الدوليةالرئيسيةالملف السياسيسياسيةفسحة رمضان

صفقة القرن أم صفعة القرن؟

الأخبار

 

 

كتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغريدة له على حسابه في «تويتر» بالعبرية والعربية:

«سأقف دائما مع دولة إسرائيل والشعب اليهودي، أنا أؤيد بشدة سلامتهم وأمنهم وحقهم في العيش في وطنهم التاريخي حان وقت السلام».

أما وزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بنت فقال: «لن أسمح بأي حال من الأحوال، دون أي شروط، بإقامة دولة فلسطين أو الاعتراف بهذه الدولة، ولن نتخلى عن سنتيمتر واحد من أرض إسرائيل للعرب».

أوردت هذين القولين للرئيس الأمريكي ووزير الدفاع الإسرائيلي للتأمل في مفهومهما ومنطوقهما، وذلك بغية استجلاء «حدود» ما يطلق عليه في الآونة الأخيرة «صفقة القرن»، إذ الصفقة كمصطلح تنتمي إلى مجال الاقتصاد والتجارة أكثر من انتمائها لمجال القانون الدولي أو العلاقات الدولية المتصلة بحل النزعات.

وليس بمستغرب على رئيس أمريكا أن يقارب خطط السلام بمنطق «التاجر» الحريص على الربح، إذ «الصفقة» غالبا ما تكون لها علاقة بمنطق الربح والخسارة، دون أن نستبعد الدلالات اللغوية للفظة صفقة، والتي تعني في ما تعنيه في القواميس العربية:

-معنى الضرب: صفقه بالسيف إذا ضربه، صفق رأسه بصفقه صفقا: ضربه.

-معنى الصرف والرد: صفق القوم عن أمرهم: صرفهم وردهم.

-معنى الإخراج والنفي: صفقه من بلد إلى بلد: أخرجه ذلا وقهرا

-معنى الإغلاق والإغماض: صفق عينه: ردها وغمضها.

-معنى الاضطراب: اصطفق القوم: اضطربوا …

 

الأرض مقابل الاستثمار

ما ينبغي التأكيد عليه هو أن «صفقة القرن» هاته ليست من بنات أفكار دونالد ترامب، وواهم من يظن ذلك، فهذه الصفقة/ الخطة تم الإعداد لها مسبقا في دهاليز الخارجية الأمريكية، وتم وضعها على نار هادئة، حتى إذا نضجت واستوت وتوفرت الشروط اللازمة لبروزها وتحققها، أعلن عنها المخرج المقتدر دونالد ترامب.

وفي المجمل تعني صفقة القرن ذلك المقترح الذي قدمه الرئيس ترامب لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ويرمي هذا المقترح أساسا إلى إنشاء صندوق استثمار عالمي لدعم الاقتصاد الفلسطيني وكذا اقتصاد الدول العربية المجاورة، هكذا إذا مهدت الولايات المتحدة لإعلان صفقتها بالمراهنة على المدخل الاقتصادي، وفي هذا الصدد نظمت «مؤتمر البحرين للسلام الاقتصادي» والذي انعقد في المنامة بتاريخ 25 يونيو 2019 بمشاركة الولايات المتحدة وصنيعتها إسرائيل وبعض الدول العربية تتقدمها السعودية والإمارات العربية ومصر، وقد ادعى كبير مستشاري البيت الأبيض جاريد كوشتر أن انتعاش الاقتصاد الفلسطيني لا يمكن أن يتم إلا عبر حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مرجئا الحديث عن المسألة السياسية من خطة السلام إلى الوقت المناسب الذي ترتئيه أمريكا.

وارتباطا بالشق الاقتصادي، قدرت الصفقة قيمة الاستثمارات المزمع إقامتها بالمنطقة (فلسطين ودول الجوار) بـ 50 بمليون دولار، تخصص لإنجاز 179 مشروع أعمال وبنية تحتية، منها 10 مليارات دولار توفرها الدول المانحة لإنشاء البنية التحتية لدولة فلسطين، تشمل مطارا وميناء بحريا في غزة ومشاريع الإسكان والزراعة والمناطق الصناعية والمدن الجديدة.

وفي هذا الصدد أكدت صحيفة «الواشنطن بوست» في عددها لـ14 أبريل 2019، أن صفقة القرن لا تنص إطلاقا على إقامة دولة فلسطين، بل تقتصر على بعض المقترحات ذات الطبيعة الاقتصادية والتي تهدف إلى تحسين مستوى عيش الفلسطينيين ليس إلا، وبحسب الصحيفة نفسها دائما فإن الصفقة تقوم على تقديم حوافز اقتصادية مقابل الاعتراف العربي بإسرائيل والتطبيع معها، لكن مع الإبقاء على الوضع الراهن لفلسطين دون أية سيادة أو كيان دولة.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض التسريبات الصحيفة المرتبطة بالصفقة، سبق وأن أشارت إلى أن إسرائيل نجحت في إقناع أمريكا بالضبط على دولتي مصر والأردن للاشتراك في صياغة حل إقليمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يرتكز على ضمان سيطرة إسرائيل على الجزء الأكبر من الضفة الغربية مقابل تعويض الفلسطينيين بمساحات كبيرة من شبه جزيرة سيناء يقيمون عليها دولتهم، أما مصر فتحصل في مقابل ذلك على حوالي 720 كلم مربع في برية باران داخل صحراء النقب الواقعة تحت سيطرة إسرائيل.

 

مرحلة انتقالية

في 28 يناير 2020 أعلن الرئيس ترامب «خطة السلام» المعروفة بـ«صفقة القرن»، وذلك بحضور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي اعتبر أن الخطة المذكورة تقدم «طريقا واقعيا» لتحقيق سلام دائم في المنطقة.

وبما أن الأمريكيين كانوا يعرفون مسبقا أن الفلسطينيين لن يقبلوا بـ«صفقتهم» هاته، فقد ضمنوا الصفقة وجود مرحلة انتقالية مدتها أربع سنوات في انتظار أن يغير الفلسطينيون موقفهم الرافض للخطة بفعل المتغيرات والحسابات السياسية التي ستدفعهم في هذا الاتجاه، على أن تسيطر إسرائيل على 30 في المائة من الضفة الغربية ضمن المناطق المعروفة باسم «ج»، حسبما نص عليه اتفاق أوسلو المبرم عام 1993.

أما بخصوص وضع دولة فلسطين فقد اشترطت الخطة مضي أربع سنوات كي يسمح للفلسطينيين بإقامة دولتهم المستقلة، التي لن تكون القدس الشرقية عاصمتها وإنما ضواحيها، ومن بين هذه الضواحي التي تم تداول اقتراحها على الفلسطينيين كي تكون عاصمة لهم منطقة أبوديس، وتشترط الخطة كذلك أن تكون دولة فلسطين منزوعة السلاح حاضرا ومستقبلا.

وفي ما يتعلق بمسألة القدس والأماكن المقدسة، فقد زكت الخطة اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقد سبق وأن أعلن عن ذلك دونالد ترامب في خطابه ليوم 6 دجنبر 2017، مبديا عزمه على نقل سفارة بلاده في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس. وبموجب ذلك اعترفت الخطة بحق إسرائيل في كافة «القدس غير المقسمة» (بجزأيها الشرقي والغربي). أما الفلسطينيون فسيكون من نصيبهم شريط فقط من القدس الشرقية، يقع وراء الجدار الإسرائيلي في الضفة الغربية. كما أناطت الخطة/ الصفقة بإسرائيل مهمة حماية وصيانة المواقع المقدسة وضمان حرية المعتقدات، وتأسيسا على ذلك أبقت على الوضع الحالي الخاص بالمسجد الأقصى الخاضع للسيطرة الإسرائيلية بمعية المصلى القبلي، فيما ضربت بعرض الحائط كل المطالب الفلسطينية المتعلقة بالحرم الشريف، وعهدت في المقابل للأردن بمهمة الإشراف عليه.

تلك هي إذن الخطوط العريضة لصفقة القرن التي حاولت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل الترويج لها محليا وإقليميا ودوليا، من خلال الإيحاء للمجتمع الدولي بأن هذه الصفقة ستحل النزاع الدائم بين إسرائيل وفلسطين والعرب عامة، وستعود بالنفع على جميع أطراف النزاع خاصة على المستوى الأمني والاقتصادي.

 

ألم وأمل

من خلال استعراض مواقف الدول العربية من هذه الصفقة، سيتضح جليا أن الدوائر الرسمية العربية وصلت إلى مرحلة مأزومة في التعاطي السلبي مع المصالح القومية للأمة العربية، خاصة إذا علمنا أن بعض الدول العربية شاركت في الإعداد لهذه الخطة، بل وعمدت إلى الضغط على الفلسطينيين للقبول بها.

ودون الدخول في مسلسل تخوين هذه الدول والوقوف على حيثيات مواقفها ولا المبررات والدواعي التي بنت بها هذه المواقف، فإن الأكيد أن خط الانبطاح والتشرذم العربي وصل إلى أدنى مستوياته، وإذا أضفنا إلى ذلك تداعيات الانقسامات الفلسطينية الداخلية، فإننا لا محالة سنعدم تلك الجبهة الموحدة المتراصة التي بوسعها وحدها إجهاض هذه المناورات الأمريكية والإسرائيلية، التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية وإعدام الكيان السياسي لفلسطين ككل.

لكن ورغم قتامة وسوداوية الواقع الراهن للأمة العربية والإسلامية، فإننا لا نملك إلا التسلح بالأمل، عسى أن توفق الأجيال القادمة في تجاوز حالة الانسداد هاته وتحقق نبوءات الشعراء وكل المؤمنين بعدالة قضيتنا القومية، فتنطلق فلسطين ومعها القدس لترفرف في سماء التحرر والانعتاق. وما ذلك على الله بعزيز.

 

 

 

 

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق