الرأيالرئيسيةمجتمع

شوافة بروماكس

مارست البشرية طقوس التنجيم والعِرافة منذ فجر التاريخ. لقد كانت النبوءات عبارة عن محاولات بدائية لفهم العالم، أو تفسيرا للظواهر الكونية والطبيعية. سعى الإغريق، مثلا، إلى استشراف المستقبل المجهول والتنبؤ بنتائج الحروب والصراعات السياسية عبر عدة ممارسات تنجيمية، كان أبرزها Hydromancy أو التنجيم عبر قراءة ترددات الماء. يقال إن فيتاغورس مارس العِرافة، بينما صدق أفلاطون أخبار العرافين. يصعب تخيل فيثاغورس وهو يتمتم: «هاقلبي ها تخمامي.. ها مبرهنتي». فيما كانت «جمهورية» أفلاطون، أو خيالات الكهف، مجرد رؤية مضطربة لعرافة مسنة في أثينا القديمة. ولعل أشهر المنجمين في التاريخ كان الفيزيائي وعالم الفلك الفرنسي «نوستراداموس»، الذي تحققت مجموعة كبيرة من تنبؤاته لاحقا. غير أن عملية حسابية منطقية بسيطة كفيلة بتفسير حقيقة هذه التنبؤات. فإذا قمنا بإلغاء العوامل الماورائية من المعادلة وطبقنا أساليب علم النفس السلوكي، مثلا، سنرى أن نبوءات نوستراداموس عبارة عن قراءة سيكولوجية للجانب المظلم في النفس الإنسانية. تحقق نبوءات الحروب العالمية وصعود هتلر واغتيال كينيدي ما هي إلا استشراف لأحداث حتمية لا مفر من وقوعها. فالحرب صيرورة تاريخية والشخصيات العامة معرضة دائما لخطر الاغتيال، بينما تنتشر العنصرية والفاشية وهوس السلطة بين العديد من قادة العالم. ونتيجة لذلك نرى أن نوستراداموس لم يأت بمعجزة خارقة. «غالبا كان غير طالقها». إن السلوك البشري هو الأمر الوحيد الذي نتمكن دائما من رصد أفعاله وتكهن كوارثه وغبائه ومصائبه المستقبلية. تعتقد، عزيزي القارئ، وأنت تقترب من نهاية الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، أن عهد العرافة والتنجيم والشوافات اندثر تماما أمام تطور العلم وسطوة التكنولوجيا. ولكن هيهات.. إذ أطلت علينا  «مدام نوستراداموس بروماكس»، المشعوذة التيكتوكية «ليلى يا لطيف». وهي سيدة لبنانية تدعي قراءة الطالع والتنبؤ بالمستقبل. انتشرت فيديوهات «الشوافة ليلى» كالنار في الهشيم بعد تنبئها بوصول منتخب «عربي» لنصف نهائيات المونديال. نبوءة تحققت بمحض الصدفة. فقد راكم المنتخب المغربي تجارب مونديالية سابقة، ما منحه حظوظا أكبر في تحقيق نتائج جيدة. «وأجي لهنا يا أستاذة ليلى، كيفاش منتخب عربي؟ واش عمرك سمعتي زياش كيدوي بالعربية؟». عادت خزعبلات ليلى إلى الواجهة بعد زلزال الحوز وإعصار درنة، حيث تداول العديد من رواد «السوشال ميديا»، فيديو تظهر فيه البومة اللبنانية وهي تنعق بنذير شؤم سيلحق الهلاك بالمغرب وليبيا..» «وابعدي منا أختي ها العار.. ها العار». فهل صدقت نبوءة ليلى؟ أو تمت فبركة المقطع باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لبث الرعب في النفوس؟ يقسم البعض أنه سبق وشاهد فيديو نبوءة الزلزال والإعصار قبل شهور عديدة. فهل وقع هؤلاء في فخ نظرية «تأثير مانديلا»؟ أو أن الشوافة لا تنطق عن الهوى؟ إن المتتبع لموضة التنجيم والتنبؤات وما يصاحبها من ردود أفعال متباينة من طرف الجمهور، يتبين له أن الأمر عبارة عن «حريرة» يتشبث في قعرها غريق بغريق. إذ يواجه العقل الجمعي خرافة الشوافات بخرافة المؤامرات. إن تعطش النفس البشرية لتفسيرات ماورائية للمأساة يدخل في إطار محاولة التخفيف من أثر الصدمة، أو الرغبة اللاواعية في التعايش بسلام مع تراجيديا الفقد، مثلا. تختلف ميكانيزمات التعاطي مع الفشل والإحباط والصدمات النفسية، لكنها تتفق حول حقيقة تواجد الأيادي الخفية والعوامل الخارقة. نلقي اللوم على «العين والحسد» لتبرير فشلنا الدراسي، ونفسر سوء تقديرنا في إدارة مشروع ما بـ«التابعة والحضية» ونلوم عائلة الروتشايلد على احتلالنا للمراتب الأخيرة في مؤشرات التنمية الاقتصادية، بينما نؤمن بأن الأجندة الماسونية للأذرع الإعلامية لـ«روبرت مردوخ» كانت سببا في انهيار قيم الأسرة المسلمة. الكل مذنب من وجهة نظر المؤمنين بنظرية المؤامرة. تسيطر على مخيلة هؤلاء صورة الشرير الثري الذي يقهقه في زاوية مظلمة، بينما يفرك يديه معا احتفالا بسيطرته على العالم. تصور كاريكاتوري ماورائي لحقيقة بسيطة. ما هي نظرية المؤامرة؟ ولماذا قد يتآمر البنك الدولي ضد شاب عاطل «كيظل مكسل فراس الدرب»؟ هل الماسونية وفرسان الهيكل حقيقة تاريخية؟ أو مجرد أسطورة يرددها على مسامعنا مول الطاكسي؟ هذا الأخير، الذي يرفع شعار «الميريكان داخلة فهادشي أمعلم»، أثناء تعليقه على مختلف الأحداث والقضايا الراهنة. إن نظرية المؤامرة بـ«الخوشيبات» عبارة عن سلوكات براغماتية للجماعات البشرية الأكثر قوة في سعيها المشروع للحفاظ على مصالحها السياسية وتحقيق مكاسب اقتصادية وانتصارات عسكرية، على حساب الجماعات الأضعف والأقل تسليحا مثلا. يجوز لنا القول إن نظرية المؤامرة ما هي إلا صراع أزلي حول السلطة والمال. قد تستخدم فيه أساليب لاأخلاقية وطرق قذرة لبسط السيطرة والتحكم في الشعوب، لكن الأمر لا يعدو أن يكون تداولا لا سلميا للحكم. يشتكي البعض من رغبة اسرائيل، مثلا، في بسط دولتها من النهر إلى النهر. في الوقت الذي يستفيد فيه هؤلاء من «علمانية الغرب الكافر» لنشر الدعوة والتخطيط لإقامة دولة الخلافة التي ستتخطى حدودها النهر والبحر والسماء والأرض. فلماذا «الفرزيات» إذن؟ إن السبيل الوحيد للتخلص من بهلوانيات المؤامرة هو اللعب بوجه مكشوف والدفاع عن المصالح الخاصة بجرأة وشجاعة، بدل الاختباء خلف الأساطير القروسطية. «صافي كل دولة تنش على كبالتها بكل روح رياضية».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى