الرئيسيةملف التاريخ

رسل الملك فقهاء ومخزنيون وعلماء وسياسيون وأدباء

يونس جنوحي
هؤلاء بعض الذين اشتغلوا في السلك الدبلوماسي المغربي، وكانوا بحق «رسل الملك» إلى دول شقيقة وأخرى ليست كذلك.
يجمع بينهم حمل الرسائل الملكية وتمثيل البلاد ويفرقهم التاريخ، على اعتبار أن كل واحد منهم اشتغل في سياق معين قيد تحركاته وجعل مهمته الدبلوماسية في الخارج تجربة متفردة.
بعضهم منسيون وآخرون عرفوا في مجال السياسة والأدب، لكنهم أبقوا على طبيعة المهام الدبلوماسية التي اضطلعوا بها في الباحة الخلفية للذاكرة، حيث إنها لا تظهر إلا لمن نقب عنها بحثا عن بصمتهم في المراسلات، أو أرشيف العلاقات الدبلوماسية للمغرب مع دول عربية وأخرى من بقية أصقاع العالم.
مدارس مختلفة وتوجهات متضاربة، جمع بينها العمل في خدمة الدولة والملك، للقيام بمهام دبلوماسية دخل أصحابها التاريخ، سواء مهامهم المعروفة أو تلك التي قام بها بعضهم وصنفت من أسرار الدولة.

وزير المالية المغربي.. ذهب في مهمة لأسبوعين بباريس فمكث سنة
في ماي 1909 توجه وزير المالية المغربي الحاج محمد المقري إلى باريس بحرا للقاء المسؤولين الفرنسيين لبدء مباحثات معهم، في إطار وفد مغربي يترأسه وزير المالية، لبحث أوضاع المغرب الاقتصادية والمشاكل المالية التي تمر منها البلاد، وأيضا لإيجاد حل لما كان وقتها يعتبر مشكل وجود القوات العسكرية الفرنسية في منطقة الشاوية.
حسب الأرشيف الفرنسي، وباحثين مغاربة أبرزهم محمد الأمين البزاز فإن مذكرة فرضت على المغرب في غشت 1909، أي أثناء وجود وزير المالية المغربي بفرنسا، وتم إرسالها إلى الرباط لكي يوافق عليها القصر، واعتبرتها فرنسا حلا للأزمة المغربية.
وقع هذا قبل وصول المولى يوسف إلى السلطة، أي قبل توقيع معاهدة الحماية.
إقامة وزير المالية المغربي في باريس كان مخططا لها أن تستمر أسبوعين، وتناولتها الصحافة الفرنسية بالمتابعة منذ وصول الوفد الذي يترأسه الحاج المقري، إلا أن ظروف تلك السفارة حكمت بأن يمتد مقام الوزير المغربي رفقة حاشيته أزيد من سنة. وكانت تلك بداية الأزمة المغربية تحديدا.
كانت مهمة وزير المالية قاسية، حيث كان يتعين عليه إقناع الفرنسيين بعدم فرض غرامات ثقيلة على المغرب، بسبب النزاع العسكري الذي بموجبه توجد قوات فرنسية في الدار البيضاء والشاوية.
ورغم أن المدفعية الفرنسية قد قصفت الدار البيضاء عن بكرة أبيها، إلا أن فرنسا طالبت المغرب بدفع ما اعتبر وقتها «غرامة» ثقيلة مقدارها 80 مليون فرنك فرنسي. وهو المبلغ الذي كان وقتها بعيد المنال. في الحقيقة كان الأمر يتعلق بديون مغربية متراكمة، وليس غرامة. إلا أن فرنسا أخلفت وعدها مع المغرب بتقديم تسهيلات أثناء منح تلك القروض، واستعملتها للضغط، وهو ما جعلها تصبح غرامة ثقيلة وليس دينا عاديا فقط.
حتى أن الوزير المغربي طالب الفرنسيين بتقسيم المبلغ على أقساط، يتم تسديدها لصالح فرنسا لمدة 75 سنة!
لكن المشكل الذي وجد وزير المالية المغربي نفسه أمامه، فيتعلق بالضمانات. إذ إن الفرنسيين طلبوا منه تقديم ضمانات للتسديد، فكان جوابه أن البلاد ترهن مداخيل الجمارك كضمانة لتسديد قيمة المبلغ على مدى كل تلك السنوات.
بعد عودة وزير المالية المغربي بعد سنة إلى المغرب، وجد مغربا غير الذي تركه خلفه، حيث إن الدولة قد بدأت في دخول الأزمة، بعد توالي المشاكل المالية وحتى الدبلوماسية على المغرب.
وبعد فترة قصيرة انتقلت العاصمة إلى الرباط، بحكم رغبة الفرنسيين في نقل ثقل السلطة بعيدا عن فاس التي كانت بؤرة للمحافظين المغاربة، في حين أن نخبة من الأعيان الذين كانوا يشتغلون في التجارة كانوا يتقربون من الفرنسيين، فكان الأمر مؤشرا على ميلاد مغرب آخر من النخب المخزنية العصرية، وكان وزير المالية المغربي الذي قضى سنة في باريس، أحد هؤلاء!

صحافي وفقيه.. جمعهما الشعر وتمثيل المغرب بالخارج
يتعلق الأمر هنا بنموذجين لموظفين اشتغلا في الدبلوماسية، حيث مثلا المغرب في الخارج.
بن عبد السلام العمراني كان من تلاميذ المخزن الذين عملوا في دواوين الوزراء والقضاة سنة 1913، وعمل في مهمة لتأمين رحلة الحج استمرت لأزيد من سنة، حيث رحل ممثلا للوفد المغربي إلى الحجاز في أيام المولى يوسف، إذ رافق بعض أفراد الأسرة الملكية ووفدا من العلماء المغاربة باسم المولى يوسف بن الحسن، وكتب مخطوطا للرحلة، حيث ظهر أنه كان مولعا بالشعر والأدب، حتى أنه استغل موسم الحج والصفة التي ذهب بها إلى الحجاز، لكي يطلب من بعض أبناء الأسر العريقة بمكة والمدينة أن يمكنوه من بعض المخطوطات لكي يقوم بنسخها، والتي تتعلق بقصائد الشعر العربي القديم.
وحسب بعض المعطيات المتوفرة في الموضوع، فإن هذا الشاب الذي لم يكن عمره وقتها يتجاوز 38 سنة، توفي مباشرة بعد عودته إلى المغرب على عهد المولى يوسف دائما، حيث أصيب بمرض ألزمه الفراش وتوفي متأثرا به في منزله بالرباط، بعد أن بدأ يتلمس أولى خطوات سلم الوظيفة المخزنية.
أما محمد التازي، الذي كان رئيس تحرير سابق لجريدة «العلم»، فقد تعين في سفارة المغرب بلبنان في بداية الستينيات، وبالضبط سنة 1963، حيث كان قد اشتهر بين الصحافيين اللبنانيين بالحفلات الأدبية التي كان يقيمها في مقر السفارة المغربية ببيروت، بصفته مسؤولا عن الشأن الثقافي في السفارة، وكان وراء زيارة عدد من الأدباء العرب إلى المغرب.
وكانت تلك هي البداية التي نسج بها هذا الأديب الصحافي الذي كان مولعا بالتأليف، علاقات وطيدة مع ملحنين ومطربين عرب وأدباء أيضا ممن كانوا أصدقاء للفنانين، وهو ما جعل الملك الراحل الحسن الثاني يعهد إليه بمهام دبلوماسية صنفت في خانة «سري للغاية» في عواصم عربية.
عندما كان محمد التازي سفيرا في القاهرة، كان يقدم للملك الراحل الحسن الثاني ملاحظات كثيرة عما كان يُكتب في الصحف المصرية عن المغرب، أقواها أن الصحفي المصري الشهير محمد حسنين هيكل زعم مرة في إحدى مقالاته أنه أجرى حوارا صحفيا مع الجنرال أوفقير على انفراد. وكان التازي وقتها سفيرا في القاهرة عندما صدر المقال، ليخبر الملك الحسن الثاني بالموضوع، ويدلي بملاحظة مهمة تتعلق باستحالة إجراء محمد حسنين هيكل للحوار، لأنه لم يكن يستطيع الحديث بالدارجة المغربية ولا الفرنسية.
تجربة أخرى عاشها السفير محمد التازي في سوريا، وكان الملك الراحل الحسن الثاني وقتها غير مطمئن لما كان يجري في منطقة الشرق الأوسط من تطورات، وهو ما كان يعني أن مهمة التازي كانت عصيبة، حتى أنه أشار بنفسه إلى الأمر، وزكاه غيره عندما كتبت الصحافة المصرية مرة أن السفير المغربي، أي محمد التازي، لم يكن يغادر مكتبه في السفارة، لأنه كان ينتظر اتصالات الملك به.

حاييم طوليدانو سفير مغربي قبل 600 سنة
حاييم طوليدانو، كان سفيرا مغربيا إلى لندن في أيام المولى إسماعيل، كان قد شد الرحال على متن سفينة للقاء ويليام الثالث سنة 1691 ولم تستمر إقامته في بريطانيا سوى أيام قليلة، رغم أنه قضى أسابيع في طريقه إلى لندن، ليبلغ رسالة من المولى إسماعيل وينتظر رد القصر البريطاني عليها.
اختلف عدد من الدارسين المغاربة على اسم أول من سافر بحرا لتمثيل المغرب دبلوماسيا في الخارج، لكن حاييم بالتأكيد كان من أوائل الذين قاموا بهذه المهمة، وأطلق عليهم اسم «سفراء الإيالة الشريفة»، حيث كانت مثل هذه «السفارات»، وهو الاسم المخزني الذي أطلق على الرحلات من هذا النوع، لا تتم إلا بعد أن يكون من أعضاء الوفد المغربي من يتحدث اللغات الأجنبية. وكان هؤلاء الذين يتولون الترجمة من جنسيات أخرى، لكن مهمتهم أساسا تتلخص في الترجمة فقط، بينما يتكلف ممثل السلطان أو «السفير» بتبليغ الرسالة.
دُعي أيضا وفد مغربي إلى بريطانيا، أثناء تنصيب إدوارد السابع على عرش المملكة المتحدة، وكان الوفد المغربي قد رحل إلى لندن من ميناء طنجة عبر سفينة فرنسية إلى الأراضي الفرنسية، قبل أن يواصل الرحلة إلى لندن، وهو الأمر الذي كان مزعجا للبريطانيين، إذ لم يكونوا يتقبلون حشر فرنسا لأنفها في علاقاتهم مع المغرب. خصوصا في الرحلة التي قام بها الحاج الزبيدي، وهو رجل دولة كان يثق به الحسن الأول كثيرا، فأرسله سنة 1876 ليلتقي الملكة فيكتوريا، وقد كتب الإنجليز أنفسهم في جرائد كانت تصدر في لندن وقتها، أن رجلا مسلما جاء للقاء الملكة فيكتوريا ولم يسلم عليها.
أما بخصوص تنصيب إدوارد السابع، فقد كان وفد أرسله القصر يتكون من فقهاء يمثلون «السفارة» المغربية في تلك الرحلة، التي امتدت لأسابيع زار خلالها أعضاء الوفد لندن وبعض المناطق الأخرى، وتعرفوا على الحضارة البريطانية. ورغم أنهم كانوا فقهاء محافظين، إلا أنهم كانوا مجبرين على جبر الخواطر والجلوس إلى طاولة واحدة مع الأعيان البريطانيين وزوجاتهم، أثناء حفل العشاء الذي أقامه إدوارد السابع.

عبد الله الفاسي.. كاتب سفير سخر من اللندنيين
لم تكن المرة الأولى التي يجد فيها السفراء المغاربة أنفسهم في وضع مماثل، إذ سبقهم إليه الكاتب المغربي عبد الله الفاسي الذي دون رحلة السفارة المغربية، وقال إنهم دعوا إلى عشاء أقامته الملكة فيكتوريا في وقت متأخر من الليل، وحكى كيف أنهم كانوا مجبرين على الحضور ردا على دعوتها «الكريمة»، رغم أن الحفل كان بعد صلاة العشاء، واضطروا إلى الوقوف في صف كبار الشخصيات لكي تحييهم الملكة، أثناء مرورها بقاعة العشاء إلى كرسيها. وقتها كان هؤلاء السفراء المغاربة ينتقدون كل شيء أجنبي ويعتبرونه ضلالا.
لا شك إذن أن هؤلاء البريطانيين اطلعوا على كتابات المغاربة، أثناء توثيقهم لقرون من السفريات المغربية إلى لندن، لأن بعض المذكرات والمشاهدات، كالتي كتبها عبد الله الفاسي (كاتب في القصر الملكي وقتها أيام المولى الحسن الأول، وبقي في المنصب بعد انتقال العرش إلى أبنائه)، تضمنت عبارات تسيء للإنجليز والمسيحيين عموما.

المكي الناصري.. ملكي يجاري مزاج الضباط الأحرار
كان المكي الناصري صديقا حميما لفقهاء الدولة المغربية الآخرين، أمثال المختار السوسي والعربي العلوي. كلهم كانوا يلجون القصر الملكي، ويعرفون دهاليز إدارة الأزمات.
وعندما كان يتعمق في الدراسات الإسلامية خلال ثلاثينيات القرن الماضي، تأثر كثيرا بالمدرسة الشرقية، إلا أنه كان من أوائل من دعوا إلى إحياء المدرسة المغربية وتطويرها، حيث اشتغل مباشرة بعد الاستقلال في تأطير الحقل الديني، بعد أن تحرر من تضييق الاستعمار عليه، بسبب التوقيعات التي كان يجمعها مع ثلة من زملائه للمطالبة باستقلال المغرب. بلغ الأمر حد جمع التوقيعات لتقديم شكاية إلى الأمم المتحدة ضد فرنسا، وكان محمد المكي الناصري من أوائل الداعين لها.
مع بداية الستينيات عينه الملك الراحل الحسن الثاني في دار الحديث الحسنية، حيث كان له فضل كبير في ترتيب المكتبة المغربية، والاهتمام بما راكمه المغرب من وثائق في العلوم الشرعية، بالإضافة إلى رعاية المؤلفات الجديدة.
لكن عندما كان إدريس البصري في قسم الشؤون السياسية بوزارة الداخلية، عُين المكي الناصري وزيرا للأوقاف، وأطلق خطة لإصلاح الشأن الديني في المغرب، واتهم وقتها بأنه كان يريد الإجهاز على تراث الزوايا والأضرحة.
بين الوزارة والنضال السياسي، قضى المكي الناصري فترة غير يسيرة في المهام الدبلوماسية التي كلفه بها الملك الراحل الحسن الثاني، إذ إنه كان سفيرا للمغرب إلى ليبيا، وتولى في أحيان كثيرة تمثيل الملك الراحل الحسن الثاني على رأس الوفد المغربي إلى دول عربية وإسلامية، سيما في ملفات تباحث الشراكات في الشأن الديني والقمم الإسلامية. حيث كان يمثل الوفد المغربي في اجتماعات العلماء المسلمين، وكان أيضا يتولى مهمة التنسيق مع كبار العلماء المسلمين الذين حلوا ضيوفا على الدروس الحسنية.
كان اسمه العائلي «الناصري» مثيرا لاستغراب الخارجية في مصر وليبيا، التي كانت متأثرة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بالمد «الناصري» الثوري، واستغربتا كيف أن ممثلا للملك الراحل الحسن الثاني يحمل لقب «الناصري» في اسمه العائلي، كما أن مهمته في ليبيا لم تكن سهلة نهائيا، لأن أفكاره كانت تعارض كليا التوجه السياسي في ليبيا ومصر، إلا أنه كان يتعين عليه القيام بمهامه الدبلوماسية، قبل أن يستدعيه الملك الراحل إلى المغرب لكي يعود إلى كتبه ومؤلفاته ودراساته في الحقل الديني.
مما يحكى عن المكي الناصري، أنه كان يخجل عندما ناداه الملك الراحل محمد الخامس بلقب «الفقيه»، بعد أن حكى له شيخ الإسلام العربي العلوي عن بعض مقالات المكي الناصري، ومساهماته في مؤلفات عربية مشرقية للدفاع عن مكانة المغرب في علم الحديث والفكر الإسلامي، فكانت النتيجة أن لقبه محمد الخامس بالفقيه، أثناء استقباله لعدد من العلماء المغاربة، استحسانا منه للخطوة التي قام بها سنة 1953، عندما دعا إلى ضرورة مطالبة الأمم المتحدة بالدعوة إلى استقلال المغرب عن فرنسا، لأنها بلد استعماري.
المكي الناصري الذي فتح عينه في جيل من المحافظين الذين صنعوا سياسة مغرب بداية القرن، بحكم أنه ولد سنة 1906 وتوفي سنة 1994، وفي رفوف مكتبه مسودات لمشاريع لم يكتب لها أن تتم، ليس فقط لأن السياسة سرقته لسنوات من مشروعه الفكري، حيث دعا في مقالاته إلى صحوة إسلامية، ولكن أيضا لأنه كان يشتغل في حقول متفرقة يوحد بينها إبراز الخصوصية المغربية في زمن سياسي متقلب.

إدريس السلاوي.. أمين السر الملكي لا يكلم الملك إلا على انفراد!
مستشار، وزير، وموظف سام. هو إدريس السلاوي الذي «وحدته» هذه المناصب أو وحدها، حيث كان ضيفا دائما على البلاط الملكي أيام الملك الراحل الحسن الثاني.
ينتمي إلى جيل عشرينيات القرن الماضي، حيث ولد سنة 1926. الحقيقة أن إدريس السلاوي لم يكن لديه أصدقاء في السياسة، وهكذا فإن أبناء سلا وحدهم يعرفون بعض الشذرات عن طفولته ومراحل دراسته وطباعه. إذ كان قليل الكلام، وأجمع أبرز من كانوا قد اشتغلوا مع الملك الحسن الثاني منذ الستينيات، أن إدريس السلاوي كان لا يكلم الملك إلا على انفراد.
هذه المعلومة أكدها المستشار الملكي الراحل، عبد الهادي بوطالب، حيث قال عن الوزير والمستشار إدريس السلاوي إنه كان رجلا قليل الكلام، دائم الصمت، لا يتحدث مع الملك إلا على انفراد عندما يطلب رأيه في مسألة ما، كما أنه لم يكن يتردد على السهرات ولا يحضر الأمسيات الخاصة، وكانت شخصيته محط تساؤلات الفضوليين بل وقلقهم.
حتى أن اسمه راج في بعض الأخبار التي نقلها مقربون من القصر إلى الملك الراحل، اتهموا فيها إدريس السلاوي بمعرفة بعض الأمور، بل والمشاركة في التخطيط لانقلاب على الملك الراحل، بالتواطؤ مع اليسار ممثلا في عبد الرحيم بوعبيد.
والحقيقة أن هذه الاتهامات تقوت في ظل سياسة الصمت التي كان يمارسها إدريس السلاوي، إذ إن محيط الملك والراغبين في التقرب من القصر الملكي لم يكونوا يعرفون عنه أي شيء.
أما قصة تعيينه مستشارا فتستحق فعلا أن تروى. إذ إنه كان كاتبا عاما في وزارة الداخلية، وصاحب ملفات ثقيلة لا يناقشها إلا مع الملك الحسن الثاني شخصيا، حتى أن وزير الداخلية وقتها محمد بنهيمة بن الطيب كان يتوجس منه، لأنه كان يجده دائما إلى جانب الملك الحسن الثاني، كلما تم استدعاء الوزير إلى القصر. بل وكان يجد إدريس السلاوي مع الملك حتى أثناء لعبة الغولف، أو غذاء غير رسمي.
إدريس السلاوي رافق الملك الراحل في عدد من السفريات، وتوجه في أخرى ممثلا للملك. حيث زار عددا من الدول بصفة غير رسمية، والتقى رؤساء دول عربية، خصوصا خلال فترة الأزمات لتبليغهم رسائل ملكية.
وحدث في إحدى المرات، والمغرب في عز أزمة دبلوماسية كبيرة مع إيران بعد الثورة الإسلامية، حيث تكلف إدريس السلاوي بالذهاب إلى دول عربية في رحلة غير رسمية، وبشكل سري، للقاء كل من صدام حسين في العراق، ثم الطيران بعدها إلى السعودية وعواصم عربية أخرى لنقل رسائل شفهية من الملك الحسن الثاني، والعودة إليه بردود شفهية من رؤساء تلك الدول. وكان هذا الأمر شائعا وقتها، لأن الرغبة في سرية المحادثات تملي على المسؤولين نقل الرسائل شفهيا، حتى لا تطلع عليها الأجهزة الأجنبية.
لم يكن إدريس السلاوي الوحيد الذي اضطلع بمهام من هذا النوع، إلا أنه كان أقرب الشخصيات إلى الملك ممن قاموا بهذا الدور، سيما وأنه كان يرافقه حتى في سفرياته الخاصة، واستطاع من خلال علاقته المباشرة مع الملك أن يربط صداقات مباشرة مع كبار المسؤولين في الدول العربية.
تعزز دور إدريس السلاوي خصوصا في سبعينيات القرن الماضي، إذ رغم أن بقية المستشارين الملكيين مثل عواد واكديرة كانوا يعرفون أن إدريس السلاوي لا يتحدث في حضور الملك، إلا أنهم كانوا يرون بأعينهم كيف أن عددا من الوزراء لم يتلقوا خبر استدعائهم لتعيينهم وزراء على رأس حكومات مغربية، مثل أحمد العراقي، أو موظفين سامين مكلفين بمهام سامية في الداخل والخارج، لا يكون إلا عن طريق إدريس السلاوي. وقد حدث في مناسبات كثيرة أن يعقد الملك الراحل اجتماعا لمستشاريه دون أن يشير إلى حدث تعيين أو إعفاء، ويبقى إدريس السلاوي صامتا إلى أن يبلغ المعني هاتفيا للحضور.
والأمر نفسه كان ينطبق على سفرياته إلى الخارج ممثلا للملك في زيارات غير رسمية، حيث كان يعود مباشرة من المطار إلى القصر الملكي للقاء الملك، ليبلغه على انفراد ما كان يدخل ليس فقط في إطار «السر المهني»، بل «أسرار الدولة».

علال الفاسي وعبد الهادي التازي.. أديبان فرقتهما السياسة وجمعتهما «السفارة»
رغم أنهما من جيلين متقاربين نسبيا، بحكم أن علال الفاسي كان بارزا في الفترة التي كان عبد الهادي التازي يتلمس خطواته الأولى بفاس، إلا أنهما ينتميان إلى مدرستين مختلفتين تماما. رغم التقائهما في نقطة الحركة الوطنية وأجواء حزب الاستقلال في معقل تأسيسه بفاس، إلا أن التكوين الأكاديمي لعبد الهادي التازي، الذي درس في القرويين، لم يمنعه من أن ينفتح لاحقا على اللغة الإنجليزية، ويتخصص في تاريخ المغرب والمصادر الأجنبية التي تحدثت عنه.
ففي الوقت الذي كان علال الفاسي قد تمكن فعلا من زعامة المشهد السياسي، الذي بدأت تبنيه الحركة الوطنية من خلال حزب الاستقلال سنة 1937، كان عبد الهادي التازي بالكاد قد بدأ تكوينه الأكاديمي بفاس وهو الذي قدم إليها من مدينة تازة، حيث كان يحضر بعض اللقاءات التي تزعمها علال الفاسي، وحدث بسببها انقسام واضح في السياسة المغربية بينه وبين محمد بن الحسن الوزاني.
التقيا في نقطة الدعوة إلى ترسيخ اللغة العربية والانتصار لها وتغليبها أيضا، إذ إن بعض الباحثين المغاربة اليوم، خصوصا الأمازيغ يتهمون تيار عبد الهادي التازي، الذي كان من أوائل مؤسسي جبهة الدفاع عن العربية في المغرب، بمحاولة طمس الهوية الأمازيغية للمغرب.
هذه النقطة لعب عليها علال الفاسي سياسيا وفي كتبه أيضا، حيث كان يدعو إلى تغليب اللغة العربية، وربط مستقبل المغرب السياسي والقومي بها.
اشتغل علال الفاسي وعبد الهادي التازي في الحقل الدبلوماسي، حيث كان علال الفاسي، زعيم حزب الاستقلال، سفيرا خاصا للملك الحسن الثاني إلى دول إفريقية، حتى أنه توفي في مهمة دبلوماسية إلى بوخارست سنة 1974، بينما كان عبد الهادي التازي سفيرا للمملكة إلى العراق وليبيا، حيث كان علال الفاسي يربط علاقات وطيدة مع قوميين عرب، تعرف عليهم أثناء فترة المنفى التي قضاها في القاهرة.
واهتم عبد الهادي التازي بمساره الأكاديمي أكثر من المجال السياسي، حتى أنه عندما دخل السلك الدبلوماسي كان يهتم أكثر بالندوات التي تناقش تاريخ دول عربية وإسلامية، أكثر مما كان يظهر في اللقاءات الرسمية. بينما كان علال الفاسي مقربا جدا من الملك الحسن الثاني، ورافقه في عدد من المحطات السياسية أبرزها دستور البلاد الأول سنة 1962. وحتى في السفريات التي مثل فيها المغرب بإفريقيا، فقد كانت تتأرجح بين ملفي استقلال موريتانيا، وعضوية المغرب بالاتحاد الإفريقي، في عز خلافه مع الجزائر بعد حرب الرمال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى