شوف تشوف

الرأيالرئيسية

حديث ذو «سجون»

شدني كتاب «أسير حرب» للطيار المغربي عثمان علي، خاصة في شهر رمضان حين يصبح طقس القراءة الذي أقوم به كل مساء على حافة السرير، سفرا بلا تأشيرة ولا حواجز إلى زمن مضى دون أن تنمحي خدوشه.

مقالات ذات صلة

ما أن تنتهي من التهام سطوره، حتى تدخل عالم أسير مدني يدعى عبد الله لماني، وتتقاسم معه مرارة الاعتقال في سجون البوليساريو، من خلال سيرته الدامية: «الرعب». تستعجل القراءة لأنك تعلم أن كتابا آخر ينتظر في الرفوف ليكتمل المشهد المرعب.

«25 عاما في معتقلات تيندوف» للطيار المغربي علي نجاب، تحليق منخفض فوق سجون علقت في مدخلها لافتة تختصر المشهد: «ضع كرامتك في الباب وادخل». طبعا هناك كتب أخرى تروي محن معتقلين مغاربة غادروا سجون الانفصاليين دون أن تغادرهم.

في أدب السجون حديث عن السجانين عن الجلادين عن المحققين عن الهاربين عن المعذبين خلف القضبان، لكن هناك للرياضة موقع قدم، فهي تصر على أن تزرع في هذا الفضاء المرعب قيمها ضدا عن السجان.

يروي عبد الله لماني قصة مباراة في كرة القدم جرت بملعب النخيلات المترب في الرابوني، فيقول:

“في صيف سنة 1986 علم قياديو البوليساريو بما حققه المنتخب المغربي في مونديال المكسيك، اكتشفوا أن المغاربة تسكنهم موهبة الكرة، فقرر عمر الحضرمي وكان حينها مديرا للأمن العسكري، تنظيم مباراة في كرة القدم بين معتقلين مغاربة ومجندين من البوليساريو، أحضر لنا أقمصة حمراء وتحول إلى حكم للفصل بين السجين والجلاد، انتهت المباراة بانتصار المغاربة بسداسية وشهدت دقائقها الأخيرة انضمام الحضرمي لخط دفاع المغرب، حينها أيقنت أن الرجل يفكر جديا في الهروب مثلنا وهو ما حصل بعد ثلاث سنوات عن هذه المباراة”.

كان فريق المعتقلين المغربي يضم في صفوفه لاعبين سابقين في البطولة الوطنية، كحارس اتحاد ورززات ومهاجم فريق القوات المساعدة وجناح اتحاد أسفي، لكنه لا يملك مدربا أو مشجعا أو معالجا.

في معتقلات البوليساريو الرهيبة كان الطيار الأسير، حسن المرضي، حريصا على إجراء حصصه التدريبية في الزنزانة، وكان يستعين بحبل لنفض غبار التثاؤب، ولأنه كان بطلا في الماراثون يجد متعة في طي المسافات حين كان يافعا يركض في جبال الأطلس، فقد قرر الهروب ركضا من الرابوني إلى أقرب نقطة عسكرية بالمحبس.

يتحدث علي نجاب عن قدرة هذا البطل على تحطيم رقم قياسي عالمي، حين قطع مسافة 92 كيلو مترا في 12 ساعة، وسط صحراء مزروعة بالألغام. وحين تراقصت أمام عينيه راية المغرب نزع قميصه ولوح به في السماء قبل أن يسقط عند خط الوصول.

حقق المرضي معجزة حين نجحت محاولة الفرار، وتمكن من قطع المسافات بركض الأبطال بلا ماء ولا ذخيرة، بينما فشل زميله أستاتي حين قاد المحاولة الأولى ووجد نفسه في عداد المفقودين.

كان اسم أسطورة ألعاب القوى حاضرا في مخيمات العار، كلما أدين مغربي بمحاولة الهروب، يردد على مسامعه المحققون عبارة: «لست سعيد عويطة». لقد كانوا يعلمون أن البلد الذي أنجب الراضي وجادور وعويطة قادر على إنجاب أبطال قادرين على العودة إلى الوطن ركضا ضدا على ثعالب الصحراء.

كلما اعتزل نجم رياضي جزائري إلا وشد الرحال صوب مخيمات تندوف ابتغاء رضا حكام بلاده، ففي هذا الربع الصحراوي يغسل ذنوبه ويستخلص شهادة «حسن السيرة والسلوك»، ويعلن نفسه مواطنا كامل التدجين. فقد حلت العداءة الجزائرية حسيبة بولمرقة بالمخيمات، وتلاها مجيد بوقرة، مدرب المنتخب الجزائري لكرة القدم، وسليمة اسواكري، بطلة الجيدو، وقيل إنهم سفراء للنوايا الحسنة، التقطوا صورا مع الأطفال ودونوا احتياجاتهم ثم غادروا الرابوني بلا رجعة وتبين أنهم سفراء للنوايا السيئة.

حسن البصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى