الرأي

توأمة المدن

يونس جنوحي

بعض أخبار اتفاقيات توأمة للمدن المغربية تثير السخرية والاستغراب في صفوف المواطنين أكثر مما تثير التفاؤل كما يفترض فعلا أن تكون. إذ إن توأمة فاس، قبل بضع سنوات، مع إحدى عواصم أمريكا اللاتينية، أثار السخرية بدل أن يجعل أبناء المدينة يفتخرون بصيت فاس. إذ إن الشباب الذين يضطرون إلى الهجرة نحو المدن بحثا عن عمل في الشركات والمصانع لأن فاس تعيش كسادا اقتصاديا خانقا حذر منه المقاولون والجمعيات ولم يستمع إليهم أحد من مسؤولي المدينة.
بالإضافة إلى أن بعض الشراكات التي تعقدها مجالس الجهات، تثير هي الأخرى سخرية شبان المنطقة أنفسهم قبل غيرهم. مثل الاتفاقيات التي عقدتها منطقة الراشدية مع هيئات علمية في علوم الفضاء، إذ إن مسؤولين حكوميين، خصوصا لحسن الداودي عندما كان وزيرا للتعليم العالي، روج للاتفاق وكأنه سبق علمي مغربي أو إضافة نوعية إلى الحقل العلمي في التخصصات الجامعية المغربية. بينما الأمر يتعلق برغبة تلك المراكز الأجنبية في تطبيق تجارب محاكاة للنزول فوق المريخ، ولم يجدوا سوى تلك الجهة معتبرين أنها الأنسب لمحاكاة أجواء المريخ.
ولا حاجة هنا لشرح مميزات كوكب المريخ، فالكل يعرف أن هذا الكوكب، الذي بالكاد اكتُشف وجود الحياة فوق سطحه، لا يتوفر على أي إشارات لوجود أحياء أو فوقه. وهذه “التوأمة” العلمية بين الراشدية ومراكز البحث في أمريكا وأروبا الشمالية لا تعني سوى أن منطقة الراشدية تعيش في عزلة تامة ولا توفر لأبنائها أي مشاريع.
بينما هناك مدن أخرى تحتاج إلى توأمات حقيقية، لكنها لا تحظى للأسف بأي اهتمام دولي، والسبب أن مسؤوليها لا يراعون أصلا لا لتاريخها ولا لحاضرها. مثل مدينة تارودانت التي تتوفر على واحد من أقدم الأسوار في التاريخ، لكن لا أحد يفكر في استثماره سياحيا، بل إن هناك خروقات في عمليات بناء المنازل بجواره، ولا أحد يجد غضاضة في استغلال السور بل وحفر بعض أجزائه كما لو أنه بُني بالأمس.
كان حريا بمسؤولي المدينة والعاملين في مجال المجتمع المدني، أن يسارعوا إلى طلب عقد توأمة مع مدن عالمية لديها تجارب في صيانة الأسوار التاريخية التي لا يقل سور تارودانت ومكناس أهمية عنها.
من المثير فعلا التنقيب في موضوع التوأمة بين المدن المغربية والأخرى العالمية. إذ إن بعض المدن تستحق أن تكون لديها توأمة مع مناطق في المغرب، ليس للتشابه الحضاري فحسب، بل لأن هناك تاريخا منسيا يجمعها ببعضها، قبل حتى أن توجد بعض الدول التي تدعي اليوم أنها تقود العالم.
هناك مدينة صغيرة منسية في جنوب إسبانيا، مقابلة تماما للمغرب. وهي مدينة تاريخية قديمة تعود للعهد الروماني، وتحمل اسم “تينجينتره” حيث هناك كتابات قديمة جدا تعود لأربعين سنة قبل الميلاد، تؤكد أن تلك المدينة حملت اسم بطل اسمه “آنتي”، قُتل وتزوج هرقليس زوجته التي كانت تحمل اسم “تينجي”. والمثير أن هذه المدينة التاريخية تقع جغرافيا بشكل متساو مع طنجة المغربية، حيث لديهما نفس الإطلالة على البحر المتوسط.
ولو أن هناك توأمة تاريخية بين الموقعين التاريخيين، لكانت هناك اكتشافات تاريخية في طريقها إلى الظهور. والأهم أن هناك اتفاقيات سياحية كانت لترى النور وتعود بالنفع على بعض أصحاب المحلات الذين لا يزالون يبيعون للناس زرابي تحمل قصاصة “Made in China” ويقسمون أنهم حصلوا عليها للتو من قصر يوسف بن تاشفين في مراكش.
ومن المفارقات الغريبة فعلا، إقناع الناس هذه الأيام بضرورة تفعيل توأمة بين المدن المغربية والأخرى الأجنبية، وكل تفكيرهم الآن منصب حول ضرورة التوفر على الرخصة الاستثنائية للتنقل بين المدن المغربية فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى