الرأيزاوية القراء

تونس وأحزابها

مالك التريكي
في تونس اليوم أكثر من مائتي حزب سياسي (!) دخل منها إلى البرلمان حوالي عشرين، أمضى رئيس الحكومة المكلف، الحبيب الجملي، أسابيع طويلة في محاولات التفاهم مع بعض منها على تشكيل حكومة ائتلافية. ولكن أنانية هذه الأحزاب وكراهيتها بعضها بعضا كانتا من السوء، بحيث لم يظفر الرجل من كل هذه المحاولات بطائل. ولهذا استيأس من الأحزاب بأجمعها وباغتها بإعلان قراره تشكيل حكومة كفاءات من الشخصيات المستقلة. هذا هو الوضع السياسي في تونس اليوم: غزارة في الإنتاج الحزبي مع عجز في الأداء السياسي. أحزاب كثيرة، ولكن لا رأي. زعماء كثر، ولكن لا عزم… حتى لكأن الشاعر عبد المعطي حجازي قد عناهم عندما قال: هذا الزحام، لا أحد!
هكذا، في ظرف ستة عقود فقط، تمر تونس في مجال الحياة الحزبية من الاحتكار إلى الغزارة فالفراغ. ولا حاجة إلى التذكير بأهمية الأحزاب، بل ضرورتها، في هيكلة الأنظمة السياسية المعاصرة، وإنما حسبنا الرجوع مجرد خطوة في الزمن. إذ إن بعض الكلمات والعبارات لا تدل عند معظم الناس إلا على معناها العام المتعارف، ولكن هذه الكلمات والعبارات ذاتها قد يكون لها معنى أدق ووقع أخص عند جمع أو جيل معين. فكلمة «حزب»، على سبيل المثال، عامة المعنى وواضحة لدى الجميع، ولكن لها في مسامع جيلي، والأجيال الأسبق، من التوانسة جرسا مخصوصا. فقد عشنا، حتى مطلع الثمانينيات، زمنا كان يقال فيه: جاء «مسؤولو الحزب، وعقد اجتماع في «دار الحزب»، وطلبوا من المترشح لإحدى الوظائف «الاستظهار ببطاقة الحزب»، وحدث ذلك قبل أو بعد «مؤتمر الحزب» (وكانت المؤتمرات تعقد سنويا مرة باسم مؤتمر المصير، ومرة باسم مؤتمر الوضوح…الخ). بل إنه قد كان لنا أستاذ في التاريخ من آل الدريدي سماه التلاميذ «الدريدي حزب»، لكثرة اختلافه إلى دار الحزب وكثرة نشاطه في شعبته المحلية، وسفره إلى مركز الولاية (المحافظة) للمشاركة في اجتماعات «لجنة التنسيق الجهوية للحزب».
ولم يكن هنالك بالطبع مجال لتشابه الأسماء. فلا حزب إلا «الحزب». هو اللاعب وهو الحكم. هو الحاشد وهو الحاكم. امتزج بالدولة منذ الاستقلال امتزاجا تاما حتى شاع في أدبيات الباحثين وتقارير الصحافيين الأجانب الحديث عن سطوة «الحزب-الدولة». كان الحزب منبثا في جميع مسام الجسم الاجتماعي، وكان التأييد الشعبي له متوارثا منذ أيام الكفاح الوطني، كما كان بين الأجيال الصاعدة من انتمى إليه عن مبدأ أو طموح. كانت كلمة «الحزب» دالة بذاتها. حتى أن الاسم لم يكن يذكر كاملا في الإذاعة إلا في حصة البلاغات المحلية التي تعقب نشرة أنباء الظهر، حيث كان عبد المجيد بوديدح يستهل هذه البلاغات بعبارة: «الحزب الاشتراكي الدستوري»، قبل أن يسترسل في الإخبار عن الاجتماعات والأنشطة التي يوجه الحزب الدعوة إلى المواطنين لحضورها في مختلف أنحاء الجمهورية. أما البلاغات المحلية التي تعقب النشرة المسائية، فقد كانت أطول بحيث تتسع لتلاوة البيانات والتعبير عن المواقف. من ذلك مثلا أن أبناء جيلي كانوا يتندرون بأن البلاغات المحلية أوردت، في إحدى ليالي عام 1979، أن شعبة عفسة الحصان (التي لا وجود لها) تندد بالعدوان السوفياتي الغاشم على أفغانستان!
كما أن لكلمات وعبارات أخرى غير «الحزب» (مثل «محل شاهد» و«قافلة تسير» و«اشكي للعروي» الخ) وقعا، بل إن لها رنينا قد يستثير ذكريات وحنينا. على أن تلك هي بعض من دلالات مادة «ح ز ب» في قاموس المجتمع التونسي المعاصر، مما أوحته إلي المراوغة الرشيقة التي تمكن بها الحبيب الجملي من «لتكوير» بالأحزاب وتجميدها في وضع التسلل (أوف سايد). ورغم أن مثل هذه الدلالات والتفاصيل من منثورات العيش اليومي ومبعثراته لا تصادف في العادة انتباها من المؤرخين، فإنها من جنس ما اهتم به أستاذ الأنثروبولجيا التاريخية عبد الواحد المكني في كتابه الصادر هذا العام بعنوان «زمان الأبيض والأسود: توارخ وتآريخ». كتاب طريف يستعيد التاريخ الثقافي القريب والمعيش الاجتماعي الحي، استعادة سردية مقطرة مما حفظته الذاكرة الشخصية وأصّله الحس الشعبي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق