الرئيسيةملف التاريخ

سفن مغربية دخلت التاريخ من بابه الواسع

يونس جنوحي
في عهد المولى محمد بن عبد الله الذي توفي بمكناس، بعيدا عن البحر الذي سيطر عليه، سنة 1790، بعد أن عاش ثمانين عاما حكم خلالها البر والبحر ودعم الجهاد البحري وأمر ببناء السفن المغربية التي ساهمت كثيرا في تعزيز حظوظ المغرب تجاريا وحماية أيضا لسيادة البلاد أمام التوسع الاستعماري، عاش المغرب فترة ازدهار غير مسبوق على مستوى الموانئ، وهو ما استكمله محمد الرابع بعده أثناء ما عرف وقتها بنهضة الصويرة وآسفي، من الناحية الاقتصادية.
ومن أطرف ما جاء في تاريخ الضعيف الرباطي الذي واكب هذه الفترة ودون أغلب وقائعها، متحدثا هنا عن السلطان محمد الثالث: «..تكاثرت سفنه في البحر من أهل سلا ورباط الفتح وأقبلت عليه الأيام… وكان الرايس من أهل سلا والرباط يقدمون عليه بمراكش بالنصارى الأسرى في كل سنة، مثل الرايس العربي المستيري والرايس عواد السلاوي والرايس العربي حكم وغيرهم..وهؤلاء كلهم بالسفن وكلهم يأتون إليه بسفن النصارى إلى مراكش.. ».

عندما كانت منطقة سلا تسمى «جمهورية بورقراق»
قصة «جمهورية بورقراق» تبقى أقوى دليل تاريخي على عمق علاقة المغاربة تاريخيا بالبحر والسفن. إذ أن هذه القوة البحرية التي ظهرت سنة 1627، في عز قوة المغرب سياسيا مع تأسيس الدولة العلوية، لعبت دورا كبيرا في تقوية حكم المولى عبد العزيز الذي أولى أهمية كبرى للجهاد البحري مباشرة بعد بناء قلاع الحكم في المدن البعيدة تماما عن البحر مثل مراكش ومكناس.
وقد جاء في بحث أكاديمي نشر في مجلة «دعوة الحق» التي تأسست سنة 1956، نص بحث مطول بعنوان «مساهمة المغرب في حركة الجهاد البحري»، وحسب الأرشيف الذي أورد هذه الدراسة، فإنها لم تكن موقعة من طرف أكاديمي مغربي واحد، والمرجح أن الأمر يتعلق ببحث أكاديمي قاده متخصصون مغاربة في تاريخ الجهاد البحري، حيث جاء في نصه: «وقد كان المجاهدون إذا بلغوا السواحل الإسبانية رفعوا راية الدولة الإسبانية، ثم يستولون على الغنائم والأسرى والسلاح، حيث يقومون بعملهم بسرعة خاطفة في الساحل الإسباني نفسه ثم ينطلقون بغنيمتهم، والواقع أن هذا العمل لم يكن خاصا بالمهاجرين الأندلسيين، فقد كان الجنوبيون يقومون بتجارة واسعة النطاق في أسواق النخاسة، وكان من بين ضحاياهم أسرات مسيحيات يتم بيعهن في أسواق الشمال الإفريقي، وكان في خدمة الجنوبين أنفسهم أسيرات من الشمال الإفريقي.
أما المكاسب التي يحصل عليها المجاهدون فيقتسمونها كما يلي : عشرة في المائة لمجلس الجمهورية- أربعون في المائة لرب الباخرة، خمسة وأربعون في المائة للربان وضابط المدفعية والطبيب الجراح، والبحارة وسائر الضباط.
وعندما يخضع المجاهدون للسلطة الملكية المباشرة، وهذا أمر نادر، يؤدون لبيت المال خمس المكاسب، بإضافة نصف الباقي، وأما النصف الآخر أي ما يعادل الخمسين ( بضم الخاء) فيقسم بين النوتية والضباط.
وقد خصص الحرناشيون، وهم رواد عمليات الجهاد البحري بمنطقة أبي رقراق خمس مواردهم لصيانة القصبة المجاورة للرباط والتي هي مقرهم الأصلي بهذه المدينة وكما يقول كايي Caille فإن حوض أبي رقراق أصبح بمثابة ميناء هافر للإسلام بالمغرب الذي هو أقرب بلد إلى أروبا.
ولم يكن المجاهدون يملكون أكثر من بضع بواخر سنة 1617م، وبعد عشر سنوات توفروا على أسطول من ستين باخرة وتمثل السفن الفرنسية التي يحتجزونها أكبر نسبة من السفن الأوربية، مما جعل الوزير ريشوليو Richelieu يقرر إغراق إحدى السفن الفرنسية في حوض أبي رقراق ليمنع تحرك السفن الجهادية ولكن فرنسا لم تحصل بذلك على نتائج تذكر.
وهكذا عاشت حركة الجهاد البحري عصرها الذهبي من 1036 إلى 1054 هـ( 1644م) حيث بدأ أسطولها تدريجيا بعد هذا التاريخ.
معظم السفن الجهادية كان يتم استيراده من أوربا حيث تصنع القطع محليا بمساعدة تقنين هولنديين.
وكان المجاهدون يخضعون أنفسهم لحياة متقشفة نسبيا في عرض البحر حتى يحافظوا على سلامة جسمهم وقابليتهم لسرعة الحركة. وبالإضافة إلى التقنيين الهولنديين تعاون معهم على تدريب الملاحين وقيادة السفن تقنيون آخرون من انجلترا وحتى من البرتغال وإسبانيا. وكانت مراكبهم خفيفة مستديرة الشكل تحمل صواري وأشرعة كثيرة وقد تحرك بالمجاديف عند الاقتضاء.
وكان حوض أبي رقراق ذا مسلك صعب، حتى أن السفن الأوربية تعجز عن القيام بأي هجوم على القصبة شتاء لهيجان البحر، وكان تفاوض الدول الأوربية مع جمهورية أبي رقراق يتم بواسطة قناصلهم المقبولين، ولا يزال بالرباط شارع يحمل اسم شارع القناصل.
وقد امتدت غزوات هؤلاء المجاهدين إلى جزر أيسلندا، وابتداء من سنة 1624م تعاونوا مع مجاهدي الجزائر على القيام بغارات مشتركة، حيث يتوجهون بأسطول من عشر بواخر لمهاجمة موانئ ايسلندا وبريطانيا، وكانت هذه المغامرات ذات الجرأة المتناهية تلقي الرعب في قلوب السكان هناك، وفشل البريطانيون في كل محاولاتهم منذ سنة 1637 م لوضع حد لنشاط المجاهدين، بمحاصرتهم في حوض أبي رقراق.
وكانت العمليات الجهادية التي يقوم بها سكان الجمهورية سببا في وجود علاقات دبلوماسية حقيقية بينهم وبين الدول الأوربية، خصوصا مع هولاندا وفرنسا وانجلترا.
وقد سبقت الإشارة إلى أن فرنسا طالما اشتكت من السفن الجهادية التي كانت تعرقل مراكب صيدها في المحيط الأطلسي، وفكرت الحكومة الفرنسية في عهد لويس الثالث عشر أن تضمن أمن بواخرها بحراسة مسلحة، انطلاقا من حوض أبي رقراق أيام الصيد، ولكنها وجدت نفسها مصرة في النهاية إلى عقد اتفاق مع الموريسكوس سنة 1038 هـ، 1629م وما بعدها، وهو يضمن تبادل تسليم البواخر المحتجزة وفتح موانئ كل طرف لسفن الرف الآخر والتعامل الحر في الميدان التجاري كما سمح للحكومة الفرنسية بتعيين قنصل لها بالرباط».

«جورجيا».. قصة أضخم باخرة أمريكية رست سنة 1909 في الشمال
تحدث القنصل الأمريكي الشهير إدموند هولت في مذكراته التي تحدث فيها عن تجربته قنصلا أمريكيا معتمدا في المغرب وذكر جوانب كثيرة من حياة المغاربة وذكرياته مع شخصيات مغربية من بينها المولى عبد العزيز الذي التقاه بعد رحيله عن القصر وتحول الحكم إلى أخيه، ليستقر فترة بطنجة قبل أن يغادر البلاد.
من بين التجارب المثيرة التي أثارها صاحب المذكرات، قصة باخرة أمريكية رست في المياه المغربية، وقد لعبت دورا سياسيا كبيرا كان الهدف منه أن يستعرض الأمريكيون قواتهم في شمال إفريقيا في رسالة إلى الفرنسيين والإسبان على وجه الخصوص.
كما تحدث «هولت» أيضا، وربما يكون أول من أثار هذه النقطة، عن الباخرة التي أقلت المولى عبد العزيز إلى الخارج عندما كانت البلاد تعيش وضعا غير مستقر سياسيا، وذكر حتى اسم القبطان الذي تولى الإبحار بها: «كانت هناك نزعة من السلطة، أو الملكية، في الرحلة الأخيرة التي قام بها عبد العزيز من عاصمة حكمه فاس في اتجاه طنجة للمرة الأخيرة. وأيضا في رحلته غير المعلن عنها إلى الخارج على متن الباخرة «ماغنوس» في دجنبر 1909. مع «إدغار آلان فوربس» الذي كان بصدد الإبحار بحثا عن مغامرات في الساحل الغربي لإفريقيا».
يضيف القنصل هولت في مقطع آخر: «تجاوزنا الباخرة الصغيرة الراسية فوق المياه، ورأيت وجها يتمشى فوق مؤخرة الباخرة، بينما يتبعه عدد من العبيد، سود البشرة، يمسك أحدهم الدفة، بينما يتحدث آخرون في ما بينهم قرب القمرة».
لم تكن تلك هي الفرصة الوحيدة التي رآى فيها هولت، المولى عبد العزيز. فقد تأتى له أن يلتقيه في اليوم الموالي، ودعاه إلى استكشاف سفينة أمريكية كانت ترسو في ساحل طنجة: «في المرة اللاحقة التي رأيت فيها المولى عبد العزيز كان لدي شرف مرافقته إلى السفينة الحربية الأمريكية «جورجيا» والتي كانت تزور طنجة رفقة سفينة أخرى اسمها «نبراسكا». الأدميرال ريشارد وينرايت، كان هو رئيس الأسطول، وبعد استشارة معه هو والوزير الأمريكي السيد «كومر»، جاء السلطان السابق عبد العزيز في اليوم الموالي لاستكشاف السفينة.
كانت هذه الزيارة مهمة لي لعدة أسباب. لكنها كانت مهمة أساسا لأعرف كيف سيتصرف معه العبيد الذين لم يعودوا بشكل تلقائي تابعين له، بالإضافة إلى أن منزله كان يقع خارج سور المدينة، وهو الأمر الذي أثار فضولي وأردت أن أعرفه عن قرب.
وهكذا كان علي أن أكون دقيق الملاحظة لكي ألتقط أبسط الإشارات الصادرة عنه. تم تحديد وقت الزيارة مع تمام التاسعة صباحا».
يواصل القنصل هولت: «عندما حان الموعد بقليل، أثار المترجم انتباهي إلى فارس مسرع على جنبات الشاطئ، يمتطي حصانا وإلى جانبه أربعة من العبيد. عبد العزيز قادم، كان واضحا أنه يفضل المجيء من بعيد على أن يخترق شوارع المدينة.
كان الشاطئ خاليا من المغاربة. باستثناء بعض الصيادين الفقراء والبحارة الذين ينتظرون قدوم السفن ليشتغلوا مرشدين للسياح. لقد تفاجأت عندما رأيتهم يتزاحمون حول المولى عبد العزيز ويقبلون عباءته ويتمسحون بها، ويغمغمون عبارات ترحيبية.
أسرعنا في اتجاه القارب، وما هي إلا لحظات حتى أصبحنا على ظهر «جورجيا». كان طبيعيا أن يكون المولى عبد العزيز مهتما جدا بتفحص السفينة، لأنها المرة الأولى في حياته التي يرى فيها باخرة حربية. في الحقيقة، كانت الوحيدة التي صعد على متنها. استغرقت الرحلة ساعة. كان صامتا في أغلب اللحظات. كان يصغي جيدا للشروحات التي تقدم له بخصوص تجهيزات وقدرات الباخرة الحربية.
كان يتجول ويتفحص بيده معدات حديدية تزن بضعة أطنان. عندما دخل إلى غرفة المحرك في أسفل السفينة، كان يرفع «الكسا»، وهو اللباس الأبيض الطويل الذي كان يرتديه، لكي لا يتسخ بشحم المحركات».

باخرة مغربية من طابقين أعجزت الإسبان قبل 4 قرون
يصفها المؤرخون الأوربيون بـ«القرصنة البحرية»، بينما تاريخنا المحلي، ولاعتبارات دينية خالصة، يسميها «الجهاد البحري».
في عهد المولى محمد بن عبد الله الذي توفي بمكناس، بعيدا عن البحر الذي سيطر عليه، سنة 1790، بعد أن عاش ثمانين عاما حكم خلالها البر والبحر ودعم الجهاد البحري وأمر ببناء السفن المغربية التي ساهمت كثيرا في تعزيز حظوظ المغرب تجاريا وحماية أيضا لسيادة البلاد أمام التوسع الاستعماري، عاش المغرب فترة ازدهار غير مسبوق على مستوى الموانئ، وهو ما استكمله محمد الرابع بعده أثناء ما عرف وقتها بنهضة الصويرة وآسفي، من الناحية الاقتصادية.
تطرق الباحث المغربي محمد رزوق في بحث داخل أغوار التاريخ المنسي للجهاد البحري، تفاصيل ما سجله المؤرخون والكتاب المغاربة الذين كانوا يشتغلون وقتها في دواوين الوزارات وداخل القصر الملكي. ومن بين هؤلاء نجد أن المؤرخ الضعيف الرباطي، المشهور بمؤلف «تاريخ الضعيف»، سجل ما يلي متحدثا عن إنجازات محمد الثالث: «وأعظم من هذا كله ما فيه من الوجهة للجهاد وجمع آلاته وجميع ما يحتاج إليه من عدة وعدد، وقد جمع من ذلك ما لم يتفق لأحد ممن تقدمه، وسخر الله له السفن في البحر من أهل سلا ورباط الفتح وغيرهما…». يواصل محمد رزوق في بحثه الذي نشر سنة 1989: «وفعلا فإنه لم يدخر وسعا في سبيل تحقيق ما كان يهدف إليه رغم الصعوبات التقنية التي كانت تعترضه، فقد قام بتجديد في بناء الأسطول، وصرف الأموال في سبيل تحديث أوراش لناء السفن، وكل تفكيره كان متجها إلى شيئين أساسيين: بناء سفن قادرة على مواجهة أهوال المحيط من جهة وقادرة على مواجهة الوحدات البحرية الأوروبية من جهة أخرى. ومن أمثلة ذلك أنه (وهذا مقتطف آخر من تاريخ الضعيف الرباطي): «أمر بإنشاء السفينة الكبيرة من طبقتين، وأنفق فيها مالا كثيرا، أنشأها بسلا ورئيسها هو الرايس سالم، ولما طلعت وأراد الخروج بها في البحر لم تقدر على الخروج لكبرها إلى أن أفرغ ما فيها وأخرجها بحيلة..».
سفينة الرايس سالم التي كانت مكونة من طبقتين، وفر لها السلطان محمد الثالث ما يلزم من المال، وأفرغت خزينة الدولة حتى أن اقتصاد المغرب وقتها كان على المحك، لكن توفير تلك السفينة التي أرهبت الإسبان والبرتغاليين، حيث لم يكونوا يتوفرون وقتها على سفن من طابقين، ساهمت بشكل كبير في تأمين الحدود البحرية للمغرب وفرض السيطرة على السواحل وحمايتها من الهجمات التي تقوم بها البواخر الإسبانية، حيث كانت تقذف سكان آسفي والجديدة خصوصا بالمدافع.
ومن أطرف ما جاء في تاريخ الضعيف الرباطي الذي واكب هذه الفترة ودون أغلب وقائعها، متحدثا هنا عن السلطان محمد الثالث: «..تكاثرت سفنه في البحر من أهل سلا ورباط الفتح وأقبلت عليه الأيام…وكان الرايس من أهل سلا والرباط يقدمون عليه بمراكش بالنصارى الأسرى في كل سنة، مثل الرايس العربي المستيري والرايس عواد السلاوي والرايس العربي حكم وغيرهم..وهؤلاء كلهم بالسفن وكلهم يأتون إليه بسفن النصارى إلى مراكش..». ويقول في مكان آخر: «…وفد السلطان على رباط الفتح وسلا فوجد الرايس محمد عواد مانطة السلاوي، والرايس محمد عواد المعروف بقنديل السلاوي، والرايس العربي المستيري الرباطين أتوا بسفينة مغنومة من جنس السويد.. ثم سافر القائد العربي المستيري في الحين فغنم اثنتين من السفن واحدة من جنس البرطقيز (أي البرتغاليين) والثانية من جنس السويد..».

هل اكتشف المغاربة أمريكا قبل «كولومبوس»؟
لا يزال جزء مهم جدا من تاريخ علاقة المغاربة باكتشاف أمريكا، غامضا. ويحتاج إلى عمليات تسليط ضوء مكثفة للوصول إلى الحقائق المرتبطة بتلك الفترة التاريخية.
إذ أن البرتغاليين والإسبان استغلوا التقدم الكبير الذي وصل إليه المغاربة أيام الدولة الموحدية وقبلها أيضا، حيث كانوا سباقين إلى وضع الخرائط.
وقد سجل بعض المؤرخين في البرتغال أن السلطة لم تدعم تلك الرحلات الاستكشافية إلا بعدما تأكد أن المشرفين على الرحلات سوف يستعينون بملاحين مغاربة.
إذ أن تحطم سفينة برتغالية على شواطئ مدينة سلا قبل أربعة قرون من اليوم، أشعل مخاوف من فقدان المزيد من السفن بسبب قلة خبرة الملاحين البرتغاليين، وهو ما جعل البرتغال تلجأ إلى الأسرى المغاربة لديها خصوصا بعد حرب مدينتي آسفي والجديدة.
كان هناك جدل أكاديمي كبير بخصوص توفر البرتغاليين على نماذج للخرائط لجهات العالم الأربع. إذ أن هؤلاء لم يستطيعوا ربطها بأي عالم برتغالي أو إسباني. ووسط هذا الإنكار والصمت، تتقوى فرص الحقائق المغيبة. والتي تقول إن المغاربة المسلمين كانوا سباقين إلى وضع الخرائط منذ عهد يوسف ابن تاشفين، حيث كانت هذه الخرائط تستغل في الجهاد البحري، وكان المغاربة يملكون صورة واضحة عن الحدود البحرية وشكل البلدان التي كان البرتغاليون يخططون للوصول إليها.
وهؤلاء الملاحون المغاربة هم من اكتشفوا عددا من الدول الجديدة خصوصا في أمريكا اللاتينية، حيث وجدوا عند وصولهم إلى البرازيل وكوبا آثارا للحضارة الإسلامية، وهو ما يحيل على موضوع الرحالة المغربي سعيد بن حدو أو «الأزموري» نسبة إلى منطقة أزمور التي انطلق منها في سفينة اكتشافات لم يدر أحد مصيرها خصوصا بعد شيوع أخبار عن غرقها في المحيط. لكن الأزموري نجا ووصل إلى القارة الأمريكية ونشر الدين الإسلامي وسط القبائل البدائية للسكان الأصليين وكانت قصة ضريحه مصدر إحراج كبير للاكتشافات الأخرى التي جاءت قرنين بعد وفاته في القرن الخامس عشر ميلادي.
إذ كان ضريحه دليلا على أن البرتغاليين ما كانوا لينجحوا في الوصول إلى أقاصي الأرض لولا خبرة الملاحين المغاربة الذين كانوا يتفوقون كثيرا في الجهاد البحري ضد الإسبان والبرتغاليين، إذ أن ما كان يحسم المعارك لصالح الأوربيين كان هو لجوؤهم إلى المدفعيات. أما عندما كان الأمر يتعلق بالملاحة والسباق البحري، فقد كان المغاربة يتفوقون عليهم بفارق كبير.
وهو ما يحيل ما كان يعرف تاريخيا في القرنين 15 و16 بجمهورية القراصنة، وكان يقصد بها سكان مدينة سلا الذين كانوا «يتنفسون» الجهاد البحري ويسيطرون على ممرات السفن اتجاه القارة الإفريقية حيث كانت بريطانيا وإسبانيا تستورد مجانا خيرات إفريقيا الجنوبية.

قصة سفينة «الخونة».. رحلات منتظمة إلى مارسيليا
كتبت الصحافة مطولا بداية سنة 1955 عن رحلات القياد والباشاوات إلى فرنسا إما للعلاج أو للاجتماع بأبنائهم الذين كان بعضهم يتابعون دراستهم في أوروبا، وأيضا لحضور استقبالات رسمية يشرف عليها وقتها وزير الخارجية الفرنسي.
وكان برلمان سنة 1963 بعد الاستقلال، يشهد مناقشات حامية جدا بسبب إثارة المعارضة وقتها ممثلة في فريق الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لموضوع لائحة «الخونة» الذين كانت علاقتهم بفرنسا أيام «ابن عرفة» واضحة بعد أن عممت الصحف صور استقبال وزير الخارجية لهم في باريس.
كانت هناك باخرة ترسو في مياه الدار البيضاء وتقوم برحلات منتظمة تربط المدينة بمارسليا الفرنسية ما بين سنتي 1954 و1955.
سرى في الصحف وقتها خبر مفاده أن الباشا الكلاوي كان يشتري التذاكر كلها حتى لا يسافر معه أحد آخر على متن تلك الباخرة متوسطة الحجم. وهو ما تسبب في احتجاج وسط الفرنسيين الذين كانوا يرغبون في السفر إلى بلادهم اضطراريا ويكون عليهم انتظار بواخر أخرى للحجز على متنها.
وحدث مرة أن وقع جدال كبير بين الباشا الكلاوي وباشا منطقة خريبكة، الباشا الشرادي، الذي كان مواليا للسلطان محمد بن يوسف، إذ أنهما تجادلا بسبب تذاكر الباخرة. الباشا الكلاوي وابنه القايد إبراهيم كانا يريدان الذهاب إلى فرنسا للاطمئنان على العائلة، بينما الباشا الشرادي كان يريد زيارة ابنه الذي كان يتابع دراسته هناك، ولم يكن بوسعه الانتظار لأيام إلى أن ترسو باخرة أخرى في الدار البيضاء، وأصر أن يسافر في نفس الباخرة التي يريد الكلاوي شراء تذاكرها كاملة حتى لا يزعجه مغربي أثناء الرحلة.
وانتهى الموضوع بتنازل الكلاوي لكي يسافر الشرادي معه رغم أن علاقتهما كانت متوترة.
أما الرحلات الأخرى الرسمية التي كانت على متن بواخر تابعة للحكومة الفرنسية وأحيانا التجارية للربط بين المدن الفرنسية، فقد أسالت الكثير من المداد خصوصا عندما كان الوطنيون يهاجمون وجوه السلطة الجديدة في المغرب.
بالعودة إلى موضوع جلسات البرلمان المغربي سنة 1963، فقد وجهت المعارضة اتهامات لبعض وجوه السلطة القديمة أيام الحماية، في جلسات عمومية حيث رافع بعض النواب أمام باشاوات وقياد سابقين واتهموهم بركوب البواخر الفرنسية والتوجه إلى فرنسا للتفاوض باسم المغرب والتعاون مع فرنسا لترحيل محمد الخامس وتعويضه بابن عرفة.
سجلت أيضا بعض مخططات المقاومة ممثلة في الخلايا السرية إذ كان هناك مخطط سنة 1953، في دجنبر بالضبط أياما قبل احتفالات رأس السنة، يقضي باستغلال العطلة للتسلل إلى رصيف ميناء الدار البيضاء ووضع قنابل ومتفجرات لتدمير بواخر فرنسية لكن الخطة لم تنجح، فقد اعتقل الشابان اللذان دبرا الخطة وبحوزتهما المتفجرات، وحُكم عليهما بالإعدام.
ورغم أن هذه التفاصيل منسية تماما من التاريخ الجماعي، إلا أن السفن التي كانت وقتها وسيلة النقل الوحيدة أمام المغاربة والفرنسيين للتنقل بين المغرب وفرنسا، وأيضا للتنقل شرقا في اتجاه الأراضي المقدسة خلال موسم الحج، كانت جزءا مهما من التاريخ، خصوصا وأن بعض الأثرياء المغاربة كانوا يحلمون بامتلاك بواخرهم الخاصة وتوظيف ربابنة فرنسيين للإبحار بها، إلا أن القانون الفرنسي لم يكن يسمح ببيع البواخر لهؤلاء الأعيان رغم موالاتهم للسياسة الفرنسية ولم يتمكن المغاربة من امتلاك بواخر السفر إلا بعد الاستقلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى