الرأي

رجال قرب البحر

يونس جنوحي
قبل 234 سنة من اليوم، كان الجيش المغربي يتدرب في سواحل طنجة على مهاجمة السفن التي تعبر في اتجاه مختلف أنحاء العالم قادمة من الشرق. وهؤلاء المتدربون كانوا تلاميذ في مدرسة عسكرية أنشأها المغرب للدفاع عن الحدود البحرية من غارات الإسبان والبرتغال وحتى الإنجليز. وكان أحد الباشاوات المغاربة، أشار إليه المؤرخون باسم القايد أحمد، هو الذي يغامر بحياته ويذهب لمفاوضة ربابنة تلك السفن مخافة أن يكون فيها مهاجمون للسواحل المغربية. وفي ذلك الوقت لم يكن أعوان السلطة يحصلون على التقاعد إلا نادرا، فقد كانت نهاية هذا الباشا أنه توفي في إحدى مهامه بنواحي مدينة فاس، عندما كان مكلفا باستتباب الأمن.
وبعد مجيء عهد محمد بن عبد الله الشريف، وهنا مربط الفرس، تقوى هذا الجيش وأصبحت المدرسة العسكرية التي يتدرب فيها الجنود البحريون نظامية، وترقى القايد عبد الصادق بن أحمد الريفي إلى رتبة عامل على طنجة، وكان من المهام التي أوكلت إليه الاهتمام بشؤون تلك المدرسة التي كانت الأولى من نوعها في شمال إفريقيا. وحسب ما يتوفر من معطيات خصوصا في مؤلفات المؤرخ المغربي أبي القاسم الزياني الذي دون وقائع فترة حكم محمد بن عبد الله، فإن هذا العامل دخل السجن لاحقا بسبب المؤامرات، بعد أن اشتغل لسنوات في تكوين هذا الجيش حيث كان ينظم أزيد من ثلاثة آلاف جندي لحماية السواحل المغربية من السفن الأجنبية والغارات.
ولم تكن هناك أي أولوية وقتها لفرنسا في الجدول المغربي. إذ أن اتفاقيات السلام التي وقعها المغرب قبل سنة 1727، كانت بالأساس مع بريطانيا وألمانيا وهولندا وإسبانيا.
حدث هذا في عهد لم تكن هناك بعدُ دولة اسمها الجزائر. بل كانت هناك مدينة بهذا الاسم يستعمرها العثمانيون دون أن تتوفر لديهم أي وثائق أو اتفاقيات مع أي جهة بخصوص حدود هذا البلد.
وعندما جاءت فرنسا لتوقع سنة 1830 ترتيبات تسلمها البلاد، لم تكن هناك أي حدود برية متفق عليها، خصوصا في الحدود مع المغرب. وإنما وضعت الحدود في أقصى الأماكن التي وصل إليها الجيش الفرنسي فقط.
وفي ذلك الوقت، كان أحفاد عبيد البخاري قد استقروا نواحي العرائش، وقرروا العيش بعيدا عن الحروب بعد أن كان أجدادهم نواة واحد من أقوى الجيوش في تاريخ المغرب. واليوم توجد قرية منسية يعيش فيها أحفاد جيش البخاري ويتوزعون بين العمل في المعامل وممارسة الفلاحة البسيطة لإطعام أبنائهم.
ومن مكر التاريخ، أن سلطات مدينة طنجة هذه الأيام، قامت بمبادرة وضع تماثيل للمغاربة القدامى بلباسهم البسيط، قرب مدافع أحد أسوار المدينة العتيقة التي شارفت عمليات الترميم بها على الانتهاء، حيث كانت نماذج لثلاثة رجال مغاربة ينحني أحدهم على المدفع الذي يعود إلى تلك الفترة، في تخليد لعملية شحن المدافع بالكرات الحديدية والبارود. وتبقى صورة هذه المجسمات التي تحاكي عملية حماية السواحل قبل قرنين، للرجال المطلين على البحر، أبلغ من أي نص تاريخي أو وثيقة.
عندما يتم فتح المكان أمام عموم المغاربة والسياح لكي يروا تلك التماثيل التي تؤرخ لعملية ضرب السفن المشبوهة التي تمر من السواحل المغربية، على يد المغاربة القدامى الذين انخرطوا في تلك المدرسة العسكرية قبل قرنين ونصف تقريبا، فإن الأمر سوف يكون تكريما غير مسبوق لما قام به أجدادنا قبل أن تولد بعض الدول. وما يؤكد مكر التاريخ، أن هذا كله يصادف هذا الأسبوع ذكرى حرب الرمال ضد الجزائر التي خاضها المغرب دفاعا عن الحدود الشرقية، والتي انطلقت في مثل هذه الأيام من أكتوبر 1963، حيث تؤكد الوثائق المغربية والأجنبية الخاصة بالبعثات الدبلوماسية، أن الجزائريين هم الذين تخطوا المنطقة الحدودية التي رُسمت بالاتفاقيات المبرمة مع المسؤولين الجزائريين بعد الاستقلال. بينما تعكف الصحافة الجزائرية كل عام إخراج رواية «تحرش» مغربي بالمنطقة الحدودية، رغم أن التاريخ قال كلمته في هذا الموضوع قبل 58 سنة. ولا زال أحفاد الذين تورطوا في هذه الحرب يؤدون الضريبة من خبزهم كل يوم لأصحاب البذل الداكنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى