حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

حربائيات سياسية

للفساد، في نسخته السياسية المتطورة، فضيلة لا ينبغي إنكارها: إنه لم يعد يخجل من نفسه. بل لعل الخجل صار، في بعض الأوساط، علامة على نقص الخبرة. فالسياسي، الذي كان يخشى قديما أن تنكشف صفقاته أو تتسرب أخبار وساطاته، أصبح أكثر تصالحا مع ازدواجية مثيرة للإعجاب؛ يمارس ما تيسر من النفوذ في الظل، ثم يخرج إلى الضوء ليطالب، بصرامة أخلاقية مهيبة، بتخليق الحياة العامة.

المسألة هنا ليست نفاقا بالمعنى البسيط للكلمة. النفاق توصيف أخلاقي فقير أمام ظاهرة أكثر تعقيدا: القدرة على الفصل التام بين السلوك والخطاب، كأن صاحبهما شخصان لم يسبق أن تعارفا. يد قد توقع ما ينبغي ألا يوقع، وهاتف قد يفتح الأبواب لمن يستحق ومن لا يستحق، وشبكة من المصالح تنمو بهدوء حول صاحب النفوذ؛ ثم، في المساء، بدلة داكنة، وربطة عنق منتقاة بعناية، ووجه شديد الاكتراث بمصير الديمقراطية.

وعندما تشتعل أضواء «البلاطوهات» تقع المعجزة.

يصبح الزبون حارسا للاستحقاق، وصاحب الامتياز مدافعا شرسا عن تكافؤ الفرص، ومن راكم النفوذ يحذر من استغلال النفوذ. وإذا بلغ النقاش موضوع المال السياسي، ارتفعت حرارة الوطنية فجأة، وأرغد الرجل وأزبد، حتى يكاد المشاهد يخشى على نزاهة البلاد منه شخصيا، قبل أن يتذكر أن الرجل إنما جاء، حسب الظاهر، للدفاع عنها.

في السياق المغربي، تزداد هذه المفارقة طرافة كلما اقترب موعد انتخابي. فقبل الانتخابات بأشهر، تبدأ سوق الفضائل في الانتعاش. تصبح النزاهة مفردة رائجة، ويكتشف الجميع، في توقيت متزامن على نحو يثير الإعجاب، أن شراء الذمم خطر على الديمقراطية، وأن استعمال المال لإفساد الاختيار الشعبي جريمة سياسية وأخلاقية.

لا أحد، بطبيعة الحال، يشتري الذمم. الآخرون فقط يفعلون ذلك.

وهذه إحدى عجائب العقل السياسي: قدرته الخارقة على رؤية فساد الخصم بدقة مجهر إلكتروني، والعجز الكامل عن ملاحظة ما يجري داخل محيطه الخاص. فالزبونية، عندما يمارسها المنافس، فساد؛ وعندما يمارسها الصديق، تصبح «خدمة للناس». والمحسوبية عند الخصوم اغتيال للكفاءة، أما عند الأقربين فهي مجرد صدفة سعيدة جعلت الأكفأ دائما ابن العم أو الصديق أو صاحب الهاتف المناسب.

هكذا لا يعود الخلاف حول المبادئ، بل حول ملكية الخطيئة.

ولذلك ربما أخطأنا حين تصورنا أن الخطاب الأخلاقي نقيض الفساد. أحيانا يكون جزءا من أدواته. فالفساد الأكثر ذكاء لا يكتفي بتحصيل المنافع؛ إنه يحتاج أيضا إلى إنتاج روايته الخاصة عن نفسه. يحتاج إلى أن يبدو محترما، وأن يتحدث بلغة القانون، وأن يطالب بالشفافية، وأن يندد، عند الضرورة، بانحطاط الممارسة السياسية. إنه يريد الغنيمة والشرعية معا؛ يريد أن يستفيد من اختلال القواعد، ثم يقف أمام الجمهور شارحا أهمية احترامها.

وفي السينما، تختصر السخرية أحيانا ما تعجز عنه مجلدات علم السياسة. ففي لقطة من فيلم «الجردل والكنكة»، يقدم عادل إمام نفسه مرشحا حزبيا لأحد الفقراء في أحياء الصفيح. لا يدخل الرجل معه في نقاش حول الوساطة الحزبية، ولا يطالبه ببرنامج انتخابي، ولا يستفسر عن رؤيته للعدالة الاجتماعية. ينظر إليه ويطرده ببساطة: «امشي من هنا يلا».

قد تبدو العبارة سوقية، لكنها في جوهرها حكم سياسي بالغ الفصاحة.

ذلك أن أخطر ما يمكن أن يصيب السياسة ليس غضب المواطن منها، بل سقوطها من اعتباره. الغاضب ما يزال ينتظر شيئا؛ أما الساخر فقد تجاوز مرحلة الانتظار. وحين تتحول الخطب والوعود وشعارات التخليق إلى مادة للتهكم الشعبي، فإن الأزمة لا تعود أزمة تواصل، كما يحب بعض السياسيين تسميتها، بل أزمة مصداقية لا تصلحها المزيد من البلاغة.

والمواطن المغربي، الذي راكم بدوره خبرة طويلة في مواسم السياسة، لم يعد بالضرورة ذلك المتلقي الساذج الذي يفصل بين الكلمات وسيرة أصحابها. إنه يعرف أن النزاهة لا تثبت بكثرة التلفظ بها، وأن من يطالب بربط المسؤولية بالمحاسبة يثير تلقائيا سؤالا بسيطا ومزعجا: جميل، فلنبدأ.

وهنا تحديدا يصبح الشعار خطرا على صاحبه.

لأن «ربط المسؤولية بالمحاسبة» ليس حكمة تعلق خلف المتحدث في الاستوديو، بل قاعدة إذا أخذناها على محمل الجد قد تقودنا إلى أماكن لا يرغب بعض أكثر المتحمسين لها في زيارتها. والمفارقة أن الخطاب السياسي يرفع أحيانا سقف الأخلاق إلى الحد الذي يصبح معه تطبيقها الفعلي عملا تخريبيا بالنسبة إلى من رفعوا السقف.

لهذا، ونحن نقترب من استحقاقات انتخابية جديدة، ربما لا يحتاج المجال العام إلى المزيد من الوعظ حول المال السياسي. لقد سمع المغاربة ما يكفي من المواعظ. ما يحتاجونه هو شيء أكثر بساطة وأشد إزعاجا: أن تتطابق الكلمات، ولو قليلا، مع أصحابها.

فالسياسة تستطيع احتمال خصم سيئ الخطابة، ومرشح محدود الكاريزما، وحتى برنامج انتخابي ممل. لكنها لا تستطيع إلى ما لا نهاية احتمال رجل يقف فوق أنقاض الثقة، يرفع سبابته في وجه المواطنين، ثم يلقي عليهم محاضرة طويلة في أسباب انهيارها.

عندها يصبح الرد الأكثر بلاغة، ربما، هو نفسه رد صاحب الصفيح:

«امشي من هنا يلا».

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى