية. وعلى الرغم من تأكيدات الحكومة، لا تزال نقابات المدرسين وجمعيات آباء وأولياء التلاميذ تشكك في مزايا هذه الخطوة، وتتفق في التأكيد على أن السلطة التنفيذية تخاطر كثيرا من خلال الإعلان عن عودة مبكرة. كل هذا لشهر واحد من الدراسة، في الوقت الذي كان فيه بالإمكان تأجيل العودة إلى المدرسة حتى شتنبر المقبل، عندما تقل حدة الأزمة الصحية.

ماذا عن 44 مدرسة فرنسية على التراب المغربي؟
لا أحد من البرلمانيين أو المسؤولين أو الإعلاميين الفرنسيين تناول وضعية أكثر من 370 ألف تلميذ يدرسون في مدارس البعثة الفرنسية عبر العالم، منهم 43500 تلميذ يدرسون في مدارس هذه البعثة البالغ عددها 44 مدرسة بالمغرب. خصوصا وأن عشرات الدول التي تحتضن هذه المدارس اتخذت سياسات خاصة بها مختلفة عن تلك التي تبنتها فرنسا لمواجهة انتشار وباء كورونا. فإذا كان توقيف الدراسة في المغرب وفرنسا جاء متزامنا تقريبا، بحيث لم تفصل بين القرارين سوى ثلاثة أيام، فإن قرار إعادة فتح المدارس سيشكل مشكلة كبرى في المغرب، لأن قرار توقيف الدراسة الذي اتخذته السلطات المغربية يشمل فقط المدارس العامة والخاصة بينما قرار توقيف الدراسة في مدارس البعثات اتخذ من قصر الإليزي.
اختلاف التدابير المتخذة لمكافحة الوباء بين المغرب وفرنسا، سيطرح علامات استفهام بخصوص وضعية الآلاف من التلامذة الموجودين على التراب المغربي والمشمولين هم أيضا بالحجر الصحي. مما يعني إمكانيتين: الأولى أن تتم إعادة فتح هذه المدارس للشروع في الاستراتيجية التي أعلنت عنها وزارة التربية الوطنية الفرنسية لاستدراك الامتحانات وإنجاز البرامج الدراسية. وهو ما سيعرض هؤلاء التلاميذ للخطر، خصوصا وأن أغلب هذه المدارس تقع في بؤر خطيرة لانتشار الوباء، وعلى رأسها (جهات الدار البيضاء بـ 12 مدرسة والرباط بـ10 مدارس وفاس 3 مدارس ومراكش ب4 مدارس). أو سيتم استثناء هؤلاء من العودة، وهو ما سيطرح مشكلة تربوية أخرى، عندما قررت فرنسا قبل أسبوعين إلغاء الامتحان النهائي لشهادة البكالوريا للموسم الدراسي الجاري بسبب تداعيات فيروس كورونا والحجر الصحي الذي يعيش فيه ملايين الفرنسيين منذ 17 مارس. وأعلنت وزارة التربية هناك أنه سيتم اعتماد النقاط التي حصل عليها الطالب خلال اختبارات السنة الدراسية، أي ما يعرف بالمراقبة المستمرة، على أن تستمر الدراسة إلى بداية شهر يوليوز. ويعد قرار إلغاء امتحان البكالوريا هو الأول من نوعه منذ تأسيس امتحان البكالوريا في فرنسا سنة 1808.
تعثر عمليات التقويم لتلامذة الباكلوريا في مدارس البعثة فوق التراب المغربي سيشكل مصدر مشكلات أخرى، خصوصا على مستوى مستقبل هؤلاء التلاميذ، لكون المدارس العليا الفرنسية لن تنتظر انتهاء رفع الحجر الصحي في الدول الفرانكفونية التي تحتضن مدارس البعثة لتنظم المباريات. المتفائلون يستندون إلى استثناء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مدارس البعثة الفرنسية بالمغرب، من الإجراءات المتخذة لمواجهة جائحة كورونا، والتي تتعلق بالدرجة الأولى بإغلاق كل المراكز التعليمية، من الحضانات وحتى الجامعات. إذ بحسب رسائل توصل بها آباء وأولياء التلاميذ المتمدرسين بمدارس البعثة الفرنسية، فإن القرار دخل حيز التنفيذ بالمؤسسات الواقعة على الأراضي الفرنسية، وهو ما سيطرح أكثر من علامات استفهام بعد فتح المدارس.
المسألة جد معقدة، إذن، إذ في حال تم تنفيذ مدارس البعثات الفرنسية بالمغرب لقرار إلغاء امتحانات البكالوريا وتمسك قطاع التعليم العمومي بالمغرب بإجرائها، فإن من شأن ذلك إعادة الجدل حول مسألة تكافؤ الفرص بين تلاميذ الفئات المتوسطة والبورجوازية، بينهم أبناء الوزراء وكبار المسؤولين والميسورين، وبين تلاميذ المؤسسات العمومية، ويطرح بالتالي إشكالية سير التعليم عندنا برأسين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق