الرئيسيةبانوراما

جوّابو الآفاق.. كتابات استعمارية عن المغرب

إعداد وتقديم: سعيد الباز

كان المغرب منذ بدء المرحلة الاستعمارية مجالا خصبا للكتابة من قبل الأوروبيين مستكشفين ومغامرين وسفراء وفنانين وحتى الأسرى الأوروبيين الذين دوّنوا مذكرات أسرهم. زاد من هذا الاهتمام والولع الشديد أن المغرب ظلّ لأكثر من قرنين متمنعا عن كل اختراق لأرضه متبعا سياسة الانغلاق والاحتراز من أي تواصل مع العالم خاصة القوى الاستعمارية الوليدة. كلّ ذلك جعل من المغرب بلدا تلفّه الأساطير والكثير من الأسرار الحقيقية أو المتوهمة ألهبتها كتابات قليلة لكنها كانت كافية لتجعل منه موضوعا مغريا بالكتابة والاكتشاف. سعت الدول الأوروبية الطموحة إلى المزيد من المستعمرات والصراع في ما بينها إلى تشجيع مجال البحث والاستكشاف في كل ما يخصّ المغرب عن طريق مؤسسات وهيئات منظمة من أجل غاية واحدة، أن تساهم كل هذه الجهود في تسهيل عملية استعمار ما تبقى من شمال إفريقيا. هكذا توالت الكتابات والرحلات الاستكشافية إلى المغرب التي كان طابعها الأساسي كولونياليا بمظهر علميّ في شتى المجالات.

شارل دو فوكو: من ضابط استعماري إلى راهب مسالم
شارل دو فوكو (1883-1916) Charles de Foucauld من عائلة أرستقراطية توارثت المناصب الرفيعة في الجيش الفرنسي. عمل ضابطا في الجيش خلال الاحتلال الفرنسي للجزائر، وعرف عنه مغامراته النسائية وميله إلى حياة اللهو والمتعة ما كان سيعرضه إلى الطرد. لكنه قرر فجأة القيام برحلة استكشافية إلى المغرب بطريقة مغايرة لسابقيه تجنب فيها المدن والحواضر المعروفة واهتم بالمناطق المجهولة بالنسبة للأوروبيين في رحلة قصيرة وخاطفة تمتد لأحد عشر شهرا من يونيو 1883 إلى ماي 1884 متنكرا في زيّ يهودي صحبة دليل يهودي مغربي من «أقا» مردوخ أبي سرور. يقول عن ذلك: «ألقيت نظرة على الزي اليهودي. بدا لي أنّ هذا الأخير سيمكنني من المرور دون لفت انتباه أحد، وسيمنحني حرية أكبر. لم يخب ظني». نجح دوفوكو في رحلته «التعرف على المغرب» التي تعد أخطر ما كتبه الأوروبيون عن المغرب في دقتها ومعلوماتها الجغرافية الهائلة. بعد عودته عاش دو فوكو، ذو النزعة الوضعية في التفكير والكتابة، أزمة روحية اختار فيها حياة النسك والرهبنة حتى مقتله الغامض في جنوب الجزائر.
المغاربة.. صفات وطباع
… إنّ المغاربة قليلو الارتباط بأزواجهم عادة ويكنّون حبّا كبيرا لأولادهم. إنّ الإخلاص لأصدقائهم أجمل فضيلة يتحلّون بها ويمارسون هذا الإخلاص إلى أقصى الحدود: يجعل هذا الشعور النبيل الإنسان يقوم بأجمل الأعمال. في بلاد السيبة لا يوجد امرؤ لم يخاطر عدة مرّات بحياته لصالح أصحابه أو لصالح ضيوف بضع ساعات. إنّ الكرم –المتجسّد على الخصوص في استضافة الآخرين- ليس وقفا على مجموعة من سكان المغرب دون غيرها. يصف السكان الرحل عادة الشلوح بالشحّ والبخل ويتهم الشلوح الرحل بنفس الرذيلة: لكنني لم أشعر بتاتا بوجود فرق عميق بين الأولين والآخرين في هذا الموضوع. هناك بخلاء وناس أسخياء في أماكن أخرى حسب ما بدا لي: يستقبل عموما الأجانب بكرم في الأصقاع الغنية ولا يقدم لهم شيء في الأصقاع الفقيرة… ويوجد نفس التصرف عند الرحل. يتمتع المغاربة بنفس الكبرياء التي توجد عند جميع الناس، وهذا الشعور عند عرب الجنوب متطور جدا ويتحوّل في كثير من الأحيان إلى شهامة نبيلة… لا حاجة إلى القول إن هؤلاء الناس –الذين يقضون حياتهم حاملين السلاح- طيبون. هؤلاء الناس متشبثون باستقلالهم: لقد حصلوا على هذا الاستقلال عنوة ويدافعون عنه كل يوم من أيام العمر… مجازفين بحياتهم.
ص 180

دو فوكو ضايطا عسكريا : في الطريق إلى موغادور
23 يناير الذهاب في الساعة 9 يسترسل نفس السهل، حيث كنت منذ ما قبل الأمس، من هنا إلى «أكادير إغير» تكسوه المزروعات والمراعي، وتنتشر هنا وهناك السدرة. وقد انمحت أشجار الأركان. أصبح البلد خاليا في الساعة 10 و30 دقيقة، دخلنا في دغل من أشجار وأحراش، أشجار أركان صغيرة وعنب بري. وجدت على جانب البحر في الساعة 11، بعد اختراق بعض التلال الرملية علوها ما بين 8 إلى 10 أمتار. سرت محاديا للبحر حتى أكادير. يمرّ الطريق عند عالية المدينة في منتصف الطريق بينها وبين فونتي Founti: هذا الأخير كَفْرٌ بائس يتكوّن من بضعة أكواخ للصيادين، وأكادير –رغم سورها الخارجي المجيّر الذي يضفي عليها مظهر المدينة- بلدة فقيرة هجرها السكان وبدون تجارة حسب ما قيل لي. اتبعت الشاطئ انطلاقا من هنا، سائرا عند منتصف الجرف الذي يحدّ هذا الشاطئ، ليس الجرف عاليا ولا وعرا جدا: إنّه حافة محجوجرة وصخرية في بعض الأحيان، تكسوها الأحراش والمراعي وتطغى فيها السدرة والتسووت. حوالي الساعة 1 و45 دقيقة سرت في اتجاه السافلة لأخترق عصف تمراغت Tamraght على بعد أمتار من مصبه: تكثر المزروعات في واديه وترى فيهن على مسافة ما، عدة قرى… في الساعة 3 و45 دقيقة… تبدو عدة بنايات منعزلة ومجموعات من المساكن. توقفت عن السير في الساعة 4، عند إحدى البنايات. أولى هذه البناية «نزالة». يطلق هذا الاسم على مواقع تسكنها عائلات ذات ارتباط بالمخزن يجب عليها ضمان أمن الطرق ويرخّص لها المخزن بتحصيل مكوس مرور ضئيلة. توجد هذه النزالات في عدد قليل من القبائل الخاضعة للسلطان: لا تضمن هذه النزالات إلّا أمنا جزئيا، لا يتجرأ الأجانب على السفر فرادى هنا كما هو الأمر في جهات أخرى. سأبقى في أراضي حاحا بعد دخولها هذا الصباح عند أكادير وسأبقى في هذه الأراضي حتى وصولي إلى موغادور.
ص 246

إدمون دوتي.. السوسيولوجيا وأنثروبولوجيا الدين في خدمة الاستعمار
إدمون دوتي (1867-1926) Edmond Doutté سوسيولوجي فرنسي يعتبر من مؤسسي أنثروبولوجيا الدين الكولونيالية. ظل وفيا لأستاذيه هنري باسيه وأوجست مولييراس وهما من أهم رواد المدرسة الكولونيالية في الجزائر. قام بالعديد من الرحلات الاستكشافية والاستطلاعية إلى المغرب حيث ربط علاقات مباشرة بأعيان المناطق التي جعلها مجالا لبحثه السوسيولوجي والأنثروبولوجي، ساعده في ذلك معرفته اللغوية واطلاعه الواسع على تاريخ المغرب. انصبّ اهتمامه في بحثه على التمهيد للاحتلال الفرنسي للمغرب بأسهل السبل وأقربها بأقلّ الأضرار والخسائر الممكنة.
الزطاط
لا يمكن في المغرب حاليا أن تنتقل من قبيلة إلى أخرى دون «زطاط» أي حارس القافلة إلّا بمقابل، وبمجرّد أن يوصلك إلى القبيلة الأخرى يسلّم المهمة زطاط آخر، وهكذا دواليك. ويجلب الزطاطة مداخيل كثيرة إلى العديد من الصلحاء باعتبار أن الاحترام الذي يحيطون به كفيل بضمان أمان المسافرين، وقد أصبحت الزطاطة في المغرب مؤسسة حقيقية لا يمكن بدونها السفر، والصلحاء الذين يمارسونها تتضاعف مداخيلهم وهذا تصرّف قديم حيث قال ليون الإفريقي بأنّه إذا أراد أحد الأشخاص الذهاب من مكان إلى آخر يجب أن يأخذ معه حراسا من أهل الدين أو امرأة من القبيلة المعادية (أي القبيلة المجاورة عموما العدوة التي سيعبرها).
الصلحاء ص 130
مدلول كلمة مرابط
كان أوائل هؤلاء الأشراف مرابطين مجاهدين بحيث إنهم اكتسبوا حظوتهم من جهادهم ضد البرتغاليين، كما يدينون بتألقهم وإشعاعهم إلى نجاحهم في طرد الكفار من أرض الإسلام. لكن، وبعد انتهاء المرحلة البطولية تلك، كفّ دعاة جنوب المغرب الذين ذهبوا لنشر الإسلام في سكان المغرب، عن أن يكونوا مجاهدين بل تحولوا فقط إلى دعاة لنهضة دينية حديثة في إفريقيا الشمالية، وأصبح الرباط القوي مؤسسة دينية حقيقية، أي: زاوية.
مدلول كلمات «سي» و«لالة» و«دادة»
كلمة «سي» ترخيم أو اختصار لسيدي خاصة بـ«المثقفين» أو من يسمون عموما في المغرب فقهاء…
والكلمة الأكثر تشريفا للمرأة في شمال إفريقيا هي لالّا، أو لالة (سيدة) المخصص لكل الصلحاء، وبدون أدنى شك فهو اسم بربري، لأننا لا نجد له أي استعمال في المشرق باستثناء مصر التي يمكن أن يكون البربر قد أثّروا فيها فنقول في مصر يا ليلي: بمعنى يا سيدتي.
ونجد مقابلا للكلمة لالة في كلمة «دادة» وهو عند الشاوية يعني «الأب» وفي «الشلحة» عمّي، وتعني كلمة دادة في جرجورة «البكر» وبالتالي المحترم.
الصلحاء ص 53
ص 61 ص 62
صلحاء المدن الكبرى..
… هكذا عاش سيدي بلعباس السبتي… بالمغرب في القرن الهجري السادس وبه توفي ودفن، ولم يكف طيلة حياته ومماته على حماية سكان مدينة مراكش والمغرب عموما، وظهر سيدي بلعباس أثناء المعركة الشهيرة للملوك الثلاثة (4 غشت 1578م) التي سيسميها المؤرخون العرب معركة واد المخازن في حين يسميها المؤرخون البرتغاليون: معركة القصر الكبير التي توفي بها ملكان مغربيان وملك برتغالي، في أعين الكل وسط الزحام راكبا فرسا رماديا يشجع المحاربين.
وسيدي بلعباس ليس وحده هو حامي مدينة مراكش، بل يتقاسم هذه الحماية مع ستة أولياء آخرين ولهذا تسمّى عند العموم مدينة سبعة رجال. وهكذا سنجد كل الأولياء المحليين الذين نجدهم في الإسلام المغاربي هم سادة حقيقيون للبلاد، يحمون المدينة وضواحيها والدشرة البسيطة المدفونين فيها.
الصلحاء ص 82

ضومنغو فرانثيسكو باديَّ: جاسوس في صفة مسلم
ضومنغو باديّ (1767-1818) Domingo Badia مغامر إسباني استطاع إقناع البلاط الإسباني بمساعدته للقيام برحلة استكشافية إلى المغرب ومحاولة التسلل إلى مراكز القرار واكتساب ثقتها. كانت خطته محكمة فقد ادعى أن اسمه علي باي العباسي من أسرة أشراف في حلب تعود في أصلها إلى بني العباس. كان يدرس بأوروبا ففقد الكثير من أمور دينه، وأنه أتى إلى المغرب ليستزيد من معارفه في الدين قبل القيام برحلة إلى الحج. قام ضومنغو بعملية ختان أجراها له يهودي وارتدى ملابس تركية. نجح ضومنغو في البداية نجاحا مبهرا فقربه إليه السلطان مولاي سليمان، لكن حذره الشديد لم يمنع الشكوك من أن تثار حوله لذلك سارع إلى اتخاذ قرار القيام برحلة للحج. وفي آخر كتابه «رحلات عبر المغرب» نفهم أن السلطات في المغرب قد تنبهت إليه وأنه قد طرد بشكل عنيف ومهين. ضومنغو مع ذلك سينجح في أن يكون من أوائل الأوروبيين الذين قاموا برحلة الحج إلى مكة وكتبوا عنها.
(مقتطفات)
لا اعتبار في الحروب الإفريقية للمشاة، والأمراء لا يقيّمون قوّتهم إلّا بالخيول، وارتكازا على هذا المبدأ، فإنّ المغاربة يسعون إلى امتلاك كل المهارات الممكنة في ركوب الخيل. يتدرّب في طنجة بشاطئ البحر، عبر ممارسة سباقات الخيول على الرمال المبللة بعد الجزر. كثرة التدريب هذا يصيّر المغاربة فرسانا جد بارعين… تنفّذ خلال ذلك التدريب العسكري مناورة واحدة، حيث ينطلق ثلاثة فرسان أو أربعة، أو أكثر جميعا مصدرين زغاريد هائلة، ويطلقون –عند اقترابهم من نهاية السباق- النار من بنادقهم في فوضى، وأحيانا يجري الواحد منهم خلف الآخر، متصايحين دوما، وعند وشك الاقتراب منه يطلق عياره الناري بين قائمتي الخيل.
… تكتيك المغاربة في المعارك هو ذاته دوما، ويتلخّص في الاقتراب من العدو مسافة خمسمائة خطوة، ثم الانتشار بحركة مباغتة، ويسعون إلى تحقيق أكبر مواجهة ممكنة، ثم يندفعون عدْواً بأقصى ما في قوتهم، وهم يصوّبون بنادقهم. وعند الوصول إلى نصف المسافة، يطلقون الرصاص، ويكبحون جماح حصانهم بقوة، مع إحكام قبض العنان، ثم يديرون الظهر ويتراجعون بالخفّة ذاتها. ثمّ يعاودون الكرّة دوما راكضين، فإن تراجع العدو، فإنّهم يواصلون إطلاق النار وربح الأرض متقدمين. لكن المعركة إذا احتدمت أكثر، وكان لزاما أن يشهر السيف، فليتخيّل انزعاج رجالٍ لا نظام حربيّ لهم، يقبض كلّ واحد منهم باليسرى على اللجام وبندقية طويلة، وباليمنى على السيف ! في مثل هذه الحال، يضعون البندقية على قربوس السرج، وبهذه الصيغة يشغل كل فارس جبهة لأثر من اثنين، ويبقى دون حماية من الجناحين، حينئذ ماذا سيكون أثر خط حربي أوربي على مثل هذا النوع من الفصائل الحربية ! لهذا السبب، يتفادى الجيش المغربي، متى استطاع إلى ذلك سبيلا، الالتحام بالسلاح الأبيض، لأنّ تفوّقه يعتمد على سرعة الهجوم والانسحاب، وعلى مهارة استعمال البنادق. لأنّ السيف لا يلجأ إلى استعماله إلّا عند استنفاد كلّ الوسائل القتالية الأخرى.
ص 22 ص 197 و198
… وأخيرا أعلنت أنني سأحجّ إلى مكة، وقد كانت لي في هذا الشأن مذاكرة مع السلطان، ومولاي عبد السلام، وأصدقائي، الذين سعوا لثنيي عن القيام بهذا السفر المضني. لقد قالوا إنّ السلطان نفسه لم يقم به، وأنّ الدين لا يلحّ أن يقوم الفرد به شخصيا، وأنّه يمكنني أن أنيب عنّي شخصا آخر، بأن أؤدي عنه مصاريف الحجّ وأنّه بهذه الطريقة سيكون لي الفضل ذاته لدى الإله. هذه الأسباب وأسباب أخرى نسيتها، لم تكن قادرة على أن تجعلني أغيّر قراري.
إنّ السلطان ذاته الذي كان يرغب من صميم قلبه أن يبقيني معه، جاءني يوما ببيتي مصحوبا بأخيه مولاي عبد السلام، وابن عمه مولاي عبد الملك، وكل بلاطه. دخل بيتي على الساعة التاسعة صباحا، ولم ينصرف حتى الرابعة والنصف مساء. وخلال هذا الوقت تمّ التطرق مرّات عديدة إلى موضوع سفري، لكنّني بقيت مصمما غير مبدّل لرأيي. لقد قدمت لهم وجبة لدى وصولهم، وأخرى لدى انصرافهم. ورغبة من السلطان في أن يبرهن لي عن عطفه وثقته المطلقة بي، أكل خلال الوليمتين معا، وشرب القهوة والشاي، ومشروب الليمون عديدا من المرات، وكتب ووقّع الأوامر اليومية فوق مكتبي الخاص، وعاملني كأخ محبوب…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى