شوف تشوف

رسالة اعتذار إلى دونالد ترامب

 

سيدي الرئيس

في هذه الظروف العصيبة التي قررتم فيها كشف القناع عن هذا العالم العربي الجبان، بإعلانكم القدس عاصمة لحليفتكم إسرائيل، دعوني أصارح سيادتكم بأنني أحيانا أتساءل مع نفسي لماذا خلقنا الله في الكوكب نفسه معكم أنتم الأمريكيين. نحن الشعوب المتخلفة التي أهم صادراتها هي الجراثيم والأمراض والديون، حيث الحكومات المزيفة والسياسيون المداهنون والمثقفون المتملقون.

كيف نسمح لأنفسنا، نحن نفايات هذا العالم وحثالاته، بالعيش معكم تحت السماء ذاتها دون أن نخجل من أنفسنا حتى الموت، أنتم الذين اخترعتم كريمات مضادة لسرطان الجلد بعدما ثقبتم السماء بأدخنة مصانعكم فأصبحت الشمس بسببكم أكثر عدوانية من السابق.

أنتم الذين حررتم العبيد السود بعدما تقاضيتم ثمنهم في الأسواق، وقضيتم على ملايين الهنود الحمر لتحموا العالم الجديد من الوحوش. أنتم الذين شيدتم للحرية تمثالا شامخا ينتهي، لسوء الحظ، بشعلة خامدة.

أصدقاء الشعوب الجائعة أنتم بفضل الزيت وحبوب الصوجا، وأصدقاء الأنظمة الدموية بفضل السلاح والديون. أنتم ضامنو الاستقرار للدول الوديعة التي تضبط منبهاتها على التوقيت العالمي الجديد. أنتم حماة الأنظمة من الديمقراطية التي تطالب بها الشعوب الأمية التي لا ترى الذهب الذي يلمع في خاصرة الصمت.

ناكرو جميل نحن، نحن الذين اشتدت سواعدنا بفضل حليب الولايات المتحدة الأمريكية الذي لا يباع ولا يشترى. نحن الذين قاومنا الانقراض بفضل لقاحات منظمة الصحة العالمية ضد السل والملاريا والحمى النهرية.

كيف كنا سننجو من السعال الديكي والجذام والسل لولا رحمة أمريكا بنا، نحن الذين نكرهها ونحلم بالهجرة إليها. نفكر بتدميرها ونخطط للحصول على بطاقة الإقامة بها. نتقاضى رواتبنا بعملاتنا الوطنية التافهة ونتخيلها بالدولار. يكفينا فخرا سيدي الرئيس أن بلادكم العظيمة تتواضع وتستودعنا نفاياتها النووية، فأقصى ما يمكن أن نكونه في هذا العالم العربي هو مزبلة واسعة من المحيط إلى الخليج. سيدي الرئيس، أعطيتمونا السلاح لنصفي حساباتنا مع جيراننا فنسينا وأدرنا أسلحتنا نحوكم.

أعطيتم شبابنا منحا لتعلم اللغة الإنجليزية في جامعاتكم واستقبلتموهم في مدنكم فنسوا اللغة وتعلموا قيادة الطائرات، وعندما حصلوا على رخص القيادة بدؤوا يجربون المرور بالطائرات بين ناطحات السحاب والارتطام بالعمارات.

كم أنتم طيبون يا فخامة الرئيس، تمنحوننا القروض فنتأخر في الدفع، فتعيدون جدولة ديوننا، ولطيبة قلبكم تمنحوننا قروضا إضافية حتى نغرق في ديوننا إلى أبد الآبدين.

ترسلون إلينا القمح وعضلات «سطالون» وغنج «شارون ستون»، فنتهمكم بالإمبريالية وقلة الحياء، نحن الذين تزدحم شوارعنا بالعاهرات اللواتي لوفرتهن صرنا نفكر لهن في حزب سياسي يمثلهن في البرلمان.

سيدي الرئيس، أنتم تعاقبون وأنتم تجازون، ترمون أكياس الطحين والذرة بيد وباليد الأخرى ترمون صواريخ «كروز» و«طوما هوك» والقنابل الفسفورية.

تدخلون إلى حلفكم المقدس من تشاؤون وتطردون عنه من تشاؤون.

أنتم القادرون على تحويل العساكر المخصيين إلى حكام أبديين ضدا على شعوبهم، أنتم القادرون على إسقاط العروش على رؤوس الجالسين فوقها، أنتم الوحيدون القادرون على إهدار دمائنا الرخيصة وطلبنا جميعا أحياء أو أمواتا للوقوف صاغرين أمام عدالتكم القاهرة.

 تجاوزوا عن شعوبنا غرورها واعتدادها بعروبتها، تجاوزوا عنا قسوتنا، نحن الذين شيدنا المعتقلات السرية لنختطف ونعذب فيها بعضنا البعض، ولم نستمع لنداء منظماتكم الإنسانية الدافئ ولا لنحيب الأمهات الباكيات اللواتي لم يحصلن جزاء شقائهن الطويل ولو على جثث أبنائهن.

 أعرف يا سيادة الرئيس أن سمعتنا لديكم أكثر سوادا من وجه «كولن باول» وملفاتنا منتفخة بالجرائم أكثر من عجيزة «مادلين أولبرايت»، لكننا نأمل أن تكون رحمتكم بنا أوسع من صدر «باميلا أندرسون».

إلى متى سنظل نبحث عنكم فخامة الرئيس كلما اقتحم أحد حكامنا خيمة الحاكم الذي يجاوره ليسطو على نسائه وآبار نفطه وقطعان ماعزه ؟

 إلى متى سنظل نستنجد بمجنداتكم السمينات ليراقبن مضخات نفطنا وغازنا ولينظمن طوافنا حول الكعبة مثلما ينظمن طوافا للدراجات ؟

إلى متى سنظل محتاجين إلى مراقبيكم الأمميين وقبعاتكم الزرق كلما فكرنا في تنظيم انتخاباتنا المزيفة التي حتى ولو ترشحت فيها ملائكة الرحمن لما نجحت بكل تلك النسب الخارقة للعادة التي ينجح بها مرشحونا ؟

 نعلم أنكم تحبوننا رغم كل شيء، لذلك تنظمون لنا كل سنة قرعة عادلة لمنح شبابنا فرصة الذهاب للعيش في نعيم بلادكم، ويشهد الله أننا نشارك بانتظام كل عام، الموظفون والعاطلون، المستخدمون وأطر الدولة، السياسيون والبرلمانيون، حتى إننا صرنا نشك في أن قادتنا أيضا يتزاحمون معنا على «الغرين كارت»، هم الذين حولوا حياتنا إلى جحيم في أوطاننا ويستكثرون علينا أن ننتقل إلى نعيمكم دون رفقتهم الثقيلة.

سيدي الرئيس، أنتم تشيدون قواعدكم العسكرية في بلداننا من أجل حمايتنا من أنفسنا، فنكتب في جرائدنا المأجورة أنكم تحتلون أراضينا، نحن الذين لا نملك من هذه الأراضي الشاسعة سوى التراب الذي أكلناه عندما كنا أطفالا نحبو تحت جدران بيوتنا الآيلة للسقوط.

لسنوات وأنتم تعلموننا المساواة بين الرجل والمرأة، بين الأبيض والأسود وبين الغني والفقير. ولم نتعلم منكم سوى احتقار الرجال والنساء واستعباد السود والبيض ووضع حدود واضحة بين الأغنياء والفقراء.

كم نبدو كسالى وأغبياء وبلا ضمائر أمام قوتكم وذكائكم وضميركم الحي الذي لا يموت.

سألناكم فأعطيتم واستجرنا بكم فأجرتم، وحين أدينا القسم أمام رايتكم وتخلينا عن جنسياتنا المشبوهة لنأخذ جنسيتكم التي لا يرقي إليها الشك، وسكنا فسيح بيوتكم وقدنا سياراتكم الكبيرة، حتى إذا سكنتم إلينا وسكنا إليكم، عدنا إلى مساجدنا وأطلقنا لحانا كما في سالف الأزمان، واستبدلنا سراويل «البلودجينز» وأحذية «النايك» بالجلابيب والسراويل القصيرة والأحذية الجلدية، وصحنا في وجهكم «الله أكبر»، وكأنكم لستم الكبار ولستم العظماء ولستم أنتم الذين جمعتمونا من شوارع مدننا التي يشحذ فيها نصف الشعب بينما النصف الآخر يسكر في باراتها الحقيرة.

لكن قلبكم يا معالي الرئيس كبير وعفوكم يتسع للجميع. فأنتم تعرفون أن العرب يغيرون مواقفهم في اليوم أكثر مما تغير عاهرة عشاقها في ليلة واحدة.

تحسنون إلينا ومع ذلك لا تتقون شرورنا، تشتروننا عبيدا وتنسون أخذ السوط معكم، نحن الأنجاس المناكيد الذين يقولون نعم عندما يفكرون بقول لا، الذين لا تكفيهم كل خمارات العالم لإطفاء عطشهم إلى النسيان.

 أعطاكم قادتنا العهد بأن نكون معكم في السراء والضراء، في الليل والنهار، في القوة والضعف، أنتم الذين تنازعون الله في هذه الأزمنة الصعبة حول عدالته المطلقة.

أنتم صانعو «الطوماهوك» و«البورغركينغ» وأطفال الأنابيب، حماة حقوق الأقليات والشواذ. لديكم نجوم هوليود ولدينا ممثلونا السخيفون في البرلمان. لديكم ناطحات السحاب ولدينا دور الصفيح. لديكم أقماركم الاصطناعية ولدينا كوكب الشرق أم كلثوم. لديكم الكرسي الكهربائي ولدينا كراسي دورة المياه التي تشبه في ثباتها كراسي حكامنا.

عذرا يا رئيس الولايات المتحدة ضد الشر، نرفع إليك اعتذاراتنا نحن الذين لم نتحد قط سوى ضد مصالح بعضنا البعض. سامحنا على شقاوتنا وطول ألسنة قادتنا في جامعة الدول العربية. فقد شاخوا وأصبحت ذاكرتهم تخونهم ولم يعودوا قادرين على تذكر كيف قدمتم لهم الحماية في أكثر من انقلاب وكم أخمدتم من ثورة شعبية ضدهم وكيف وفرتم لهم أسباب النجاح في تطبيق سياساتهم الرشيدة التي قادتنا إلى هذا المستنقع العربي الواسع الذي نرفل في أوحاله أبا عن جد.

لا تغضبوا يا معالي الرئيس من كتابنا الذين يشهرون أعمدتهم اليومية في وجهكم وينهالون بها على سياستكم. فأغلبهم دجالون يبيعون مقالاتهم وراء ظهورنا ويتقاضون ثمنها بالدولار.

رجاء لا تتركونا وشأننا، فمن دونكم لا نعرف ماذا نصنع بأنفسنا. أنتم المنارة التي ترشد سفننا في هذا الليل العربي الحالك. أرسلوا إلينا أطواق النجاة وسفن «المارينز» والأسماك المعلبة والأقراص المضادة للغثيان. فنحن نوشك أن نغرق وسط كل هذه الخطب العصماء التي تبعث على القيء.

سيدي الرئيس، لماذا لا تفكرون بإخصائنا جميعا حتى ينقطع نسلنا إلى الأبد. فنحن لم نعد صالحين سوى لنفخ بطون زوجاتنا وفتل شواربنا الصفراء بسبب المرق والتبغ الرديء. أنتم تحددون النسل ونحن نبعثره. أنتم تنظمون الأسرة ونحن نشتتها. نبعث بالأب إلى الشارع وبالأبناء إليكم عندما يكبرون وبالأم إلى بيت أبيها مكسرة الأضلاع. أنتم تحاربون الرشوة ونحن نربيها في الإدارات والوزارات ومقرات الأحزاب. تموتون في اليوم ألف مرة من أجل تحقيق اختراع صغير فيما نحن، من أجل هضم كل هذا الذل العربي بهدوء أكبر، اخترعنا القيلولة بعد الأكل.

لسنوات طويلة وأنتم تعلموننا السباحة والرماية وركوب الخيل في أفلام «جون واين» و«هنري فوندا» و«رونالد ريغان»، فلم نفلح سوى في تعلم بكاء فاتن حمامة وشرور المليجي وصفاقة إسماعيل ياسين.

رجاء امنحونا فرصة أخيرة قبل أن تعلنوا علينا القيامة. منحتمونا القمح لنوزعه على الجياع فأنزلنا القمح إلى الأسواق وأنزلنا العقاب بالجياع. منحتمونا الحليب للرضع فبعناه للراشدين، ماذا نستحق منكم يا سيادة الرئيس غير قنبلة نووية تقتلعنا من هذه الأرض إلى الأبد.

 هكذا سيخلو لكم الجو أنتم وحبيبتكم إسرائيل، وستحققون السلام في هذا الكوكب الصغير الذي لم يعد يتسع لأحد آخر غيركم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق